يفصّل بدر الدين الغزي في كتابه «آداب العشرة وذكر الصحبة والأخوة» ما تقوم عليه الصحبة الصالحة من أخلاق وحقوق ومعاملات، ويجعل حسن العشرة ثمرةً للإيمان وحسن الخُلُق لا مجرد ألفة اجتماعية عارضة. ويبدأ من معنى التواد والتراحم بين المؤمنين، وأن بعضهم عون لبعض، ثم ينبه إلى أثر القرين في صاحبه، فيحض على معاشرة أهل الصلاح والدين ومجانبة صحبة من يفسد الاعتقاد أو السلوك.
ويجعل حسن الخُلُق أول آداب العشرة، ثم تتفرع عنه سائر الخصال: التماس الأعذار للإخوان، والصفح عن عثراتهم، وقلة تأنيبهم، وموافقتهم فيما لا يخالف الشرع، والفرح بما يصل إليهم من النعم، وترك الحسد، واجتناب مواجهتهم بما يكرهون، وملازمة الحياء، والبشاشة، ولطف اللسان، وكظم الغيظ، وترك الكبر. فالصحبة عنده لا تستقيم مع نفس تُحصي الزلات أو تضيق بما يناله الآخرون من فضل.
ويفرق بين مراتب المعاشرة بحسب من يُصاحب؛ فللمشايخ والأكابر حرمة وخدمة، وللأقران نصيحة وبذل ومشاركة، وللأصاغر إرشاد وتأديب وتعليم. ومن هنا لا تأتي آداب الصحبة على صورة واحدة، بل تتغير الوسيلة مع بقاء الأصل: أداء حق كل إنسان بحسب منزلته وحاله، من غير إثم ولا مداهنة في الدين.
ويشدد على أن الأخوة الصادقة ليست مسايرةً لأهواء الصديق؛ فالمؤمن يدل أخاه على صلاح دينه ودنياه، ويقبل منه النصيحة كما يبذلها له، ويحمل كلامه على أحسن الوجوه ما وجد إلى ذلك سبيلًا. كما يحذر من إخلاف الوعد لما يورثه من فساد المودة، ويدعو إلى سلامة الصدر، وحسن الظن، وصحبة من يستحي المرء منه فيزجره وقاره عن المخالفات.
ويمنح دوام المودة منزلة ظاهرة؛ فيحث على حفظ الود القديم، وعدم قطع الصديق بعد ثبوت أخوته، والإغضاء عن بعض المكاره، وتقليل العتاب، وترك تتبع كل عثرة؛ لأن من طلب صاحبًا لا عيب فيه بقي بلا صاحب. ويصور الصديق الصالح نعمة عزيزة، ويميز بين كثرة المعارف وقلة الأصدقاء وندرة الأخ الذي تتحقق فيه معاني الأخوة الراسخة.
ويتصل بذلك حفظ الأسرار والعهد بعد الوصال وبعد القطيعة معًا؛ فلا تصبح الخصومة مبررًا لكشف ما اؤتمن عليه المرء في أيام المودة. ويحض على ستر العيوب وإظهار المناقب، وقبول الاعتذار، والتغافل، وترك الوقيعة، ومجانبة الحقد، والصبر على جفاء الإخوان بعد صحة الأخوة. وحتى الهجر لا ينبغي أن يكون تشفيًا أو بغضًا، بل قد يقع لإصلاح الخلل واستبقاء أصل المودة من غير تجاوز.
ويجعل الإيثار والمواساة من أرفع حقوق الصحبة؛ فيحث على بذل المال والنفس، وقضاء الحوائج قبل أن يستغني صاحبها عن سؤال أخيه، واستكثار قليل بر الإخوان واستصغار ما يبذله المرء لهم. كما يدعو إلى مشاركة الأصحاب في السراء والضراء، وترك المن بالإحسان، ورد الجميل بالشكر، والذب عنهم، والقيام بأعذارهم، وصيانة حرمتهم في حضورهم وغيبتهم.
ولا يغفل دقائق المعاملة اليومية التي تحفظ المودة: السلام عند اللقاء، والتوسعة في المجلس، والمناداة بأحب الأسماء، ومعرفة أسماء الإخوان وأنسابهم وما يعين على القيام بحقوقهم، ورد جواب الرسائل، والاستئذان على السنة، وزيارتهم وتفقد أحوالهم، وعيادة مريضهم، وإعانة مشغولهم. ويطالب المرء أن يفهم طبائع أصحابه، فلا يخاطب كل واحد بالأسلوب نفسه، بل يراعي عقل جليسه وحاله وما يحتمله.
ويمتد مفهوم العشرة عند الغزي إلى دوائر أوسع من صداقة الأقران؛ فيتناول معاشرة الأهل والنساء بالمعروف والمداراة وسعة الخُلُق، وحسن معاملة الخادم وعدم تكليفه ما لا يطيق، وحقوق الجار في نفسه وأهله وماله وولده، وإكرام الضيف، وبر الوالدين في حياتهما وبعد موتهما، وتوقير العلماء، ورحمة الصغار، ومعرفة أقدار الرجال. وبذلك تتحول آداب الصحبة إلى نظام أوسع لضبط علاقات الإنسان بمن حوله.
ويخص التجار وأهل الأسواق بجملة من الآداب التي تصل الخُلُق بالمعاملة المالية؛ فينهى عن الكذب وخلف الوعد وتزيين السلعة بما ليس فيها، ويحذر من التطفيف والمماطلة مع القدرة، ويحث على إنظار المعسر وإقالة النادم والإرجاح عند الوزن والصدق في البيع، وعلى أن يفرح المسلم بربح أخيه كما يفرح بربحه. كما يدعو إلى شوب التجارة بالصدقة وتصحيح النية فيها حتى لا يصبح طلب الرزق بابًا لفساد الخُلُق.
ويعود في مواضع كثيرة إلى آفة الدنيا بوصفها سببًا ظاهرًا للنزاع بين الإخوان؛ فالمخالفة في حظوظها لا تستحق إفساد صحبة ثابتة، ولا ينبغي أن يغير الغنى صاحبه على من عرفهم في حال الفقر. ومن تمام العقل كذلك ألا يستغرق المرء في الخصومة حتى يسد أبواب الصلح، بل يبقي في العلاقة موضعًا للرجوع، ويعتدل في الحب والبغض حتى لا تقلبه تقلبات الأحوال.
ثم يرتب الصحبة بحسب جهاتها في صورة جامعة: فصحبة الله تعالى بطاعته ومراقبته ودوام ذكره، وصحبة النبي صلى الله عليه وسلم باتباع سنته، وصحبة الصحابة وأهل البيت رضي الله عنهم بحفظ حرمتهم، وصحبة أهل العلم بالتوقير والرجوع إليهم، وصحبة الأهل والولد بالشفقة والتأديب، وصحبة الإخوان بالبِشر والمعروف وستر القبائح، وصحبة الضيف بالإكرام وطلاقة الوجه. ويستوعب بهذا التقسيم معظم العلاقات التي يعيشها المسلم، ويجعل لكل واحدة منها أدبًا يناسبها.
ويبلغ التفصيل حدّ آداب الجوارح نفسها؛ فللبصر أدب في النظر إلى الأخ بود وإقبال، وللسمع أدب في الإصغاء وعدم قطع حديثه، وللسان أدب في مخاطبته بما يحب وينفع من غير رفع صوت أو قول مكروه، ولليدين أدب في البذل والمعونة، وللرجلين أدب في المشي معه والقيام بحقوقه. ويكشف هذا التفصيل أن حسن العشرة لا يُختزل في النيات الحسنة، بل يظهر في الحركات الصغيرة التي يشعر بها الجليس في كل لقاء.
ويختم الغزي بالانتقال من ظاهر الأدب إلى باطنه، مؤكدًا أن حسن الظاهر عنوان لما استقر في القلب، وأن العلم والحال والصحبة إذا خلت من الأدب عاد خللها على أصحابها. ويجعل من آداب الباطن الإخلاص، والتوكل، والخوف، والرجاء، والرضا، والصبر، وسلامة الصدر، وحسن الطوية، والاهتمام بأمر المسلمين. وبهذا تنتهي الرسالة إلى الأصل الذي يجمع تفاصيلها المتكاثرة: أن حسن العشرة ليس صناعةً للتودد الظاهر، بل تهذيب للنفس يظهر أثره في القلب واللسان والمال والموقف، ويحفظ للصحبة معناها ما دامت قائمة وبعد أن تتغير الأحوال.