
نبذة عن الكتاب:
يشرح ابن أمير حاج في كتاب «التقرير والتحبير في شرح التحرير» متن شيخه كمال الدين ابن الهمام «التحرير في أصول الفقه الجامع بين اصطلاحي الحنفية والشافعية»، قاصدًا كشف عباراته المختصرة، وتقرير تحقيقاته، وحل مشكلاته، والتنبيه على دقائق الفروق بين الطريقتين الأصوليتين. وقد تلقى ابن أمير حاج «التحرير» عن ابن الهمام نفسه، وشرع في شرحه بإشارته، ثم لقي شيخه قبيل وفاته واستفاد منه جملة من الزيادات والتغييرات التي ألحقها بالمتن وأثبتها في شرحه، قبل أن يستأنف العمل على الكتاب بطريق وسط بين الاختصار والإسهاب.
ويجعل الجمع بين مناهج الحنفية والشافعية حاضرًا من أول مسائل الشرح، فلا يكتفي بعرض الاصطلاحين متجاورين، بل يقارن آثار كل قاعدة في الاستدلال. ومن أمثلة ذلك مناقشته حمل المطلق على المقيد؛ إذ يبين أن ما يمضي على قواعد الشافعية في بعض الصور لا يمضي بالضرورة على قاعدة جمهور الحنفية، لأن هؤلاء قد يبقون المطلق على إطلاقه والمقيد على قيده إذا لم تتحد الجهة الموجبة للحمل. وهكذا تتحول الفروق الاصطلاحية في الكتاب إلى فروق مؤثرة في فهم النصوص وتخريج الأحكام.
ويبدأ بالمبادئ التي يحتاج إليها علم الأصول من مباحث العلم والنظر والدليل والحكم، فيناقش حقيقة الإدراك والتصديق والنتيجة والاستدلال، ويمزج في هذه المقدمات بين اصطلاح الأصوليين ومباحث المنطق والكلام بحسب ما يحتاج إليه تفسير كلام ابن الهمام. ثم ينتقل من تصور الدليل إلى كيفية إنتاج الحكم منه، فيمثل للاستدلال بقوله تعالى «أقيموا الصلاة» باعتبار أن الأمر بإقامتها، مع القاعدة الدالة على إفادة الأمر الوجوب، يوصل إلى الحكم بوجوب الصلاة.
ويفصل في الحكم الشرعي وأقسامه وما يتصل بالوجوب والحرمة والندب والإباحة والكراهة، ويبحث الواجب المعين والمخير والموسع والمضيق وما يتفرع على هذه التقسيمات من آثار. ولا يكتفي بالتعريفات النظرية، بل يعرض الخلاف في حقيقة الواجب أو المحرم حين يتعلق التكليف بواحد غير معين من أشياء متعددة، فيناقش هل الواجب أو المحرم واحد معين عند الله تعالى، أو الجميع على وجه معين، أو ما يختاره المكلف للفعل أو الترك، ويرد هذه الصور إلى حقيقة تعلق الخطاب بالفعل.
ويتوسع في الألفاظ لأنها آلة استنباط الحكم من الكتاب والسنة، فيقسم اللفظ المفرد باعتبارات متعددة، ويبحث الحقيقة والمجاز والمشترك والمترادف والمنقول، ثم العام والخاص والاستثناء والمطلق والمقيد والمجمل والمبين والظاهر والنص والتأويل. وتظهر هنا عنايته الدقيقة بتحرير الاصطلاح بين المدرستين؛ فقد يعرض عبارة الحنفية ثم يبين مرادهم الذي قد يختلف عن ظاهر العبارة عند الشافعية، كما يفعل في تحديد أقل الجمع وما يدخل تحت اسم الجنس والجمع المنكر.
ويبحث الاستثناء من جهة حقيقته وأثره في الكلام واتصاله بالمستثنى منه، ويرد الأقوال اللغوية والأصولية بعضها إلى بعض، ثم يصل ذلك بمبحث العموم والتخصيص. كما يناقش تخصيص العام بأنواع الأدلة، وما يقع عند التعارض بين العام والخاص، والفرق بين تخصيص الحكم وبيان أن بعض الأفراد لم يدخل في المراد ابتداء، وهي مسائل يظهر فيها باستمرار أثر الجمع بين اصطلاحات الحنفية والمتكلمين.
ويفصل في الأمر والنهي من جهة تعريفهما وصيغتهما وما تدل عليه الصيغة عند التجرد من القرائن، وما يطرأ عليها من صارف يخرجها من أصل دلالتها. ويتتبع الخلاف في اشتراط الإرادة أو الاستعلاء وغيرهما في حقيقة الأمر، ثم يربط القاعدة بالتطبيق على نصوص الأحكام، بحيث لا يبقى البحث لغويًا مجردًا، بل يصبح وسيلة لتحديد الوجوب والندب والتحريم وسائر مقتضيات الخطاب.
