وصف الكتاب:
يشرح محمد بن أحمد القرطبي في «الجامع لأحكام القرآن والمبيّن لما تضمّنه من السنة وآي الفرقان» القرآن الكريم من سورة الفاتحة إلى سورة الناس، جامعًا بين تفسير معاني الآيات واستنباط أحكامها وبيان ما يتصل بها من السنة واللغة والقراءات والإعراب وأسباب النزول. وقد صرّح في مقدمة كتابه بأنه أراد أن يكتب تعليقًا يتضمن نكتًا من التفسير واللغات والإعراب والقراءات، والرد على أهل الزيغ والضلالات، والأحاديث الشاهدة لما يذكره من الأحكام ونزول الآيات، مع بيان ما أشكل من القرآن والسنة بأقوال السلف ومن تبعهم من الخلف. واشترط أن ينسب الأقوال إلى قائليها والأحاديث إلى مصنفيها، لما يترتب على معرفة مخرج الحديث من التمييز بين المقبول وغيره وصحة الاحتجاج به، كما قرر أن يضرب عن كثير من قصص المفسرين وأخبار المؤرخين إلا ما تدعو إليه حاجة البيان، وأن يستعيض عن ذلك بتفصيل آيات الأحكام في مسائل تكشف معانيها وما يترتب عليها. فإذا تضمنت الآية حكمًا أو أكثر قسم الكلام عليها إلى مسائل، وبيّن فيها ما يتصل بسبب النزول والتفسير والغريب والحكم، وإذا لم تتضمن حكمًا ذكر ما فيها من التفسير والتأويل، واستمر على هذه الطريقة إلى آخر القرآن. ولهذا تتفاوت مساحة تفسير الآيات بحسب ما تشتمل عليه؛ فقد يكتفي في بعضها ببيان معنى لفظ أو تركيب، وقد يعقد للآية مسائل متعددة يفصل فيها الأحكام المستنبطة منها ويعرض أقوال الفقهاء وأدلتهم ووجوه اختلافهم، مستعينًا بالأحاديث والآثار والقواعد الفقهية وما تدل عليه الآية من عموم أو خصوص أو إطلاق أو تقييد أو نسخ. ويظهر ذلك في مواضع القرآن المختلفة؛ ففي قوله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} مثلًا جعل الكلام في ست مسائل، مبتدئًا بدلالة الأمر ثم متتبعًا ما يتفرع عليه من الأحكام، وهي طريقة متكررة في تفسيره لآيات التشريع.
ويضم القرطبي إلى عنايته بالأحكام بحثًا واسعًا في اللسان العربي الذي نزل به القرآن؛ فيفسر غريب الألفاظ، ويتتبع أصول الكلمات واشتقاقاتها واستعمالاتها، ويذكر وجوه الإعراب وما يترتب عليها من اختلاف المعنى، ويستشهد بكلام العرب وأشعارهم، ويعرض أقوال النحويين واللغويين ويرجح بينها عند الحاجة. كما يذكر القراءات واختلاف القراء، ويوجهها من جهة العربية والمعنى، وقد يجمع في الموضع الواحد بين القراءة والإعراب واللغة والتفسير والحكم. ومن أمثلة ذلك تفسيره أوائل سورة آل عمران، حيث يذكر مدنية السورة ثم يعرض قراءات «الم الله» ووجوه الوصل والوقف والكسر عند التقاء الساكنين. ويعتني كذلك بالسنة عناية ظاهرة، فيسوق الأحاديث المتعلقة بالآية ويعزوها إلى دواوينها بحسب شرطه، ويستفيد منها في تفسير المجمل وبيان الحكم والجمع بين دلالة القرآن والسنة، كما يعرض أقوال الصحابة رضي الله عنهم والتابعين والمفسرين والفقهاء، ويناقش ما يقع بينها من اختلاف. ويبحث أسباب النزول حين يتصل بها فهم الآية، كما يظهر في تفسير قوله تعالى: {لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ} إذ بدأ بشرح معنى السخرية واستعمالاتها اللغوية ثم أورد الأقوال المختلفة في سبب النزول، وانتقل منها إلى ما تدل عليه الآية من آداب وأحكام. ولا تنحصر مادته في الأحكام الفقهية، بل تمتد إلى مسائل الاعتقاد والنبوة والمعاد والأخلاق والآداب والقصص والأمثال وما تثيره الآيات من مسائل، مع الرد على الأقوال التي يخالفها وبيان مأخذ اختياره. ويكثر من الإحالة إلى ما سبق شرحه في سورة متقدمة اختصارًا للتكرار، ويربط بذلك مواضع القرآن المتشابهة في الألفاظ أو الأحكام. ويمضي بهذا المنهج في سور القرآن كلها حتى سورة الناس، حيث يفسر الاستعاذة برب الناس وملكهم وإلههم، ومعنى الوسواس الخناس وما بقي من ألفاظ السورة، فيكتمل بذلك تفسيره للكتاب من أوله إلى آخره.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها: