وصف الكتاب:
يستقصي محمد الطاهر بن عاشور في «التحرير والتنوير» معاني القرآن الكريم من سورة الفاتحة إلى سورة الناس، في تفسير يمتد إلى 30 جزءًا، وقد صرح في مقدمته بأن تفسير القرآن كان من أكبر أمانيه، لما يجمعه من مصالح الدنيا والدين وكليات العلوم وأصول التشريع ومكارم الأخلاق ودقائق البلاغة. وبنى عمله على الإفادة مما قرره المفسرون السابقون مع التهذيب والزيادة والاستدراك، فجعل نفسه حكمًا بين أقوالهم، يقبل منها ما يقوم عليه الدليل ويناقش ما يحتاج إلى نظر، ولا يقصر تفسيره على إعادة ما تقدم، بل يميز ما يفتح الله تعالى له به من فهم في معاني كتابه وما يضيفه من مسائل لم يجدها في التفاسير التي بين يديه. ويجعل من أبرز مقاصده الكشف عن وجوه إعجاز القرآن ودقائق البلاغة العربية وأساليب الاستعمال، وبيان اتصال الآيات بعضها ببعض، والكشف عن أغراض كل سورة حتى لا تبدو آيات القرآن فقرًا متفرقة، مع تحقيق معاني المفردات العربية وضبط دلالاتها واستعمالاتها. وقد سمى كتابه بـ«تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد» ثم اختصره إلى «التحرير والتنوير من التفسير». ويمهد للتفسير بعشر مقدمات تناول فيها حقيقة التفسير والتأويل وكون التفسير علمًا، والعلوم التي يستمد منها المفسر، وصحة التفسير بغير المأثور ومعنى التفسير بالرأي، وغرض المفسر ومقاصد القرآن، وأسباب النزول، والقراءات، وقصص القرآن، واسم القرآن وآياته وسوره وترتيبها وأسماءها، وتعدد المعاني التي تحتملها التراكيب القرآنية، ثم إعجاز القرآن؛ فجاءت هذه المقدمات أصولًا يرجع إليها في مواضع كثيرة من بقية الكتاب. ويقرر في بيان غرض المفسر أن المقصد الأعلى للقرآن صلاح الأحوال الفردية والجماعية والعمرانية، ثم يستقرئ ثمانية مقاصد كبرى: إصلاح الاعتقاد، وتهذيب الأخلاق، والتشريع، وسياسة الأمة وحفظ نظامها، والقصص وأخبار الأمم للاعتبار، والتعليم وما يفتح أبواب المعرفة وصحة الاستدلال، والمواعظ والإنذار والتبشير والمحاجة، والإعجاز الدال على صدق النبي صلى الله عليه وسلم.
ويجري ابن عاشور في تفسير السور والآيات على هذه الأصول؛ فيبين أسماء السورة وما ثبت فيها، ومكيتها أو مدنيتها وموضعها في ترتيب النزول وعدد آياتها عند الحاجة، ثم يحدد أغراضها ومقاصدها، ويكشف مناسبة مقاطعها واتصال بعضها ببعض، قبل أن يتوسع في تحليل الألفاظ والتراكيب والنظم. وهو شديد العناية بأصول الكلمات ودقائق مدلولاتها والفروق بينها، وبالنحو والصرف ووجوه الإعراب، وبالمعاني والبيان والبديع وما يترتب على التقديم والتأخير والتعريف والتنكير والحذف والذكر والقصر والالتفات والتشبيه والاستعارة والكناية وسائر طرائق النظم، مستشهدًا بكلام العرب وشعرهم لتقرير الدلالة والاستعمال. ويعرض القراءات واختلافها وما يترتب عليها من اتساع المعنى أو اختلاف وجه الإعراب والتفسير، ويتناول أسباب النزول مع التمييز بين ما يحتاج إليه فهم الآية وبين ما توسع الرواة في إلحاقه بها، وقد خص هذا الباب بمقدمة حذر فيها من تصور أن كل آية لا بد أن يكون لها سبب نزول خاص. كما يعالج آيات الأحكام وما تثيره من مسائل التشريع والفقه وأصوله، ويعرض أقوال العلماء ومذاهبهم ويناقش أدلتهم بحسب تعلقها بالآية، ويستخرج من القرآن كليات التشريع ومقاصده، ويتناول قضايا الاعتقاد والنبوة والبعث والأخلاق والاجتماع وسياسة الأمة والاقتصاد وأحوال العمران، ويستعين بما صح من المعارف والعلوم إذا أعان على زيادة إيضاح المعنى، مشترطًا ألا يخرج ذلك عما يحتمله اللفظ العربي ولا يتحول الاستطراد العلمي إلى غرض مستقل عن التفسير. ويستمر على هذا المنهج في القرآن كله حتى سورة الناس، فيبحث في خاتمتها دلالة أوصاف الله تعالى «رب الناس، ملك الناس، إله الناس»، ومعنى الوسواس والخناس، وأسرار التكرير وترتيب الألفاظ، ثم يختم بقوله إن بتفسيرها تم تفسير القرآن العظيم. وقد صرح في خاتمته بأنه حاول بيان معاني القرآن ودقائق نظامه وخصائص بلاغته، جامعًا بين ما اقتبسه من أقوال الأئمة وما أداه إليه نظره، وأن تأليف الكتاب استغرق 39 سنة و6 أشهر، حتى أتمه عصر يوم الجمعة 12 رجب سنة 1380هـ، بعد أن امتد تفسيره من فاتحة الكتاب إلى خاتمته.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها: