
نبذة عن الكتاب:
يقرر تقي الدين ابن تيمية في كتاب «التحفة العراقية في الأعمال القلبية» منذ سطوره الأولى أن موضوعه ليس فضائل قلبية زائدة على أصل الدين، بل «أعمال القلوب التي تسمى المقامات والأحوال»، كالمحبة والتوكل والإخلاص والشكر والصبر والخوف والرجاء، ويعدها من أصول الإيمان وقواعد الدين، واجبةً في أصلها على المكلفين، ثم يقسم الناس فيها كما يقسمهم في أعمال الجوارح إلى ظالم لنفسه، ومقتصد يؤدي الواجب ويترك المحرم، وسابق بالخيرات يزيد على ذلك بالمستحبات وترك المكروهات. ومن هنا يناقش إمكان اجتماع الطاعة والمعصية في الشخص الواحد، فيقرر أن المؤمن قد تكون فيه حسنات وسيئات ويكون له من ولاية الله تعالى بقدر إيمانه وتقواه، ويرد بذلك على من يجعل مرتكب الكبيرة خارجًا من الإيمان أو خالدًا في النار، ويستشهد بحال من كان يشرب الخمر مع ثبوت محبته لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، ثم يقابل المعصية التي يعلم صاحبها قبحها بالبدعة التي قد يراها صاحبها دينًا حسنًا فلا يتوب منها حتى يتبين له خطؤها. ويتفرع من ذلك حديث طويل عن الصدق والإخلاص؛ فالصدق عنده ليس صدق الخبر فحسب بل صدق الإرادة والقصد والعمل، وهو الفارق بين دعوى الإيمان وحقيقته، أما الإخلاص فهو حقيقة الاستسلام لله تعالى وحده ونفي الشرك والكبر، وبذلك تصبح الأعمال الباطنة أصلًا ينتظم الأعمال الظاهرة؛ فصلاح القلب صلاح للجوارح وفساده يفسدها. ويفرق في هذا السياق بين المقامات المطلوبة دائمًا، كالمحبة والتوكل والإخلاص والرضا، وبين الحزن الذي لا يجعله عبادة مقصودة في نفسه؛ فقد يقع بسبب المصيبة من غير إثم، وقد يصاحبه معنى محمود كالتألم لمصائب الدين، لكنه يذم إذا أضعف القلب عن الصبر والعمل الواجب. ثم يركز على التوكل، رافضًا حصره في تحصيل قوت الدنيا أو اعتباره مقامًا يتجاوزه «الخاصة»، ويجعله متعلقًا قبل كل شيء بصلاح القلب والدين وحفظ اللسان والإرادة، رابطًا إياه بالعبادة في قوله تعالى: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾؛ فالعبادة عنده تجمع كمال الحب وكمال الذل لله تعالى، والاستعانة والتوكل طريق العبد إلى القيام بها. وينقد كذلك الزهد الذي يتحول إلى ترك ما ينفع في الآخرة، ويقرر أن الزهد المشروع هو الإعراض عما لا ينفع فيها، وأن الورع ترك ما يخشى ضرره فيها، لا تعطيل الأسباب أو تحريم الطيبات التي أباحها الله تعالى.
وتتسع الرسالة بعد ذلك إلى تصحيح العلاقة بين أعمال القلب والقدر؛ فيرد ابن تيمية على من يتوهم أن سبق القضاء يجعل الدعاء والعمل والتوكل والأسباب غير مؤثرة، مبينًا أن الله تعالى قدر النتائج بأسبابها، وأن الرقى والأدوية والوقاية نفسها من قدر الله تعالى، وأن العلم السابق بالسعادة والشقاوة لا يلغي العمل بل كل ميسر لما خلق له. ومن هذا الأصل يحذر من «الاسترسال مع القدر» حتى يسقط الإنسان الأمر والنهي ويسوي بين الطاعة والمعصية بحجة أن الجميع واقع بمشيئة الله تعالى، ويفصل بين الإرادة والأمر والقضاء والإذن الكوني الذي يقع به الموجود، وبين الديني الشرعي الذي يحبه الله تعالى ويرضاه. ويتصل بذلك نقده لمن يجعل خوارق العادات وحدها دليل الولاية؛ إذ يقرر أن الكرامة الحقيقية هي لزوم الاستقامة، وأن أعظم إكرام للعبد موافقته لما يحبه الله تعالى ويرضاه من طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم وموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه، لأن الخارق قد يكون ابتلاءً لا تشريفًا. ثم تصبح المحبة المحور الأوسع في القسم الأخير: يجعلها أصل كل عمل ديني، ويرجع الخوف والرجاء إليها، لأن الراجي يطلب محبوبًا والخائف يهرب مما يحول بينه وبين محبوبه، وينبه إلى أن الجنة لا تعني نعيم المخلوقات فقط، بل يدخل في أعلاها النظر إلى وجه الله تعالى، ومن ثم لا يرى تعارضًا بين عبادة الله تعالى محبةً له ورجاء جنته وخوف ناره. ويثبت محبة المؤمنين لله تعالى ومحبة الله تعالى لعباده إثباتًا حقيقيًا، ويفصل في الخلة بوصفها كمال المحبة، ثم يجعل علامة صدق دعوى المحبة اتباع النبي صلى الله عليه وسلم ظاهرًا وباطنًا؛ ولهذا ينتقد من يدعي المحبة مع البعد عن السنة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما ينتقد اتخاذ «السماع» المحدث وسيلة تعبدية لتحريك القلوب، ويقابل ذلك بالسماع الإيماني القرآني الذي كان عليه الصحابة والسلف، حيث تحرك التلاوة الخشية والإيمان والبكاء. ويقسم المحبة في أواخر الرسالة إلى محبة تنشأ من معرفة إحسان الله تعالى ونعمه، ومحبة أعلى تنشأ من معرفته تعالى بما يستحقه في ذاته من الكمال، فيتلذذ أصحابها بذكره ومناجاته ويجعلون ذلك أعظم مطلوبهم. أما خاتمة الرسالة فترد جميع هذه «الأحوال» إلى قاعدة عملية شديدة الاختصار: العبد دائمًا بين نعمة تحتاج إلى شكر وذنب يحتاج إلى استغفار، حتى النبي صلى الله عليه وسلم كان يكثر التوبة والاستغفار، ولهذا شرع الاستغفار في خواتيم الصلاة والحج وسائر الأعمال؛ ثم يقرر أن قوام الدين بالتوحيد والاستغفار، مستشهدًا بدعاء يونس عليه السلام وبسيد الاستغفار وكفارة المجلس، وينتهي نص الكتاب نفسه بكلمات التوحيد والاستغفار والتوبة: «سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك»، ثم «والله أعلم وصلى الله على محمد وسلم».
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