ويبحث دلالات النصوص بمناهج الحنفية والشافعية، وما يتصل بالمنطوق والمفهوم ودلالة العبارة والإشارة والنص والاقتضاء، ويكشف في مواضع عديدة أن الاختلاف قد يكون في تقسيم الدلالات وتسميتها بقدر ما يكون في ثمرتها. ولهذا يعيد كثيرًا من المسائل إلى حقيقة المأخذ الذي بنى عليه كل فريق اصطلاحه بدل الاكتفاء بنقل أن الحنفية قالوا كذا والشافعية قالوا كذا.
ثم ينتقل إلى السنة والأخبار، فيبحث المتواتر والآحاد وشروط الرواية والعدالة والضبط والجرح والتعديل، وما يقبل من زيادات الرواة وما يقع عند اختلاف طرق النقل. ويصل ذلك مباشرة بشروط المجتهد، لأن الاستنباط من السنة لا يتم بمجرد معرفة متن الحديث، بل يحتاج إلى معرفة حال طريقه وما يثبت به، وعدم وجود ناسخ أو دليل قاطع يمنع العمل بظاهره. ويذكر أن البحث المباشر عن أحوال الرواة في الأزمنة المتأخرة قد يتعذر لطول الوسائط، ولذلك يرجع إلى أحكام أئمة الجرح والتعديل المعروفين بضبط هذا الفن.
ويبحث الإجماع من حيث حقيقته ومن ينعقد بهم وشروطه ومستنده وإمكان نقله، ثم يعرض قول الصحابي وما إذا كان حجة على من بعده، قبل الانتقال إلى القياس الذي يستغرق مساحة كبيرة من الكتاب. وفي القياس يفصل في الأصل والفرع والحكم والعلة، والفرق بين العلة المنصوصة والمستنبطة؛ فالمنصوصة يزول معها احتمال كون غيرها هو الباعث على الحكم بحسب تقرير المسألة، أما المستنبطة فتبقى ظنية ويحتمل أن تكون العلة غير ما ظهر للمجتهد أو مركبة من أكثر من وصف.
ويعرض مسالك إثبات العلة وما يقدح فيها، ويربط صحة القياس باستكمال شروط الأصل والفرع والحكم والوصف الجامع، ثم يناقش التعارض بين الأقيسة وطرق الترجيح بينها. ولا يفصل القياس عن التطبيقات الفقهية، بل يستعمل مسائل العبادات والمعاملات والجنايات وغيرها لكشف الفرق بين القياس الصحيح وما يختل فيه مناط الحكم أو يتخلف أثر العلة.
ويفرد للاستحسان عناية خاصة بوصفه من أبرز مواضع الاختلاف بين الاصطلاح الحنفي وغيره، فلا يعرضه باعتباره تركًا للدليل إلى الهوى، بل يبحث حقيقته وصوره وما الذي يجعل الحكم الاستحساني أقوى أثرًا من القياس الظاهر في بعض الوقائع. ويناقش ما أورده صدر الشريعة وغيره في الفرق بين قوة أثر الاستحسان والقياس وصحة الظاهر والباطن في بعض التطبيقات، لبيان أن الخلاف لا يفهم قبل تحرير المراد من «القياس» و«الاستحسان» في اصطلاح الحنفية.
ويتناول بعد ذلك ما يتصل بالاستصحاب والعرف والمصالح وسائر طرق الاستدلال التي وقع الخلاف في استقلالها أو حجيتها، مع رد كل دليل إلى مرتبته بالنسبة إلى الكتاب والسنة والإجماع والقياس. ويظل منهجه في هذه الأبواب قائمًا على الجمع بين النقل والتحقيق؛ فيورد أقوال المذاهب ثم يناقش مأخذها، وقد يصرح بالنظر في كلام ابن الهمام نفسه إذا رأى أن العبارة توهم معنى لا يوافق التحقيق الذي انتهى إليه.
ويبحث التعارض والترجيح باعتبارهما مرحلة لازمة بعد ثبوت الأدلة ودلالاتها، فينظر في قوة السند والدلالة، ومراتب النصوص، والوجوه التي يقدم بها دليل على آخر عند عدم إمكان الجمع. وتتصل هذه المباحث بما سبق من العام والخاص والمطلق والمقيد والأخبار والقياس، لأن الترجيح عنده ليس بابًا منفصلًا عن بقية الأصول، بل ثمرة لتحديد قوة كل دليل ومقدار احتماله.
ثم يجعل الاجتهاد آخر المباحث الكبرى، فيعرف المجتهد ويبحث شروطه وما يلزمه من معرفة الكتاب والسنة ومواضع الإجماع واللغة وأصول الاستدلال وأحوال الأخبار والناسخ والمنسوخ. ولا يجعل كل هذه العلوم مطلوبة على درجة واحدة من الاستقصاء، وإنما بالقدر الذي تحصل به أهلية استنباط الحكم في الواقعة. ويقرر إمكان تجزؤ الاجتهاد، ولذلك قد يكون الشخص مجتهدًا في بعض المسائل أو العلوم دون غيرها، ويلزمه التقليد فيما لم يبلغ فيه رتبة الاجتهاد.
ويناقش إمكان خلو الزمان من المجتهد، فيعرض قول الأكثرين بجوازه وقول الحنابلة ومن وافقهم بامتناعه، ويوازن بين الأخبار الواردة في قبض العلم وبين أحاديث بقاء طائفة على الحق. ويقرر أن مجرد الظهور على الحق لا يستلزم وجود مجتهد مطلق، لأن الاتباع الصحيح قد يتحقق من غير اجتهاد، كما يناقش الدعوى التاريخية بأن بعض العصور خلت من المجتهد المستقل، ويفرق بين إثبات وقوع ذلك في عصر بعينه وبين القول باستحالة وجود مجتهد بعده.
ويحرر التقليد بأنه الأخذ بقول الغير من غير قيام الحجة التفصيلية عند الآخذ، مع مناقشة ما إذا كان رجوع العامي إلى المفتي يسمى تقليدًا حقيقة أو اصطلاحًا، لأن قول المفتي نفسه جعله الشرع حجة في حق العامي. ثم يفرق بين حال المجتهد الذي فرضه النظر في الأدلة وحال من لم يستكمل آلة الاجتهاد، ويجعل المفتي في الاصطلاح الأصولي هو المجتهد المستكمل لشروط الفتوى، لا مجرد حافظ لمسألة أو ناقل لقول.
ويشدد في آداب الفتوى على منع التساهل في طلب الأدلة أو تتبع الرخص، ويجعل من يفتي ببادي النظر من غير استكمال البحث مقصرًا لا يحل له الإفتاء، كما يعد المتساهل في تتبع الرخص والتأويل لأجل الهوى أشد خطرًا. ويذكر من صفات المفتي العدالة والثقة والوقار ومعرفة أحوال الناس، ويستحضر تهيب السلف للفتوى وتدافعهم لها، كما يمنع إشغال العلم بالمسائل التي لا تقع أو التي لا ينتفع بها السائل إذا كانت من باب التعنت والمغالطة.
ويبحث كذلك التزام العامي مذهبًا معينًا، وينقل أن مجرد التزام إمام لا يمنع من الانتقال إلى قول مجتهد آخر في كل صورة، ولا سيما إذا ظهر له دليل صحيح يخالف ما في مذهبه ولم يجد له جوابًا قويًا أو معارضًا راجحًا، لأن الغاية هي اتباع ما شرعه النبي صلى الله عليه وسلم لا المحافظة على الانتساب المذهبي لذاته. وفي الوقت نفسه يناقش متى تلزم الفتوى المستفتي بعد صدورها، ومتى يجوز له سؤال غير المفتي الأول، وما أثر شروعه في العمل بالجواب أو التزامه له.
وتنتهي المسائل العلمية للكتاب بمناقشة تقليد العوام للصحابة رضي الله تعالى عنهم وللمجتهدين الذين لم تضبط مذاهبهم كما ضبطت المذاهب المشهورة. وينقل منع بعض المتأخرين تقليد غير الأئمة الأربعة لا لقصور من سواهم في الاجتهاد، بل لتعذر التحقق من مذاهبهم وشروط أقوالهم بعد انقراض أتباعهم وعدم ضبط فروعهم، ثم يقرر أن هذا المنع يزول متى ثبت مذهب المجتهد ثبوتًا صحيحًا يمكن معه معرفة حقيقة قوله. ويؤكد في المقابل أنه لا يلزم أحدًا أن يتقيد بجميع أقوال إمام معين ويدع أقوال غيره لمجرد الانتساب إليه.
ويغلق ابن أمير حاج هذا النقاش بإيراد ما قيل في تفضيل الأئمة الأربعة، فيرفض تحويل المفاضلة بينهم إلى تعصب مبني على استحضار فضائل إمام وإغفال فضائل غيره؛ لأن كل واحد منهم إذا نظر إلى خصائصه منفردة ظهر من علو مرتبته ما يستغرق نظر الباحث. ثم يربط انتشار مذاهبهم وضبطها واستمرار الأخذ بها عبر الأعصار بما تهيأ لها من عناية وحفظ، وعند هذه المسألة ينتهي شرح «التحرير» قبل خاتمة المؤلف ودعائه.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:













