
نبذة عن الكتاب:
يَجْمَع أبو الشيخ عبد الله بن محمد الأصبهاني في كتاب «أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وآدابه» طائفة واسعة من الأخبار والآثار التي تصف خُلُق رسول الله صلى الله عليه وسلم وآدابه وهيئاته وعاداته في معاشرته للناس وفي شؤونه اليومية، مرتبًا مادته على أبواب موضوعية تتناول خصاله الخُلُقية، وطريقته في المجالس والكلام، ومظهره ولباسه وطعامه وشرابه ونومه وسائر أحواله. ويورد الروايات بأسانيده، فتتكون صورة تفصيلية للسيرة العملية من خلال ما نُقل عن الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم ممن وصفوا أقواله وأفعاله وهيئاته.
ويفتتح بحسن خُلُقه صلى الله عليه وسلم، فيورد ما يدل على كمال معاملته لأهله وأصحابه، ولينه في الإجابة، وقربه ممن يخاطبه، ومشاركته جلساءه في حديثهم المباح، وطول صمته وكثرة تبسمه. ويورد عن عائشة رضي الله عنها وصف خُلُقه بالقرآن، ويعرض ما كان عليه في بيته من خدمة أهله، وخياطة ثوبه، وخصف نعله، والقيام بحاجاته من غير تكلف ولا ترفع، مع سرعة انتقاله إلى الصلاة إذا حضرت.
ثم يعرض كرمه وحلمه واحتماله وكظم غيظه وشدة حيائه وعفوه وصفحه وجوده وسخائه، مستشهدًا بالمواقف التي قابل فيها الجفاء بالحلم، والإساءة بالعفو، والشدة بالرفق. ويتكرر في هذه الأخبار صبره على الأعراب وأصحاب الحاجات، وعدم ضيقه بطول السؤال أو خشونة الخطاب، وإمهاله من قصده حتى يفرغ من حاجته، إلى جانب حيائه الشديد وإعراضه عما يكره من غير فحش ولا مواجهة جارحة.
ويبرز تواضعه صلى الله عليه وسلم في معاملته لمختلف طبقات الناس؛ فيذكر وقوفه مع صاحب الحاجة، ومشيه مع الضعيف والمسكين، وعدم استنكافه من الاستماع لمن يطلب منه أمرًا، وبقاءه مع من أمسك بيده حتى يكون الآخر هو المنصرف. ويورد من مجالسه أنه كان يجلس حيث ينتهي به المجلس، ولا يميز نفسه بمكان مخصوص، ويعطي كل جليس نصيبه من الإقبال حتى لا يظن أحد أن غيره أكرم عليه منه.
ويتناول رفقه بأمته صلى الله عليه وسلم في صور عملية؛ كالتخفيف في الصلاة عند سماع بكاء الصبي مراعاةً لأمه، والصبر على الناس في تعليمهم ومجالستهم، وقضاء حوائجهم، ومراعاة تفاوت أحوالهم. كما تظهر هذه الرحمة في طريقة خطابه؛ فلا يكثر اللعن، ولا يطلب عورات الناس، ولا يعيبهم، ولا يقطع حديث المتكلم حتى يفرغ إلا لموجب.
ويصف مجالسه بأنها مجالس حلم وحياء وصدق وأمانة، لا ترتفع فيها الأصوات ولا يتنازع الجلساء الحديث، ويوقر فيها الكبير ويرحم الصغير ويؤثر صاحب الحاجة. وكان صلى الله عليه وسلم دائم البشر، سهل الخُلُق، لين الجانب، بعيدًا عن الفظاظة والغلظة والفحش وكثرة العتاب، وينصت لمن يتكلم، ويضحك مما يضحك منه أصحابه ويتعجب مما يتعجبون منه في حدود ما يليق.
ويجمع أبو الشيخ ما روي في تبسمه ومزاحه وسروره، فيظهر أن مزاحه لم يكن خارجًا عن الصدق والأدب، وأنه كان يلاطف الصغار ويأنس بهم، ومن ذلك مخاطبته أبا عمير بشأن النُّغَيْر. ويقابل ذلك بما روي في بكائه وحزنه وصمته، فتظهر موازنة بين البِشْر ورقة القلب، وبين الأنس بالناس وطول التفكر والصمت، فلا تتحول المخالطة إلى لغو ولا الجد إلى عبوس وانقباض.
ويعرض صفته في الكلام والمنطق، وطريقة حديثه مع جلسائه، وما كان يقوله عند قيامه من مجلسه، وكيف كان ينصت وينظم أوقات حديثه ومجالسه. كما يتناول مشيه والتفاته وهيئته عند مقابلة الناس، ويورد ما يدل على كمال أدبه في البدن كما في القول؛ فلا يمد ركبتيه أمام جليس، ولا يسحب يده ممن صافحه حتى يكون الآخر هو الذي يتركها.
ثم ينتقل إلى شؤونه الظاهرة وعاداته، فيذكر محبته للطِّيب وتطيبه، وما روي في قميصه وجبته وعمامته وخاتمه ونعله، وما كان يقوله عند اللباس، وما ورد في زينته من غير إسراف ولا تعلق بالدنيا. وتدخل في ذلك روايات تصف طيب رائحته صلى الله عليه وسلم وحسن هيئته، مع ما كان عليه من الزهد وعدم التكلف.
ويضم الكتاب أبوابًا في طعامه وشرابه وأوانيه وما كان يحبه أو يتركه، وهيئة أكله وجلوسه، وما كان يدعو به عند الطعام والشراب، إلى جانب ما يروى من قلة ما كان يجده أحيانًا وشدة زهده في المطاعم. فلا يقدم صورة للآداب مجردة عن واقعه، بل يجمع بين وصف ما كان يأكله وكيف كان يأكله وبين ما كان يعرض له من الجوع وقلة ذات اليد.
ويعرض نومه وآدابه عند المنام وما يقوله عنده، وهيئته في الاضطجاع، واستعماله الذكر والتعوذ، وما يتصل بقيامه من الليل ووضوئه وصلاته. كما يذكر صفته في القراءة والذكر والعبادة، فتتصل آدابه اليومية بعبادته، ويظهر حضور ذكر الله تعالى في أحواله المختلفة من نوم ويقظة ولباس وطعام ومجلس.
ولا يقتصر أبو الشيخ على الصفات الهادئة، بل يورد شجاعته وثباته وصبره على المكروه، وما اجتمع فيها من قوة وعفو؛ فقد يقدر على خصمه ثم يصفح عنه، ويواجه الخطر بثبات من غير طيش أو انتقام للنفس. ويعرض كذلك ما روي في كراهيته لبعض الأمور وإعراضه عنها، وفيما كان يحبه من الفأل الحسن والطِّيب ونحو ذلك من العادات التي تكشف عن سمته في الحياة اليومية.
وتترابط هذه الأبواب لتقدم السيرة الأخلاقية للنبي صلى الله عليه وسلم من خلال الجزئيات المشاهدة: في بيته، ومع خادمه، وفي مجلسه، ومع زوجاته، ومع الصغير والضعيف، وفي الصلاة، وعند الطعام واللباس والنوم، وفي الفرح والحزن والغضب والعفو. ويظل الاعتماد في ذلك على الرواية المسندة وجمع الشواهد المتعددة تحت الخصلة أو الأدب الواحد، بحيث تتضح الصفة من تكرار الأخبار وتنوع المواقف التي نُقلت فيها.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:











