يجمع محمد أحمد إسماعيل المقدم في هذا الكتاب ما ورد من الأذكار التي تتكرر في الصباح والمساء، ثم يضم إليها جملة من الآداب التي ينبغي أن يستقبل بها المسلم يومه وليلته؛ فلا تقتصر الرسالة على ألفاظ الذكر، بل تصلها بالتوبة ومحاسبة النفس وحفظ اللسان وسلامة الصدر واغتنام العمر والاستعداد للموت. وقد قصد إلى تيسير العمل بهذه الأذكار، مع بيان مصادرها وأحكام أهل العلم عليها، والتنبيه أحيانًا إلى ما وقع فيه خلاف من جهة التصحيح والتضعيف.
ويمهد للرسالة بالآيات الآمرة بكثرة ذكر الله تعالى في البكرة والأصيل، ثم يبين شرف ذكره في الصباح والمساء، ويحدد وقت أذكار الصباح بما بعد صلاة الصبح إلى ما قبل طلوع الشمس، ووقت أذكار المساء بما بعد العصر إلى المغرب، مع ذكر قول بامتداده بعد المغرب إلى ثلث الليل أو نصفه. كما ينبه إلى أنه حذف في هذه الطبعة بعض الأحاديث لاختلاف العلماء في تصحيحها، وهو ما يكشف عنايته بتمييز ما يورده وعدم جمع كل ما اشتهر في الباب من غير نظر في ثبوته.
ويبدأ بأذكار الصباح مرتبة في وحدات موجزة، فيجتمع فيها تجديد الإقرار بالإسلام والتوحيد واتباع النبي صلى الله عليه وسلم وملة إبراهيم عليه السلام، والرضا بالله تعالى ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًا، وسؤال العلم النافع والرزق الطيب والعمل المتقبل. ثم تتوالى معاني الافتقار إلى الله تعالى في الحياة والموت وإصلاح الشأن، وإفراده بالملك والحمد والقدرة، لتكون بداية اليوم قائمة على تجديد أصول الإيمان قبل الانشغال بأعماله.
وتأتي بعد ذلك أذكار الحفظ والاستعاذة؛ فيورد آية الكرسي، وسيد الاستغفار، والاستعاذة بالله تعالى من شر النفس والشيطان، وسؤال خير اليوم وما بعده والاستعاذة من شره، ودعاء العفو والعافية في الدين والدنيا والأهل والمال، وسؤال الستر والأمن والحفظ من الجهات كلها. ثم يذكر ما يكرر ثلاثًا من الاستعاذات والأدعية، وقراءة سور الإخلاص والفلق والناس، وما ورد من التهليل والتسبيح والاستغفار والتكبير بأعداد مخصوصة.
ولا يعرض هذه الأذكار مجردة من مستندها؛ إذ يضع عقب أكثرها خبرها أو الحديث الوارد فيها، وينقل أحكام طائفة من المحدثين عليها، وقد يسجل اختلافهم صراحة. فبعض الأذكار يذكر اتفاق جماعة على تحسينها أو تصحيحها، وفي مواضع أخرى يصرح بأن الحديث حسنه بعضهم وضعفه آخرون. وبذلك لا توحي الرسالة بأن جميع ما أوردته في درجة واحدة من القوة، بل تحتفظ داخل مادتها بما نقله المصنف من تفاوت الحكم على الروايات.
ويفرق بعد الأذكار «الموظفة» بين ما خصص لهذا الوقت وبين الذكر المطلق؛ فإذا فرغ المسلم من الأذكار المحددة استحب له أن ينتقل إلى قراءة القرآن، ثم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، والتهليل والاستغفار والتسبيح والتحميد والتكبير والحوقلة وغيرها من وجوه الذكر، ثم يختم مجلسه بكفارة المجلس. وبهذا لا يتحول العدد الوارد إلى غاية ينقطع الذكر بانتهائها، بل يكون مدخلًا إلى دوام الصلة بالله تعالى.
ثم يعيد ترتيب المادة لأذكار المساء، فيورد ما يقابل صيغ الصباح مع ما يناسب دخول الليل؛ فتتحول «أصبحنا» إلى «أمسينا»، ويصبح السؤال متعلقًا بخير الليلة وما بعدها والاستعاذة من شرها، ويضاف ما ورد من الاستعاذة بكلمات الله تعالى التامات من شر ما خلق. وتتكرر سائر معاني التوحيد والعافية والاستغفار والتحصن والتهليل والتسبيح، فيغدو الصباح والمساء نقطتين متقابلتين يجدد فيهما المسلم إيمانه وافتقاره وحفظه لنفسه.
وتبرز القيمة الخاصة للرسالة في قسمها الأخير «من آداب الصباح والمساء»، إذ ينتقل من الألفاظ التي تقال إلى الحال التي ينبغي أن يكون عليها قائلها. وأول ما يلفت إليه أن يومًا جديدًا أو ليلة جديدة مهلة أمد الله تعالى بها في عمر العبد ليعود ويتوب ويستدرك ما فات، ولذلك يستقبل الحياة المتجددة بالحمد، لا بوصف الاستيقاظ حدثًا مألوفًا لا معنى له.
ويجعل الأدب الثاني ملازمة الاستغفار وتجديد التوبة؛ فيحددها بالكف عن الذنب، والندم عليه، والعزم على عدم العودة إليه، ورد الحقوق إلى أصحابها. ثم يطالب بأن يكون هم الآخرة غالبًا على القلب، وأن يعمر الإنسان وقته بالأعمال التي ترضي الله تعالى بدل أن يتبدد يومه في هموم الدنيا وحدها. فالصباح في هذا القسم ليس موعدًا لذكر يُقال ثم ينسى، بل بداية مراجعة لمسار اليوم كله.
ويضم إلى ذلك كف الأذى عن الناس وتطهير القلب من الغِل والحسد، مستشهدًا بخبر الصحابي رضي الله عنه الذي وصف سلامة صدره للمسلمين وعدم حسده لهم على ما أعطاهم الله تعالى. ثم يخص اللسان بمزيد من الحذر، ويستحضر ما ورد في أثر استقامته أو اعوجاجه على بقية الجوارح، ليجعل حفظ القول من أول الأعمال التي يراقبها الإنسان في يومه.
ويحث بعد صلاة الصبح على المكث في المصلى مشتغلًا بذكر الله تعالى إلى طلوع الشمس ثم صلاة ركعتين، ويذكر نحو ذلك في وقت العصر، ثم يسوق طائفة واسعة من آثار السلف في تقليل الكلام بعد الفجر والإقبال على الذكر. وتظهر من تلك الأخبار صورة عملية لحرصهم على أول النهار؛ فيجلسون بعد الصلاة منصرفين إلى الذكر، ويكرهون أن يقطع هذا الوقت الحديث الذي لا حاجة إليه.
ويمتد حسن استثمار اليوم إلى محاولة جمع أبواب متعددة من البر؛ كصوم التطوع وعيادة المريض واتباع الجنازة وإطعام المسكين، ثم إلى استحضار نعم الأمن والعافية وقوت اليوم. وهنا يوجه النظر إلى ما قد يمر بالإنسان كل صباح من غير أن يشعر بقيمته؛ فسلامة البدن وأمن المسكن وتوافر الحاجة اليومية نعم تستحق الشكر ولا ينبغي أن تحجبها المقارنة الدائمة بما ينقص الإنسان.
ويضيف إلى آداب اليوم المبادرة إلى الوصية عند الحاجة؛ فيذكر الوصية بشيء من المال لمن كان ماله كثيرًا وورثته أغنياء، ويشدد بصورة أخص على إثبات الديون والودائع والحقوق التي يخشى ضياعها بالموت، وما يحتاج إليه الأولاد الصغار من عهد إلى من ينظر في شؤونهم. فاستقبال الصباح لا ينفصل هنا عن الاستعداد لاحتمال ألا يدرك صاحبه صباحًا آخر.
ولهذا يجعل خاتمة الآداب استحضار قرب الأجل، وأن اليوم أو الليلة قد يكون آخر العهد بالحياة. ويورد في هذا المعنى ما يحث على ذكر الموت وقصر الأمل، وقول ابن عمر رضي الله عنهما في ألا ينتظر المرء إذا أمسى الصباح، وإذا أصبح المساء، وأن يأخذ من صحته لمرضه ومن حياته لموته. ثم يختم بأقوال تصور حال من يستقبل يومه شاكرًا للستر والنعمة، ومستشعرًا أنه راحل عن الدنيا لا مقيم فيها.
وبذلك يجمع «أذكار وآداب الصباح والمساء» بين ذكرٍ باللسان ويقظةٍ في السلوك؛ فأذكار الصباح والمساء تجدد التوحيد والاستغفار والتوكل والاستعاذة والشكر، وآدابهما تسأل عن أثر ذلك كله في بقية اليوم: هل تاب صاحبه؟ وهل سلم صدره ولسانه؟ وهل حفظ حقوق الناس؟ وهل عمر وقته بالطاعة؟ وهل استعد للموت؟ ومن هذا الجمع تتحول لحظتا الصباح والمساء إلى وقفتين يوميتين لمراجعة علاقة العبد بالله تعالى وبنفسه وبالناس وبالزمن الذي ينقص من عمره.