
نبذة عن الكتاب:
يَسلك محمد مصطفى الزحيلي في كتاب «الوجيز في أصول الفقه الإسلامي» طريقًا تعليميًا يُقرِّب به مباحث هذا العلم إلى الطالب من خلال ترتيب أصوله الكبرى، وربط قواعده بنتائجها الفقهية، وعرض الخلاف المشهور في المسألة مع دليله ومناقشته من غير إغراق في التفريعات النادرة التي تشتت المبتدئ. وقد صاغ الكتاب بعد خبرة طويلة في دراسة أصول الفقه وتدريسه، واعتمد فيه الوضوح والتنظيم، والرجوع إلى المراجع الأصولية الأصلية، والاستفادة من الدراسات الحديثة، واستعمال الفروع الفقهية أمثلةً تطبيقية تكشف أثر القاعدة الأصولية في استنباط الحكم.
ويَنتظم الكتاب حول 6 محاور كبرى: مدخل إلى أصول الفقه، ومصادر التشريع، والحكم الشرعي، ودلالات الألفاظ وتفسير النصوص، والاجتهاد، ثم التعارض والترجيح. ويبدأ المدخل بتعريف العلم وفائدته وتاريخه وطرائق التأليف فيه وأهم مصادره، ثم يخصص عناية لأسباب اختلاف الفقهاء ومقاصد الشريعة؛ وبعد ذلك يعرض الأدلة المتفق عليها والمختلف فيها، ويبحث الحكم التكليفي والوضعي والحاكم والمحكوم فيه والمحكوم عليه، ثم ينتقل إلى كيفية فهم النصوص واستنباط الأحكام منها، وصفة المجتهد، والطريق المتبع عند ظهور التعارض بين الأدلة.
ويُعرِّف أصول الفقه من طريقين مشهورين عند الأصوليين. فعند النظر إليه من جهة تركيبه يشرح معنى العلم والأصل والفقه، ويجعل المراد بالأصول الأدلة والقواعد التي تُبنى عليها الأحكام، بينما الفقه هو معرفة الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية. وعند النظر إليه بوصفه علمًا مستقلًا يعرض تعريف الشافعية القائم على معرفة دلائل الفقه إجمالًا وكيفية الاستفادة منها وحال المستفيد، ثم تعريف جمهور الحنفية والمالكية والحنابلة بأنه العلم بالقواعد الكلية التي يُتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية. ومن خلال هذين التعريفين يميز مجال الأصولي، الذي يبحث الدليل الكلي وقواعد الاستنباط، عن مجال الفقيه الذي يعمل بالدليل الجزئي لإثبات حكم حادثة بعينها.
ويُحدِّد موضوع علم الأصول في مباحث الأدلة، والتعارض والترجيح، والاجتهاد وصفات المجتهد، والحكم الشرعي، ووجوه اقتباس الأحكام من النصوص بحسب الصيغ والمفاهيم والاقتضاء وسائر طرائق الدلالة. وينقل اختلاف الأصوليين في تعيين الموضوع الرئيس للعلم: فمنهم من جعله الأدلة، ومنهم من جعله الأحكام، ومنهم من جمع بينهما، ومنهم من ضم إليهما المرجحات وصفة المجتهد؛ ويرد اختلاف ترتيب كتب الأصول إلى هذا التباين في تحديد ما هو أصل وما هو تابع في بنية العلم.
ويَشرح فوائد أصول الفقه من خلال الوظيفة التي يؤديها في صناعة الفقه؛ فهو يرسم طريق الاستنباط، ويضبط التعامل مع مصادر التشريع، ويكشف الطريقة التي سار عليها أئمة المذاهب في اجتهاداتهم، وينمي القدرة على الترجيح والتخريج، ويُكوِّن ملكة عقلية وفقهية تساعد على معالجة النوازل الجديدة. كما يجعله أداةً أساسية في الفقه المقارن، لأن الموازنة بين الأقوال تحتاج إلى معرفة دليل كل مذهب ومسلكه في الاستنباط ودرجة قوة الدليل الذي اعتمد عليه.
ويَتتبَّع نشأة التفكير الأصولي منذ عصر النبي صلى الله عليه وسلم، حيث كان الوحي مصدر التشريع، وكانت السنة بيانًا للقرآن الكريم، ثم ينتقل إلى اجتهاد الصحابة رضي الله عنهم، وما تكوَّن لديهم من ملكة بفعل معايشة التنزيل ومعرفة العربية وأسباب النزول وورود الأحاديث. ويبين ترتيبهم العملي لمصادر الحكم؛ فيرجعون إلى كتاب الله تعالى، ثم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم إلى الإجماع عند الاتفاق، ثم إلى الاجتهاد والقياس عند غياب النص. ويرى في هذه الممارسة أصولًا عملية سبقت تدوين العلم في مصنفات مستقلة.
ويُفرد لأسباب اختلاف الفقهاء مساحة تكشف صلة الخلاف الفقهي بعلم الأصول. فمن أسبابه تفاوت العلماء في ثبوت الحديث ووصوله إليهم وقبول طرقه، واختلافهم في فهم النص المحتمل، وفي دلالة العام والخاص والمطلق والمقيد، وفي القراءات والألفاظ المشتركة ودلالة أفعال النبي صلى الله عليه وسلم، فضلًا عن اختلافهم في حجية بعض مصادر التشريع وفي قواعد القياس والاجتهاد. وتربي دراسة هذه الأسباب ملكة الاستنباط والنقد والتمحيص، لأنها تكشف منشأ الحكم الفقهي وموضع الاختلاف في الطريق المؤدي إليه.
ويُبيِّن كذلك أن قدرًا من النزاع في الأدلة المختلف فيها يرجع إلى التسمية أو طريقة التعبير أكثر من رجوعه إلى اختلاف جوهري في النتيجة؛ فكثير من المذاهب تعمل بمعاني المصلحة والعرف والاستصحاب والذرائع في صور متعددة وإن اختلفت في تسميتها أو في عدها دليلًا مستقلًا. ويكشف هذا التحليل كيف وسّع اختلاف الأئمة الثروة الفقهية، وأتاح تعدد المسالك لمعالجة الوقائع مع بقاء الأصول العامة للشريعة مشتركة بينهم.
ويَعرض مقاصد الشريعة ضمن المدخل لبيان الغايات العامة التي تتصل بها الأحكام. ويقسم مصالح الناس إلى ضروريات وحاجيات وتحسينيات؛ فالضروريات تقوم عليها حياة الإنسان الدينية والدنيوية، والحاجيات ترفع الضيق والمشقة، والتحسينيات تحقق مكارم الأخلاق ومحاسن العادات. وتدور الضروريات على حفظ الدين والنفس والعقل والنسل أو العرض والمال، ويربط كل مقصد بطائفة من الأحكام التي تحفظ وجوده وتصونه من الاعتداء.
ويَشرح مراتب المصالح عند التزاحم؛ فالضروري مقدم على الحاجي والتحسيني، والحاجي مقدم على التحسيني، والمصلحة العامة تُقدَّم على الخاصة عند التساوي في المرتبة، كما تتفاوت الضروريات نفسها بحسب أهميتها. ويصل هذه الموازنة بقواعد فقهية مثل «الضرورات تبيح المحظورات»، و«يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام»، و«يرتكب أخف الضررين»، و«المشقة تجلب التيسير»، و«الضرر يزال»، و«دفع المضار مقدم على جلب المنافع».
ثم يَعرض مصادر التشريع، ويقرر أن التشريع من الله تعالى، وأن الأدلة الشرعية وسائل لمعرفة حكمه تعالى والكشف عنه. ويصنف المصادر من جهات متعددة، ومنها المصادر النقلية التي تسبق اجتهاد المجتهد، ككتاب الله تعالى والسنة والإجماع والعرف وشرع من قبلنا وقول الصحابي رضي الله عنه، والمصادر التي يظهر فيها عمل الاجتهاد العقلي، كالقياس والاستحسان والمصالح المرسلة وسد الذرائع.
ويَجعل الكتاب والسنة والإجماع والقياس الأصول المتفق عليها في الجملة، ثم يعرض الأدلة المختلف فيها: الاستحسان، والاستصحاب، والمصالح المرسلة، والعرف، وشرع من قبلنا، ومذهب الصحابي رضي الله عنه، وسد الذرائع. ويعرض كل مصدر من جهة تعريفه وحجيته ومذاهب العلماء فيه ومجالات العمل به، مع قدر أكبر من الإيجاز في الأدلة المختلف فيها، بما يحقق غرض الكتاب التعليمي في تثبيت صورتها العامة وموقعها من الاستنباط.
ويَبحث القرآن الكريم من جهة حجيته وثبوته وخصائصه وما يتصل بقراءاته ودلالته، ثم السنة باعتبارها المصدر الثاني وبيانها للكتاب، مع بحث أقسامها من قول وفعل وتقرير ومراتب الأخبار من حيث الثبوت. ويأتي الإجماع بعدهما باعتباره اتفاق المجتهدين على حكم شرعي، ثم القياس بإلحاق واقعة لا نص في حكمها بأصل منصوص أو مجمع عليه لاشتراكهما في علة الحكم.
ويتوسع في القياس بالقدر الذي يكشف عناصره ووظيفته؛ فيبحث الأصل والفرع وحكم الأصل والعلة، وشروط كل منها، وطرائق معرفة العلة، وأهمية القياس في معالجة الحوادث التي لم يرد فيها نص خاص. وتتضح صلته بالاجتهاد في اشتراط معرفة وجوه القياس وعلل الأحكام ومسالك الاستنباط لمن يتصدى لاستخراج الأحكام.
وفي الاستحسان يَعرض معانيه عند القائلين به، ويفرق بين الصورة القائمة على دليل أقوى أو ضرورة أو عرف أو مصلحة وبين التحكم المجرد. ثم يَبحث المصالح المرسلة باعتبارها مصالح لم يرد نص خاص باعتبارها أو إلغائها، ويربطها بمقاصد الشريعة وشروط اعتبار المصلحة. ويأتي الاستصحاب لإبقاء الحكم الثابت حتى يقوم دليل يغيره، ومنه انبثقت قواعد واسعة مثل «اليقين لا يزول بالشك»، و«الأصل بقاء ما كان على ما كان»، و«الأصل براءة الذمة»، و«الأصل في الأشياء الإباحة».
ويَتناول العرف من جهة حقيقته وأقسامه وشروط اعتباره، وما يترتب على تغير الأعراف من تغير في بعض التطبيقات الفقهية التي بُنيت عليها. ثم يدرس شرع من قبلنا، ومذهب الصحابي رضي الله عنه، وسد الذرائع، ويبين أن اختلاف المذاهب في هذه الأدلة يتفاوت بين الاختلاف في أصل الحجية والاختلاف في مقدار استعمال الدليل وشروطه. ففي سد الذرائع مثلًا كان المالكية والحنابلة أكثر تصريحًا بالعمل به، بينما وافق الحنفية والشافعية في أحكام كثيرة أُسندت عندهم إلى أدلة أخرى.
ثم يَدخل في الحكم الشرعي، فيعرّفه بخطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاءً أو تخييرًا أو وضعًا، ويقسمه عند الجمهور إلى تكليفي ووضعي. والحكم التكليفي يتعلق بطلب الفعل أو الترك أو التخيير، بينما الحكم الوضعي يربط الأحكام بأسبابها وشروطها وموانعها وصفات صحتها وفسادها ورخصها وعزائمها.
ويُقسِّم جمهور الأصوليين الحكم التكليفي إلى الإيجاب والندب والإباحة والكراهة والتحريم؛ فالإيجاب طلب جازم للفعل، والندب طلب غير جازم، والإباحة تخيير بين الفعل والترك، والكراهة طلب غير جازم للترك، والتحريم طلب جازم له. ويعرض إلى جانب ذلك التقسيم الحنفي الذي يفرق بحسب قوة الدليل بين الفرض والواجب، وبين الحرام والمكروه تحريمًا، فتتسع عندهم الأقسام إلى 7 بدل 5، ويبين الأثر الفقهي المترتب على هذا التفريق.
ويُفصِّل الواجب من جهات متعددة، كوقته ومقداره وتعيينه والمكلف بأدائه، ثم المندوب وأقسامه، والمباح وما قد يطرأ عليه من أحكام بالنظر إلى الملابسات، والمكروه والحرام وما بين اصطلاح الجمهور والحنفية فيهما. وترتبط هذه التقسيمات بالفروع الفقهية، فتظهر آثارها في الإثم والثواب وصحة العمل ودرجة الطلب وغير ذلك من النتائج العملية.
أما الحكم الوضعي فيشمل السبب والشرط والمانع والصحيح والفاسد والرخصة والعزيمة. فالسبب وصف يرتب الشرع عليه الحكم، والشرط يتوقف الحكم على وجوده من غير أن يكون جزءًا من حقيقته، والمانع وصف يمنع وجود الحكم أو سببه عند تحققه. ومن أمثلة ذلك ملك النصاب سبب للزكاة، وحولان الحول شرط لها، والقتل مانع من الميراث.
ويَعرض الصحة والفساد من جهة ترتب الآثار الشرعية على الفعل، ثم الرخصة والعزيمة وما اختلف فيه الأصوليون من موضعهما داخل أقسام الحكم. فبعضهم ألحقهما بالفعل المحكوم فيه، وبعضهم بالحكم التكليفي، وبعضهم بالحكم الوضعي، ويشرح أساس كل اتجاه وما ينبني عليه من تصور لطبيعة الرخصة والعزيمة.
ثم يَبحث الحاكم، فيقرر أن الحكم لله تعالى، ويتناول ما يتصل بالتحسين والتقبيح العقليين وطريق معرفة الحكم. وبعد ذلك يأتي المحكوم فيه، وهو فعل المكلف الذي يتعلق به الخطاب، فيبحث شروط إمكان التكليف بالفعل، وقدرة المكلف عليه، والمشقة، وما يتصل بالأفعال التي تدخل تحت القصد والاختيار.
ويُتم هذا القسم بالمحكوم عليه، أي المكلف، وما يلزم لتوجه الخطاب إليه من عقل وفهم وأهلية. ويعرض أهلية الوجوب وأهلية الأداء وما يعرض لهما من أحوال، مع الاقتصار على الخلاصة التي يحتاج إليها الأصولي، لأن التفصيل الواسع في عوارض الأهلية يدرس في علوم فقهية وقانونية أخرى.
ويَنتقل في مباحث الدلالات من معرفة مصدر الحكم إلى معرفة كيفية استخراج الحكم منه؛ فتدخل الحقيقة والمجاز، وصيغ الأمر والنهي، والعام والخاص، والمطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والمنطوق والمفهوم، وطرق البيان والنسخ. وهذه المباحث تحدد مقدار ما يتناوله النص، والقرائن التي تصرفه عن ظاهره، وطريقة الجمع بين دلالاته، ولذلك عدَّ الزحيلي كيفية اقتباس الأحكام من الأدلة جزءًا أصيلًا من موضوع علم الأصول.
ويَبحث الاجتهاد من جهة حقيقته ومجاله وشروط من يتولاه؛ فالمجتهد يحتاج إلى معرفة كتاب الله تعالى وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومواضع الإجماع، والقياس وعلل الأحكام، واللغة العربية، وطرق دلالة الألفاظ، والناسخ والمنسوخ، ومراتب الأخبار. كما يحتاج إلى القدرة على فحص الأدلة وموازنتها، لأن الاجتهاد ثمرة استعمال هذه العلوم مجتمعة في الوقائع التي تحتاج إلى استنباط.
وتأتي مباحث التعارض والترجيح لتنظيم العمل حين يظهر للمجتهد أن دليلين يقتضيان حكمين مختلفين. ويقرر أن التعارض الحقيقي لا يقع بين الأدلة الشرعية الصحيحة، وأن واجب المجتهد الكشف عن وجه الجمع أو معرفة ما يقدم منهما. وعند الحاجة إلى الترجيح يراعي مراتب المصادر ودرجات الثبوت والدلالة؛ فيذكر تقديم الإجماع ثم الكتاب ثم السنة ثم القياس في الجملة، مع اختلاف المذاهب في ترتيب بعض الأدلة الاجتهادية الأخرى، كما يجري الترجيح داخل المصدر الواحد بحسب قوة كل دليل.
ويَظل التطبيق الفقهي ملازمًا لهذه المباحث من أول الكتاب إلى آخرها؛ فالقواعد تفسر اختلاف الفقهاء، والمقاصد تضبط الموازنة بين المصالح، ومصادر التشريع تحدد مأخذ الحكم، وأقسام الحكم تكشف مرتبته وآثاره، ودلالات الألفاظ تبين طريق استخراجه، والاجتهاد والترجيح يحددان كيفية التعامل مع النوازل وتعدد الأدلة. ومن خلال هذا الترابط يهيئ «الوجيز» الطالب للانتقال من معرفة القواعد الأصولية إلى استعمالها في فهم الفقه واستنباط أحكامه.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














