اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:
أسرع موقع لقراءة وتحميل الكتب الإسلامية بشتى أقسامها PDF بروابط مجانية ومباشرة وسريعة
يرسم محمد بن علي الشوكاني في كتابه «أدب الطلب ومنتهى الأرب» طريقًا لطالب العلم يبدأ بإصلاح النية، ويمضي عبر التحرر من التعصب وإحكام أدوات النظر، وينتهي إلى القدرة على معرفة الدليل والتمييز بين الحق وآراء الرجال. وقد قصد أن يجمع ما يحتاج إليه الطالب في ابتداء طلبه وتدرجه فيه حتى يبلغ غايته، لكنه يصرح منذ المقدمة بأن فوائد الكتاب تتجاوز المبتدئ إلى المنتهي، وتخاطب العالم كما تخاطب المتعلم؛ ولذلك يجمع بين تهذيب قصد الطالب، وتشخيص الآفات التي تفسد البحث، ورسم مناهج التحصيل، ثم تقرير قواعد كلية يستعين بها الباحث في فهم الشريعة والاستدلال لها.
ويجعل إخلاص القصد أول ما يجب على طالب العلم؛ لأن العلم عنده عبادة لا يستقيم طلبها إذا شابتها إرادة المال أو الجاه أو الرئاسة أو الشهرة. فلا يكفي أن يكون موضوع الاشتغال علمًا شرعيًا ما دام الباعث إليه دنيويًا، بل ينبغي أن يقصد الطالب معرفة ما شرعه الله تعالى لعباده، وفهم كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، والوصول إلى الحق الذي تعبّد الناس به. ومن هنا يربط فساد النية بفساد ثمرة العلم نفسها، فلا يعود التحصيل نافعًا لمجرد كثرة ما يجمعه صاحبه إذا صار وسيلة إلى حظوظ النفس.
ومن هذه البداية ينتقل إلى أصل يهيمن على معظم الكتاب: الإنصاف وترك التعصب. فالعالم مهما بلغ من الفضل يبقى مكلَّفًا بالشريعة، ولا تتحول آراؤه واجتهاداته إلى تشريع ملزم لغيره. ويطالب الطالب أن يعرف لأهل العلم أقدارهم، ويقر لهم بالسبق والفضل، من غير أن يجعل أقوالهم حجة مستقلة عن أدلتها؛ فاحترام العالم شيء، وتحويل اختياره الاجتهادي إلى حكم واجب الاتباع على الناس شيء آخر. وعلى الطالب أن يبذل وسعه في البحث، فإن بلغ مرتبة النظر استخرج الحكم من موطن دليله، وإن قصر عنها لم يجز له أن يجعل العجز الشخصي سببًا لتقديس قول بشري.
ويستدعي الشوكاني تجربته في أول الطلب لتجسيد هذا المعنى؛ فيذكر أن أول بحث طالعه كان مسألة من مسائل الوضوء في «الأزهار»، وأن تعدد الأقوال فيها دفعه إلى السؤال عن سبب إلزام الناس بقول صاحب الكتاب دون غيره، ثم عقد عزمه على طلب ما يميز به الراجح من المرجوح. ومنذ ذلك الحين كان يدرس مسائل الخلاف ويسأل عن أدلتها، ويبحث في كتب الاستدلال، ولا يكتفي بما استقر عليه الإلف والعادة. ولهذا احتلت «علوم الاجتهاد» منزلة مركزية في تكوينه الذي يقترحه لطالب العلم.
ثم يتتبع الآفات التي تُخرج الباحث من الإنصاف، ويبدأ بأشدها انتشارًا: التنشئة في بيئة تمذهبت بمذهب معين حتى التبس المذهب عند أبنائها بالشريعة نفسها. فالطالب قد يرث عن أسرته وبلده الاعتقاد بأن الحق منحصر فيما ألفوه، ثم يزيد الداء حين يسكت من يعرف الدليل خوفًا من العامة أو السلطان أو على الجاه والمال. وعندئذ يصبح المخالف في مسألة اجتهادية متهمًا في دينه، لا لأن حجته ضعيفة، بل لأنه خرج عما اعتاده المجتمع.
