اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:
أسرع موقع لقراءة وتحميل الكتب الإسلامية بشتى أقسامها PDF بروابط مجانية ومباشرة وسريعة
يفسر أبو حيّان الأندلسي في «البحر المحيط» القرآن الكريم من سورة الفاتحة إلى سورة الناس، جامعًا بين تفسير المعنى والتحليل اللغوي والنحوي والقرائي والبلاغي، وقد بيّن في خطبة كتابه أنه نظر فيما سبقه من كتب التفسير فاختار منها ما احتاج إليه، ولخص المطولات، وحل المشكلات، وقيد المطلقات، وجمع المتفرق، وأضاف ما استخرجه من دقائق الإعراب ولطائف البيان. ووضع لنفسه ترتيبًا محددًا يبدأ فيه بمفردات الآية لفظة لفظة، فيشرح ما يحتاج منها إلى اللغة وما يتعلق بالكلمة من أحكام نحوية قبل التركيب، وإذا تعددت معاني اللفظة ذكرها عند أول ورودها ليُرجع إليها في المواضع الأخرى. ثم ينتقل إلى تفسير الآية، فيذكر سبب نزولها إن كان لها سبب، والنسخ عند وجوده، ومناسبتها وارتباطها بما قبلها، ويجمع القراءات المستعملة والشاذة ويوجهها بالعربية، وينقل أقوال السلف والخلف في معاني الآية، ويتناول ما يظهر فيها وما يخفى من الدلالات، ويبين غوامض الإعراب وما فيها من وجوه البيان والبديع. ويحرص على عدم إعادة شرح ما سبق إلا إذا ظهرت فائدة جديدة، فيحيل إلى الموضع المتقدم، ويجعل ظاهر اللفظ ومقتضى الدليل أصلًا ما لم يوجد ما يصرف عنه، كما يرفض حمل القرآن على الأوجه الإعرابية البعيدة والتقديرات المتكلفة والتراكيب القلقة التي قد تجوز في بعض كلام العرب، مؤكدًا أن كلام الله تعالى يُحمل على أحسن الإعراب والتركيب.
ويتسع الكتاب إلى العلوم التي يراها أبو حيّان لازمة لفهم القرآن؛ فيجعل من أصول التفسير معرفة اللغة بأسمائها وأفعالها وحروفها، والنحو والتصريف لمعرفة أحكام الكلمات مفردة ومركبة، والبيان والبديع لمعرفة فصاحة اللفظ والتركيب، والحديث لمعرفة المبهم والمجمل وأسباب النزول والنسخ، وأصول الفقه لفهم العموم والخصوص والإطلاق والتقييد والأمر والنهي وما يتصل بآيات الأحكام، ثم مسائل الاعتقاد والنبوة وإعجاز القرآن، وعلم القراءات وما يقع فيه من اختلاف الألفاظ والحركات والزيادة والنقص. ويظهر أثر هذه الأدوات طوال التفسير؛ فهو يورد وجوه القراءات ويفصل في توجيهها، ويوازن بين الاحتمالات النحوية والدلالية، ويرجح بينها عند الحاجة، ويستشهد بكلام العرب وشعرهم، ثم يختم أحيانًا مجموعة الآيات بذكر ما اشتملت عليه من وجوه البيان والبديع وبكلام منثور يجمع مضمونها والمعنى الذي اختاره. كما ينقل أقوال الفقهاء الأربعة وغيرهم في الأحكام الشرعية المرتبطة باللفظ القرآني، مع إحالة تفصيل الأدلة إلى كتب الفقه، ولا يطيل في تقرير القواعد النحوية والأصولية التي موضع بسطها كتب تلك العلوم إلا إذا كان الحكم غريبًا أو مخالفًا للمشهور. وينبه إلى تجنب أسباب النزول غير الصحيحة، وأحاديث الفضائل التي لا تثبت، والحكايات التي لا تناسب التفسير، والتواريخ الإسرائيلية، كما يذكر من كلام الصوفية ما له مناسبة بمدلول اللفظ ويترك ما يحمل ألفاظ القرآن على معان بعيدة عنها، ويرفض تأويلات الباطنية التي تخرج الألفاظ عن مدلولاتها اللغوية. ويستمر على هذا المنهج في سور القرآن كلها حتى سورة الناس، حيث ينتهي الكتاب بتفسير آيات الاستعاذة برب الناس وملكهم وإلههم من شر الوسواس الخناس.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:
أثير الدين أبو حيان محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حَيَّان النِّفْزي الجَيَّاني الغرناطي الأندلسي: من كبار علماء العربية والتفسير والقراءات والحديث والتراجم واللغات. وُلد في أواخر شوال سنة 654هـ بمَطْخَشارش من أعمال غرناطة، ونشأ بغرناطة في بيئة علمية، فقرأ القرآن بالقراءات، وتلقى النحو واللغة والحديث والفقه وأصوله والأدب عن علماء الأندلس، ولازم أبا جعفر ابن الزبير وانتفع به، وقرأ على أبي جعفر ابن الطباع، وابن أبي الأحوص، وغيرهم. ثم رحل عن الأندلس في شبابه، وتنقل في طلب العلم بين مالقة وبلاد المغرب وبجاية وتونس والإسكندرية وبلاد مصر والحجاز وغيرها، ولقي في رحلاته عددًا كبيرًا من العلماء، وذكر عن نفسه أنه سمع من نحو 450 شيخًا، وأن الذين أجازوه كانوا كثيرين من أهل الأندلس وإفريقية ومصر والحجاز والعراق والشام. ومن شيوخه في مصر ابن النحاس، والشرف الدمياطي، والقطب القسطلاني، وابن الأنماطي، وابن دقيق العيد، وغيرهم. واستقر بعد رحلاته بالقاهرة، فاتخذها موطنًا، وفيها صنف أكثر كتبه وأقرأ الناس. وكان في أول أمره على المذهب الظاهري، ثم انتسب في مصر إلى المذهب الشافعي، وإن نقل بعض مترجميه بقاء ميله إلى الظاهرية، وذكر المؤرخون أنه كان أشعري العقيدة، ويظهر في «البحر المحيط» تأويله عددًا من الصفات مع نقله أقوال غيره فيها.
تبحر أبو حيان في العربية، ولا سيما النحو والتصريف، واشتغل كذلك بالتفسير والقراءات والحديث والفقه والتاريخ والتراجم والأدب، وكان كثير الاشتغال بالقراءة والسماع والكتابة والتصنيف. وتصدر للتدريس والإقراء، فعُيّن مدرسًا للنحو بجامع الحاكم سنة 704هـ، وتولى سنة 710هـ تدريس التفسير بقبة السلطان الملك المنصور، كما تولى الإقراء بجامع الأقمر، ودرّس التفسير بالجامع الطولوني، وأضيفت إليه مشيخة الحديث بالقبة المنصورية، واستمر في هذه الأعمال إلى وفاته. وأقبل عليه الطلاب، حتى تخرج به جماعة صاروا من علماء عصرهم، ومنهم تقي الدين السبكي وتاج الدين السبكي، والصفدي، وابن عقيل، والسمين الحلبي، والمرادي، والإسنوي، والفيومي، وابن مرزوق، وغيرهم، وأخذ عنه بعضهم القراءات، وبعضهم العربية والتفسير والحديث. وكان له اهتمام خاص بالطلبة الأذكياء، وعُرف بالتثبت فيما ينقله والتحرير لما يقوله وضبط اللغة، كما كان شاعرًا وله نظم وموشحات. وفقد ابنته نُضار سنة 730هـ، وصنف في ذكراها كتابه «النضار في المسلاة عن نضار»، وقد ضمنه أخبارًا عن نفسه وكثير من شيوخه.
خلَّف أبو حيان عددًا كبيرًا من المصنفات في فنون مختلفة، قيل إنها تزيد على 50 مصنفًا، ومن أشهرها تفسيره «البحر المحيط»، ومختصره «النهر الماد من البحر»، و«تحفة الأريب بما في القرآن من غريب»، و«ارتشاف الضرب من لسان العرب»، و«التذييل والتكميل في شرح التسهيل»، وهو من أكبر كتبه النحوية، و«منهج السالك في الكلام على ألفية ابن مالك»، و«المبدع في التصريف»، و«اللمحة البدرية في علم العربية»، و«غاية الإحسان في علم اللسان»، و«عقد اللآلي» في القراءات، و«الحلل الحالية في أسانيد القراءات العالية»، وله في التراجم والتاريخ «البيان في شيوخ أبي حيان»، و«تحفة الندس في نحاة الأندلس»، و«مجاني الهصر في تواريخ أهل العصر»، و«النضار»، كما صنف في لغات غير العربية، فمن كتبه «الإدراك للسان الأتراك»، و«منطق الخرس في لسان الفرس»، و«نور الغبش في لسان الحبش»، وله ديوان شعر.
ويعد «البحر المحيط» أبرز مصنفاته في التفسير، وقد شرع في تأليفه بمصر أواخر سنة 710هـ، وكان عمره نحو 57 سنة، بعد أن تولى تدريس التفسير بقبة السلطان الملك المنصور. جمع فيه إلى تفسير الآيات عناية واسعة باللغة والنحو والتصريف والقراءات والبلاغة والفقه وأصوله والحديث وأسباب النزول والناسخ والمنسوخ ومناسبات الآيات. وقد بيّن منهجه في مقدمته؛ فكان يبدأ بمفردات الآية وما تحتاج إليه من بيان لغوي ونحوي، ثم يفسرها ويذكر سبب نزولها ونسخها ومناسبتها لما قبلها، ويورد القراءات ويوجهها في العربية، وينقل أقوال السلف والخلف، ويبحث وجوه الإعراب والبيان، ويذكر أقوال الفقهاء فيما يتعلق بالآية من الأحكام، مع تجنب ما يراه من الإعرابات البعيدة والتكلفات، وينقد كثيرًا من الإسرائيليات والأخبار غير الصحيحة، كما ناقش ابن عطية والزمخشري ونقد الزمخشري خاصة في المواضع المتصلة بمذهبه الاعتزالي. وغلب على الكتاب الجانب اللغوي والنحوي حتى صار من الكتب المعروفة بكثرة البحث في إعراب القرآن وقراءاته ووجوه العربية.
عاش أبو حيان بقية عمره في القاهرة مشتغلًا بالتدريس والإقراء والتصنيف، واشتهرت كتبه في حياته وقُرئت عليه، ثم كف بصره في أواخر عمره. وتوفي بعد عصر يوم السبت الثامن والعشرين من صفر سنة 745هـ بمنزله بظاهر القاهرة خارج باب البحر، ودُفن بمقابر الصوفية خلف باب النصر.