يدعو أزهري أحمد محمود في كتابه «أخي كيف حالك مع القرآن؟» قارئه إلى أن يزن صلته بالقرآن بميزان صادق: هل يهتدي به، ويتلوه، ويتدبره، ويعمل بأحكامه، أم أن نصيبه منه لا يتجاوز المعرفة أو التلاوة المتقطعة؟ ويجعل الكتاب محاسبةً متتابعة للنفس، تردها إلى القرآن بوصفه هدىً ورحمةً وشفاءً، وتكشف لها مقدار ما أخذت من هذه المعاني في حياتها.
ويمهد لذلك ببيان أن الإنسان لا يستقل بعقله في تحصيل الهداية الكاملة، وأن الله تعالى أنزل كتبه وأرسل رسله عليهم السلام ليبين للناس طريق السعادة، وجمع الهدى في القرآن الذي أنزله على محمد صلى الله عليه وسلم. ثم يلفت إلى نعمة تيسير حمل القرآن وقراءته، مع عِظَم شأن كلام الله تعالى وثقله، ويذكر أن من شكر هذه النعمة أن يقبل المسلم على الكتاب الذي بيّن له طريق الهدى وحذره من طريق الضلال.
ثم يجعل القرآن ميزانًا للمحاسبة؛ فيطالب المسلم أن يعرض اعتقاده وعمله وسلوكه عليه، فما وافقه حمد الله تعالى عليه وطلب الزيادة، وما خالفه رجع عنه. ومن هنا لا تكون الصلة بالقرآن عنده مجرد كثرة القراءة، بل تحاكمًا إلى هديه، وعمرانًا للقلب والبيت به، واستمدادًا للأخلاق والأعمال منه ومن سنة النبي صلى الله عليه وسلم.
ويخصص جانبًا واسعًا للتلاوة، فيجمع ما ورد في فضل قراءة الحروف والآيات، والاجتماع على تلاوة القرآن ومدارسته، وما يترتب على ذلك من الحسنات والسكينة والرحمة. ويكرر سؤال القارئ عن نصيبه من هذا الأجر، ويقارن حرص الإنسان على رصيده من المال بغفلته عن رصيده من الحسنات، ليحثه على اغتنام عمره فيما يبقى له بعد الموت.
ولا يقف عند من يحسن القراءة، بل يخاطب من لم يتعلم القرآن أو شقّت عليه تلاوته، فيحثه على التعلم وألا يمنعه الحياء أو صعوبة البداية. ويستدل بفضل تعلم القرآن وتعليمه، وبالأجر الموعود لمن يقرأه مع المشقة، ثم يعرض أقسام الناس في علاقتهم بالقرآن ليحض القارئ على أن يجمع بين التلاوة والإيمان والعمل.
ويحذر بعد ذلك من هجر القرآن، ولا يحصر الهجر في ترك التلاوة؛ بل ينقل تقسيم ابن القيم له إلى هجر سماعه والإيمان به، وهجر العمل بحلاله وحرامه، وهجر التحاكم إليه، وهجر تدبره وتفهمه، وهجر الاستشفاء به من أمراض القلوب. وبهذا يتسع معنى الهجر ليشمل صورًا قد تجتمع مع وجود المصحف في البيت أو كثرة القراءة باللسان.
ويربط قرب المسلم من القرآن بسعادة القلب وطمأنينته، ويصور الهجر حرمانًا من الأنس والشفاء ولذة العبادة. فالمقياس عنده ليس ما اتسع للمرء من متاع الدنيا، وإنما حياة قلبه بذكر الله تعالى وكلامه؛ ولذلك يدعو القارئ إلى تفقد حلاوة الصلاة والذكر والقراءة في نفسه، ومراجعة أسباب الجفاء إذا فقدها.
ويفرد للتدبر وقفةً مستقلة، فينبه إلى أن المقصود من القراءة ليس بلوغ آخر السورة بأسرع ما يمكن، وإنما حضور القلب وفهم الخطاب والوقوف عند الوعد والوعيد. ويحث على سؤال الله تعالى من فضله عند آيات الوعد، والاستعاذة به عند آيات الوعيد، وعلى الترتيل والتمهل، وينقل من أخبار السلف ما يدل على إيثار قراءة أقل مع التدبر على قراءة كثيرة يغيب عنها القلب.
ثم ينتقل إلى أثر القرآن في رقة القلب والبكاء، فيسأل القارئ عن حاله حين يسمع آيات الله تعالى أو يتلوها، ويبحث أسباب القسوة التي تحول بين القلب وبين التأثر. ويذكر منها قلة التلاوة، وغياب القلب، وترك التدبر والخشوع، والانغماس في الدنيا، وطول الأمل، والمعاصي والذنوب. ويقابلها باستحضار الوعيد والآخرة وتزكية النفس وحضور القلب، ثم يسوق نماذج من بكاء الصحابة والصالحين عند تلاوة آيات بعينها.
ويجمع كذلك جملة من الفضائل المتعلقة بآيات وسور مخصوصة، فيذكر الآيتين الأخيرتين من سورة البقرة، وآية الكرسي، وسورة الملك، والمعوذتين، وسورة الإخلاص، ليقرب إلى القارئ أعمالًا يسيرة يمكنه المحافظة عليها، ويؤكد أن دقائق قليلة ثابتة مع القرآن قد تتحول مع امتداد العمر إلى ذخيرة كبيرة من الحسنات.
ويختم بجانب عملي يجيب عن سؤال القرب من القرآن وسط كثرة المشاغل؛ فيقترح أن يكون المصحف قريبًا من المسلم في بيته وعمله، وأن يستثمر أوقات الانتظار والفراغ، ويستفيد من سماع التلاوة، ويبكر إلى المسجد ليقرأ قبل الصلاة. والمقصود من هذه الاقتراحات إزالة حجة الانشغال، وإثبات أن من صدقت نيته أمكنه أن يجعل للقرآن نصيبًا ثابتًا من يومه.
وتبقى المسألة التي يحملها عنوان الكتاب مفتوحةً أمام القارئ بعد انتهائه منه: ليست القضية هل يعرف فضل القرآن، بل ما حاله معه بالفعل؛ كم يقرأ، وكم يتدبر، وماذا غيّر القرآن في قلبه وعمله، وهل صار له وِردٌ لا يتركه أم ما زال يؤجل صحبته؟ وعلى هذا السؤال تتجمع فصول الرسالة كلها، من التلاوة والهجر إلى التدبر والخشوع والعمل، لتدفع المسلم من الإعجاب بفضل القرآن إلى صحبة دائمة تظهر آثارها في حياته.