ويتصل بذلك طلب المال والشرف والتقرب إلى أصحاب السلطة؛ إذ يحذر من العالم الذي يعرف الحق ثم يكتمه أو يوافق هوى صاحب الرئاسة محافظةً على منزلته ومصلحته. ويعرض لذلك شواهد تاريخية ومواقف عاصرها بنفسه، مبينًا كيف يمكن للمصلحة الدنيوية أن تقلب وظيفة العلم من بيان الحكم إلى تسويغ ما يريده أهل النفوذ. ومع ذلك لا يدعو أهل العلم إلى هجر المناصب الدينية في كل حال؛ فالوظائف التي تتصل بالقضاء والإفتاء وإقامة العدل إذا أعرض عنها المؤهلون شغلها الجهال وأهل الجور، ولذلك يفرق بين طلب المنصب للدنيا وبين قبول العالم المؤهل لمسؤولية يحتاج الناس إليه فيها ويستطيع أن يقيم بها الحق.
ومن آفات البحث أيضًا الجدل والمراء وحب الغلبة؛ فقد يعرف المناظر خطأ قوله، ثم يمنعه انتصاره لنفسه من الرجوع عنه. ويزداد الأمر دقة إذا اشتهر عنه القول في فتوى أو تصنيف، أو كان مخالفه أصغر منه سنًا أو أقل شهرة، أو جرى النقاش أمام التلاميذ والجمهور؛ فهنا تتدخل الهيبة وحفظ المكانة في صناعة الموقف العلمي. ويقرر الشوكاني أن الرجوع إلى الصواب يزيد العالم قدرًا، بينما الإصرار على الخطأ بعد ظهوره لا يترك له إلا وصف التعصب أو ضعف الفهم.
ويضيف إلى ذلك التعصب للآباء والشيوخ والأقارب، وتأثير الدولة في ترسيخ مذهب أو اعتقاد حتى ينشأ الناس عليه، والحسد والمنافسة بين الأقران، وميل المرء إلى رد كلام من ينافسه في التدريس أو الفتوى، فضلًا عن اعتماد الباحث على ما ينقله أنصار مذهبه عن خصومهم من غير الرجوع إلى مصادرهم. وتتجمع هذه الصور عند قاعدة واحدة: أن يكون الدليل هو الحاكم، وألا يسمح طالب العلم لعلاقة اجتماعية أو مصلحة شخصية أو هيبة اسم أو كثرة أتباع أن تتقدم عليه.
ويمتد هذا النقد إلى بعض ما دُوّن في أصول الفقه؛ فيطالب الطالب أن يعرف المصدر الحقيقي لكل قاعدة، ويميز ما يرجع إلى دلالة اللغة، وما يقوم عليه دليل شرعي، وما أُدخل في الفن وهو من الرأي المجرد. فمباحث العام والخاص، والمطلق والمقيد، والأمر والنهي، والمفهوم والمنطوق، ونحوها ينبغي ردها إلى استعمال العرب وإلى الدليل الشرعي حيث يوجد، لا إلى مجرد اصطلاح متأخر. وغايته من هذا التفكيك ألا يتعامل الطالب مع عنوان «أصول الفقه» بوصفه ضمانًا لصحة كل ما أدرج تحته، بل يفحص أصل المسألة ومصدر حجيتها.
وبعد معالجة أخلاق النظر وآفاته يتحول الكتاب إلى برنامج عملي للتحصيل، فيقسم حملة العلم بحسب الغاية التي يقصدونها، فلا يطالب الجميع بالمقدار نفسه من العلوم. وأرفع هذه الطبقات من أراد بلوغ منزلة الاجتهاد الواسع والقيام مقام العلماء الذين يرجع إليهم الناس؛ ولهذا يرسم له مسارًا طويلًا يبدأ بإقامة اللسان وامتلاك العربية، ثم يتدرج في أدوات الاستنباط وعلوم الوحي، مع توسيع دائرة الثقافة حتى تتكون له ملكة مستقلة لا معرفة مجزأة.
