
نبذة عن الكتاب:
يجمع مجد الدين أبو السعادات ابن الأثير في «البديع في علم العربية» أبواب النحو والصرف في بناء واسع قصد به شرح ما أوجزه في كتابه السابق «بغية الراغب في تهذيب الفصول النحوية»، وتوضيح ما استغلق من ألفاظه ومعانيه، من غير إفراط في التطويل ولا إخلال ناشئ عن شدة الاختصار. ويصرح بأنه أراد كتابًا جامعًا لأبواب النحو وأحكامه وأنواعه وأقسامه، مستثنيًا ما يشذ أو لا تدعو الحاجة إليه، ومقتصرًا من الأدلة على ما يحتاج إليه إحكام المسألة وبيانها، مع اختيار أقوال الأئمة ونقلها، وإضافة ما يظهر له من شرط في حد، أو احتراز في قول، أو تنبيه إلى نكتة دقيقة.
ويقيم ابن الأثير ترتيب الكتاب على تصور خاص لعلم العربية، فيقسمه إلى قطبين كبيرين: أحدهما يتعلق بما يطرأ على الكلمات من الحركات والسكون، ويسميه ما يغلب عليه النظر في «عوارض الكلم»، والآخر يتعلق بذوات الكلمات وأبنيتها وما يحدث في حروفها من تغيير. ويبين أن القسمين متداخلان لا يستقل أحدهما عن الآخر استقلالًا تامًا، لكنه يقدم أبواب الحركات والأحكام الإعرابية على أبواب بنية الكلمة؛ لشدة الحاجة إلى تقويم ما يطرأ على ألسنة المتكلمين من خلل، ولأن مسائل التصريف والتصغير والنسب أشق على المبتدئ من مسائل الحركات والسكون. ويتوزع الكتاب على 40 بابًا، 20 بابًا في كل قطب، مع تفريع الأبواب إلى فصول وأقسام وأنواع وفروع وأحكام.
ويبدأ القطب الأول بتحديد الألفاظ العامة التي يقوم عليها البحث النحوي؛ فيعرف النحو والكلمة والكلم والكلام والقول، ويقسم الكلمة إلى أقسامها ويبين خصائصها. ويعرف النحو بأنه معرفة أوضاع كلام العرب ذاتًا وحكمًا واصطلاح ألفاظهم، ويجعل طريقه الوضع والنقل، وأدلته النص والقياس، وفائدته تقويم اللسان. ثم ينتقل إلى المعرب والمبني والإعراب والبناء، فيبحث علاماتها وأسبابها وأحكامها، وما يكون منها أصليًا أو فرعيًا، وما يخرج عن الأصل لعلة تلحق الكلمة.
ثم ينتظم البحث في أبواب الجملة ووظائف أجزائها، فيتناول المبتدأ والخبر والفاعل وما لم يسم فاعله، ثم المفعولات وما يشبه المفعول من الحال والتمييز والاستثناء، ويتبع ذلك بالمجرورات، فيدخل فيها الجر بالحروف والقسم والإضافة. ويعالج بعد ذلك التوابع والنداء، قبل أن يخصص بابًا كبيرًا للعوامل يقسمه إلى الأفعال والأسماء العاملة والحروف العاملة، ويفصل الأفعال بحسب اللزوم والتعدي، وما يتعدى إلى مفعول واحد أو مفعولين أو 3 مفاعيل، و«كان» وأخواتها، وأفعال المقاربة، وغيرها من الأفعال التي تختلف أحكام عملها وتصرفها.
ويتناول في بقية القطب الأول «كم» وأحكامها، ونوني التوكيد الثقيلة والخفيفة، والتقاء الساكنين وما يترتب عليه من تحريك أو حذف، ثم الوقف وطرائقه وما يعرض للكلمة عنده، والحكاية وما يحتفظ فيه بلفظ المحكي أو إعرابه. ولا يسير في هذه الموضوعات على تعداد الأحكام وحده، بل يكثر من تقسيم المسألة الواحدة إلى أنواع وفروع، ويجمع تحت الباب الواحد الأحكام المتصلة بأصل واحد، بحيث ينتقل من تعريف الظاهرة إلى شروطها وصورها وما يرد عليها من استثناءات وخلافات.
أما القطب الثاني فيتجه غالبًا إلى بنية الكلمة وما يتصل بها من مباحث صرفية ولغوية، ويفتتحه بالنكرة والمعرفة، ثم المذكر والمؤنث، والمقصور والممدود، والتثنية والجمع، والتصغير والنسب. ويفصل في هذه الأبواب الأصول التي تبنى عليها الصيغ وما يطرأ عليها من حذف وقلب وزيادة وتغيير، ويميز القياسي من المسموع والشاذ، ويعرض اختلاف الأبنية بحسب صحة الحروف واعتلالها، وما تتأثر به الصيغة عند التثنية أو الجمع أو التصغير أو النسب.
ويمضي بعد ذلك إلى الاستفهام والموصولات وما لا ينصرف والعدد، ثم يعقد أبوابًا للهمزات والإمالة والكتابة والخطاب. وفي هذه المباحث تتداخل الصناعة النحوية بالصوت والصرف والرسم، فيبحث صور الهمزة وأحوالها، وأسباب الإمالة وما يمتنع منها، وما يتصل برسم بعض الحروف والكلمات. ويعرض في الممنوع من الصرف الأسباب المانعة وأحوال زوال المنع، كما يستقصي صيغ العدد وأحكامها وما يتصل بالمعدود، ويبحث الأسماء الموصولة وصلاتها والعائد فيها، وأدوات الاستفهام واختلاف دلالاتها واستعمالاتها.
ويجعل من أوسع أقسام هذا القطب أبواب الأبنية والمصادر والتصريف والإدغام؛ ففي الأبنية يتتبع أوزان الأسماء والأفعال، المجرد منها والمزيد، وما يبلغ إليه عدد الحروف الأصلية والزوائد، ويعرض معاني طائفة من الأبنية وما يدخل العربية من الألفاظ الأعجمية وكيف تعاملها العرب في أوزانها وأصواتها. ثم يبحث المصادر وصيغها، ويتوسع في التصريف من إعلال وإبدال وحذف وقلب ونقل للحركات وما يلحق الصحيح والمعتل، قبل أن يفرد الإدغام ببحث مخارج الحروف وصفاتها وتقاربها وما يجوز إدغامه أو يمتنع.
ويعتمد الكتاب في تقرير مسائله على أقوال أئمة العربية ومذاهبهم، فتتكرر فيه آراء سيبويه والخليل والأخفش والمبرد وابن السراج وأبي علي الفارسي والفراء والكسائي والمازني وغيرهم، ولا يلتزم مذهب مدرسة واحدة في كل موضع، بل ينقل الأوجه ويختار بينها في عدد من المسائل. كما يحضر شيخه ابن الدهان في بعض المواضع تصريحًا، ويستعين بالقياس في تفسير الأحكام وتمييز المطرد من الشاذ. ومع أن ابن الأثير أعلن الاقتصاد في الأدلة والعلل، فإن الكتاب لا يخلو من المناقشات والتوجيهات التي تفسر سبب الحكم أو تبين وجه الاختلاف بين الأقوال.
ويكثر الاستشهاد بالقرآن الكريم والقراءات، وبشعر العرب الذي يحضر في مختلف أبواب النحو والصرف، كما يستشهد بحديث النبي صلى الله عليه وسلم، وآثار الصحابة رضي الله عنهم، والأمثال وكلام العرب ولغات قبائلهم. ولا تأتي الشواهد للتزيين أو الاستطراد، بل تتصل غالبًا بإثبات صيغة أو عمل أو وجه إعرابي أو استعمال لغوي، ويعود إلى بعضها في أكثر من باب إذا تعددت الجهات التي يصح الاستشهاد بها من أجلها.
ويجعل الباب الأخير من القطب الثاني في «جائزات الشعر»، فيجمع فيه ما يباح للشاعر مما لا يجري على القياس المستعمل في سعة الكلام، فيتناول وجوه الحذف والزيادة والتقديم والتأخير وتغيير الحركات والأبنية والإبدال وغير ذلك مما تدعو إليه الضرورة الشعرية. ويقرر في نهاية الباب أن ما جمعه من هذه الجائزات من أكثر ما جُمع منها في الكتب، مع بقاء صور أخرى مرت في أثناء الأبواب، وأن أكثر هذه الضرورات شاذ قليل الاستعمال لا يقاس عليه.
ولا ينتهي الكتاب بانتهاء أبواب النحو والصرف، بل يلحق ابن الأثير بها فصلًا صريحًا يقول إنه ختم به الكتاب، خصصه لشرح الكلمات اللغوية الغريبة التي وردت في الأمثلة والشواهد. ويرتب هذه الألفاظ على حروف المعجم ليسهل الرجوع إليها، ويشرح معانيها وما يحتاج منها إلى بيان، ولو كان قد فسر بعضها في موضع سابق، خشية أن ترد مرة أخرى ولا يكون معناها حاضرًا للقارئ. وبهذا يكتمل «البديع في علم العربية» بوصفه كتابًا جامعًا يربط أحكام الإعراب ببنية الكلمة، ويمزج النحو بالصرف والصوت والرسم واللغة، ويعرض مادته في تقسيم دقيق يتدرج من أصول الكلام وأحكام الجملة إلى أبنية الألفاظ وتصريفها، ثم يختم بمعجم موجز لغريب شواهده وأمثلته.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