ويبدأ هذا المسار بالنحو، من المختصرات إلى الكتب الأوسع، مع الحفظ والفهم وكثرة الممارسة، ثم الصرف والمعاني والبيان، ويضم إليها ما يحتاج إليه من الوضع والمناظرة واللغة. ولا يجعل أسماء الكتب التي يذكرها لازمة لكل طالب في كل بلد؛ فهو ينبه إلى أنه يسمي ما اشتهر تدريسه في اليمن، وأن من نشأ في بلد آخر يأخذ من الكتب التي يدرسها شيوخ بلده ما يحقق المقدار نفسه من الفن. وبذلك يكون المقصود ترتيب الملكات ودرجات التحصيل، لا التعبد بقائمة بعينها من المصنفات.
ويطلب لطالب الطبقة العليا نصيبًا من المنطق يعينه على فهم اصطلاحات المصنفين والحجج العقلية، ثم توسعًا في أصول الفقه ومؤلفات مدارس متعددة حتى لا يحبس نفسه في طريقة واحدة. ويوصي كذلك بمعرفة علم الكلام ومذاهب الفرق قبل إصدار الأحكام عليها؛ لأنه يرفض أن يمدح الإنسان علمًا أو يذمه وهو لا يعرف حقيقته. ومع ذلك يسجل تجربته الشخصية بعد التبحر في هذا الفن، ويقرر أن ما اطمأن إليه في مسائل الاعتقاد هو الوقوف مع أدلة الكتاب والسنة وطريقة السلف، وأن معرفته بالكلام أفادته القدرة على نقده لا اتخاذ قواعده العقلية حاكمة على النصوص.
ثم يأتي التفسير وعلوم القرآن والقراءات، فيحث على سعة المطالعة وعدم حصر الاستفادة في آيات الأحكام؛ لأن القرآن كله يشتمل على معانٍ ولطائف لها أثر في فهم الدين. ويقدم ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في التفسير، ثم ما جاء عن الصحابة رضي الله عنهم مع مراعاة دلالة العربية، ويطالب الطالب بأن يعرف العلوم المتعلقة بأداء القرآن وقراءاته إلى جانب كتب التفسير.
أما السنة فيمنحها منزلة أوسع، ويصرح بأنها من أعظم العلوم نفعًا؛ لأنها تبين القرآن وتستقل بأحكام كثيرة. ولا يريد تأخيرها إلى نهاية البرنامج، بل يجعل الاشتغال بها مصاحبًا لسائر العلوم منذ أن يستقيم لسان الطالب: يبدأ بكتب تجمع متون الأحاديث، ثم يسمع دواوين السنة المسندة ما استطاع، وينظر في شروحها، ويدرس مصطلح الحديث والجرح والتعديل، ويتوسع في كتب الرجال حتى لا يبني الحكم على مختصر قد ينقل وجهًا واحدًا في راوٍ اختلف فيه النقاد.
ويضم إلى ذلك معرفة التاريخ وتراجم العلماء والدول، ثم الاطلاع على مذاهب الفقهاء وأدلتهم؛ لا ليعود الطالب إلى التقليد بعد بلوغ آلة الاجتهاد، وإنما ليستفيد من أنظار السابقين ومناقشاتهم ووجوه استدلالهم. ويؤكد هنا أن المجتهد لا ينظر إلى منزلة القائل وكثرة أتباعه قبل النظر في قوله، ولا يقبل تصحيح عالم أو تضعيفه لمجرد حسن الظن به، كما لا يرده لمجرد سوء الظن؛ بل يعيد البحث فيما يستطيع بحثه. ويعد الانجذاب إلى رأي الأكثر أو إلى قول العالم الأشهر لمجرد الكثرة والشهرة بقايا من العصبية ينبغي للمجتهد أن يفتش عنها في نفسه.
ولا يحصر تكوين العالم في علوم الشريعة المباشرة؛ فيحث من بلغ الرسوخ على ممارسة جيد الشعر والنثر والبلاغة، لما في ذلك من تقوية البيان والقدرة على التعبير، ثم يفتح له باب الإفادة من الرياضيات والهندسة والطبيعيات والطب وغيرها. ويكرر هنا قاعدته في ألا يذم المرء علمًا يجهله؛ فمن أراد أن يحكم على فن فليعرف موضوعه وغايته ومباحثه أولًا، وإلا كان قوله «لا أدري» أليق به من مدح أو قدح مبنيين على الجهل. لكنه يشترط لمن يخوض في هذه العلوم رسوخًا يحفظ له أصول معرفته بالشريعة.
أما الطبقة الثانية فهي لمن أراد أن يبلغ من علوم الشرع مقدارًا يستطيع به معرفة ما كُلّف به استقلالًا من غير أن يتصدى لمنزلة كبار الأئمة. ويكفيه مستوى متوسط من النحو والصرف والبيان والأصول والتفسير والحديث ومصطلحه ومعرفة الرجال واللغة، بحيث تتكون لديه ملكة يستطيع بها البحث عن الدليل وفهم كلام أهل العلم عند الحاجة. فإذا بلغ هذا المقدار لم يبق تابعًا للرأي المجرد، بل يبحث عند الحوادث في أقوال العلماء وأدلتهم ومناقشاتهم ويستفيد منها في ترجيحه.
والطبقة الثالثة لا تقصد الاستقلال بالاجتهاد، وإنما إصلاح اللسان والفهم حتى تقرأ النصوص الشرعية من غير تحريف، وتعرف ما تحتاج إليه من الحديث والتفسير. فيكفي صاحبها من النحو ما يقيم قراءته، ومن مصطلح الحديث ما يفهم به أحكام المحدثين، مع مطالعة كتب منتقاة في السنة والتفسير. فإذا أشكل عليه تعارض أو احتاج إلى ترجيح رجع إلى العلماء المعروفين بالمعرفة والإنصاف، وسألهم عن الحجة والرواية، لا عن رأي مجرد يتلقاه بوصفه دينًا ملزمًا.
أما الطبقة الرابعة فتقصد علمًا أو صناعة مخصوصة من غير إرادة التبحر في علم الشريعة؛ ولذلك يكيف الشوكاني برنامجها بحسب الغاية. فالشاعر يحتاج إلى النحو والبيان والبديع والعروض والقوافي وممارسة دواوين الشعر، والمنشئ يحتاج فوق ذلك إلى كتب البلاغة والرسائل والخطب، والحاسب يقصد علوم الحساب، والطبيب إلى كتب صناعته، ومن أراد الفلسفة أو الهندسة أو غيرهما أخذ بمقدماتهما ووسائلهما. ويكشف هذا التقسيم أن «أدب الطلب» عنده ليس برنامجًا واحدًا مفروضًا على كل متعلم، بل اختيار للوسائل بحسب المرتبة التي يريد الوصول إليها.
وبعد تفصيل هذه المراتب ينتقل إلى مباحث كلية يريد بها أن يختصر على طالب الحق كثيرًا من الجزئيات. وفي مقدمتها أن الشريعة مبنية على جلب المصالح ودفع المفاسد، ويستدل لذلك بمواقف من السيرة النبوية روعي فيها ما يترتب على الفعل من نفع وضرر. لكنه يقيد استعمال هذا الأصل بما لم يحكمه نص خاص أو عموم أو إطلاق معتبر؛ فإذا قام الدليل من الكتاب أو السنة لم تصبح المصلحة المتوهمة طريقًا إلى إهداره، لأن الحكم الثابت نفسه داخل في المصالح التي شرعها الله تعالى وإن قصرت بعض العقول عن إدراك وجهها.
ويقرن بهذا الأصل العناية بالكليات الشرعية؛ فيدعو الباحث إلى استخراج القواعد العامة من القرآن والسنة، وتدريب نفسه على إدراج الجزئيات تحتها بدل معالجة كل واقعة وكأنها منفصلة عما سواها. ويستشهد بجوامع الكلم النبوية التي تتسع لأبواب كثيرة من الأحكام، ليجعل حسن استعمال الكليات علامةً على انتقال الطالب من حفظ المسائل إلى ملكة الاستنباط.
ومن قواعده كذلك إبقاء ألفاظ الكتاب والسنة على معانيها الحقيقية والظاهرة في لسان العرب ما لم يقم مسوغ معتبر للانتقال عنها. وينتقد اللجوء إلى المجاز والتأويل لمجرد حماية قول مذهبي خالف ظاهر الدليل، لأن اصطناع القرائن والعلاقات عندئذ يحول أدوات اللغة من وسائل لفهم النص إلى وسائل لصرفه عما يدل عليه. فالعبرة في التأويل عنده بدليل يسوغه، لا بحاجة المذهب إليه.
ويحذر كذلك من الحيل الفقهية ومن الاغترار بالأسماء الشرعية إذا تغيرت الحقائق؛ فليس كل ما سمي هبة أو نذرًا أو وصية صحيحًا لمجرد الاسم. ويطبق ذلك على صور يقصد بها حرمان بعض الورثة من حقوقهم، مبينًا أن التصرف يُنظر إلى حقيقته ومقصده وما يترتب عليه، لا إلى اللفظ الذي كساه به صاحبه. ومن ثم تصبح معرفة المقاصد والحقائق جزءًا من فقه النص، حتى لا يتحول الفقه نفسه إلى وسيلة للتحلل من أحكامه.
ويعرض في القسم المتأخر مواقف أصولية حادة تدخل في صميم دعوته إلى استقلال الباحث؛ فينكر حجية الإجماع بالصورة التي يقررها كثير من الأصوليين، ويستبعد إمكان استقراء أقوال علماء الأمة استقراءً يثبت به اتفاقهم جميعًا. كما يرفض أكثر صور القياس التي تقوم على علل ومسالك يَعُدّها رأيًا مجردًا، مع قبوله ما رجع إلى نص على العلة أو قطع بانتفاء الفارق أو دلالة لغوية معتبرة. ومع ذلك يحث الطالب على دراسة مباحث القياس دراسة واسعة حتى يعرف ما يقبله وما يرده عن علم، فلا يكون رفضه تقليدًا مضادًا لتقليد آخر.
ويرفض الاستحسان إذا جعل دليلًا ينقدح في نفس المجتهد ولا يستطيع إظهاره، لأن ما لا يمكن إقامة الحجة به لا يصح إلزام الناس به. أما الاجتهاد فيقرر أن ما ينتهي إليه المجتهد بعد بذل وسعه قد يكون حكمه الذي يتعبد به، لكنه لا يصير بمجرد ذلك حجة ملزمة لسائر المكلفين. وتعود هذه المباحث كلها إلى السؤال الذي بدأ به الكتاب: هل يتبع طالب العلم الدليل الذي قامت به الحجة، أم يجعل اجتهاد البشر نفسه حجة شرعية مستقلة؟
ويشتد نقده في آخر الكتاب على نتيجتين عدّهما من أعظم ما أفسد العلم والدين: التعصب للمذاهب حتى تتقدم أقوال أصحابها على النصوص، والغلو في الصالحين من الأموات بما يصل إلى دعائهم والاستغاثة بهم والنذر والذبح لهم وتعظيم قبورهم على وجوه ينكرها. ويتتبع كيف يبدأ الأمر بالتعظيم ثم يتسع حتى تعلق الحاجات بمن لا يملك نفعًا ولا ضرًا، ويربط معالجة هذا الباب بالرجوع إلى التوحيد وما ثبت في الكتاب والسنة.
ويتناول التصوف في خاتمته بتمييز مهم؛ فيقر بأن في المنتسبين إليه من بلغ مبلغًا عظيمًا في تهذيب النفس من الكبر والعجب والحسد والرياء وحب الثناء والجاه، بل يثبت وجود من جمع بين صفاء الباطن وملازمة الشريعة والطريقة النبوية. لكنه يرفض أن يُطلب إصلاح القلب بطرائق ورياضات وأذكار لم تثبت في الشرع، وينتقد خاصة ما امتزج بالفلسفة أو تجاوز هدي النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم.
وينتهي الكتاب إلى الغاية التي انتظمت مباحثه منذ بدايته: أن يأخذ طالب القرب والهدى علم الكتاب والسنة عن العلماء المتقنين لهما، وأن يجعل النص والدليل فوق التقليد والرأي، ويتدبر سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وأخلاقه وعبادته ومعاملاته وهدي أصحابه رضي الله عنهم. وبهذا يلتقي «أدب الطلب» عند الشوكاني مع «منتهى الأرب»: فالأدب ليس هيئة الطالب في مجلس الدرس فحسب، وإنما صدق قصده، وإنصافه، وشجاعته في الرجوع عن الخطأ، واستقلاله عن العصبية، وحسن ترتيبه للعلوم، وقدرته على رد الجزئيات إلى كلياتها، ثم بقاء علمه كله محكومًا بما ثبت لديه من الكتاب والسنة.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني ثم الصنعاني: عالم يمني مفسر ومحدّث وفقيه وأصولي ومؤرخ وأديب، وُلد يوم الاثنين 28 ذي القعدة سنة 1173هـ في هجرة شوكان من بلاد خولان باليمن، ونشأ بصنعاء. قرأ القرآن على جماعة من المعلمين وختمه على حسن بن عبد الله الهبل، ثم جوّده على عدد من مشايخ القرآن، وحفظ منذ صغره كتبًا في الفقه والنحو والأصول والبلاغة والقراءات والعروض، منها «الأزهار»، و«الملحة»، و«الكافية»، و«الشافية»، و«تهذيب المنطق»، و«تلخيص المفتاح»، ومنظومة ابن الجزري، كما أكثر من مطالعة كتب التاريخ والأدب. وورد في بعض المصادر أن مولده كان سنة 1172هـ.
أخذ العلم عن عدد كبير من علماء صنعاء، فقرأ الفقه على والده، ولازم أحمد بن محمد الحرازي نحو 13 سنة وانتفع به وتخرج عليه، وأخذ النحو والصرف عن إسماعيل بن الحسن، وعبد الله بن إسماعيل النهمي، والقاسم بن يحيى الخولاني، وقرأ الأصول والبلاغة والمنطق والتفسير على عبد القادر بن أحمد الكوكباني، والحسن بن إسماعيل المغربي، وغيرهما. وسمع «صحيح البخاري» كاملًا، و«صحيح مسلم»، و«سنن الترمذي»، و«سنن أبي داود»، وأجزاء من «الموطأ» و«سنن النسائي» و«سنن ابن ماجه»، إلى جانب كتب كثيرة في الحديث وشروحه.
لم يرحل في طلب العلم خارج اليمن، ومن أسباب ذلك عدم إذن والديه له، إلا أنه بلغ منزلة متقدمة في التدريس والإفتاء في سن مبكرة. وكان يجمع في يومه بين القراءة على شيوخه وتعليم طلابه، حتى بلغت دروسه أحيانًا نحو 13 درسًا في اليوم والليلة، ثم تفرغ بعد ذلك لإفادة الطلاب، فكان يدرّس في التفسير والحديث والأصول والنحو والصرف والبلاغة والفقه والجدل والعروض وغيرها. وبدأ الإفتاء وهو في نحو العشرين، وكانت ترد إليه الأسئلة من صنعاء وتهامة، ولم يكن يأخذ على الفتوى أجرًا.
ترك الشوكاني التقليد في سن مبكرة، وصرح بأنه اجتهد اجتهادًا غير مقيد بمذهب قبل بلوغه الثلاثين، وكان يدعو إلى النظر في الأدلة وعدم الجمود على أقوال المذاهب. وقد أثار هذا الاتجاه خلافًا بينه وبين بعض علماء عصره، ولا سيما في نقده لبعض مسائل «الأزهار»، وصنف في ذلك «القول المفيد في حكم التقليد». ثم تولى القضاء الأكبر في صنعاء وهو بين الثلاثين والأربعين، واستمر في القضاء مع اشتغاله بالتدريس والإفتاء والتأليف.
ألّف عددًا كبيرًا من الكتب والرسائل في التفسير والحديث والفقه والأصول والتراجم والعقيدة، ومن أشهرها «نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار»، و«فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير»، و«إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول»، و«السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار»، و«الدرر البهية في المسائل الفقهية»، وشرحها «الدراري المضية»، و«الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة»، و«البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع»، و«إتحاف الأكابر بإسناد الدفاتر»، و«در السحابة في مناقب القرابة والصحابة»، و«الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد»، و«القول المفيد في حكم التقليد»، وجُمعت طائفة كبيرة من فتاواه ورسائله في «الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني». وقد بلغ عدد مؤلفاته ورسائله أكثر من مئة مصنف.
كان له شعر ومطارحات أدبية، وجمع جانبًا من شعره ومراسلاته، كما ترجم لنفسه في «البدر الطالع». وأخذ عنه عدد من علماء اليمن، وانتشرت كتبه في اليمن والحجاز ومصر والشام والهند وغيرها. وتوفي بصنعاء في جمادى الآخرة سنة 1250هـ الموافق 1834م.