يرسم سعيد بن علي بن وهف القحطاني في هذا الكتاب صورة متكاملة لما ينبغي أن يكون عليه المسلم منذ سماعه الأذان حتى قيامه إلى الصلاة؛ فيجمع بين بيان منزلة الأذان وفضائله، وكيفية متابعة المؤذن قولًا، والأذكار والأدعية المشروعة عند النداء وبعده، وما يترتب على ذلك من فضائل وفوائد، ثم ينتقل من الإجابة القولية إلى الإجابة الفعلية بحضور صلاة الجماعة. وبذلك لا يقصر «إجابة النداء» على ترديد ألفاظ بعينها، بل يجعلها استجابة تبدأ باللسان والقلب وتنتهي بالسعي إلى الصلاة وإقامتها مع الجماعة.
ويبدأ بفضائل النداء نفسه، فيجمع جملة من النصوص الدالة على شرف الأذان والمؤذنين؛ فالمنادي إلى الصلاة قائم بالدعوة إلى الخير، والمؤذنون لهم فضائل خاصة يوم القيامة، والأذان يطرد الشيطان، ولو علم الناس مقدار ما فيه من الأجر لتنافسوا عليه، كما يشهد للمؤذن كل من يبلغ صوته من إنس وجن وسائر المخلوقات. ويذكر كذلك ما ورد في المغفرة للمؤذن، ومضاعفة أجره، والدعاء له، وما جاء في عظم ثواب من حافظ على التأذين.
ثم ينتقل إلى أنواع إجابة النداء، فيجعل الذكر المشروع عند الأذان وبعده قائمًا على 5 أنواع متتابعة. أولها أن يقول السامع مثل ما يقول المؤذن، إلا عند الحَيْعَلَتَين: «حي على الصلاة» و«حي على الفلاح»، فيأتي بالحَوْقَلَة. والثاني أن يأتي بعد الشهادتين بالذكر الوارد المتضمن الشهادة بالتوحيد والرسالة والرضا بالله تعالى ربًّا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولًا، وبالإسلام دينًا. والثالث أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم بعد الفراغ من متابعة المؤذن.
ويأتي النوع الرابع في سؤال الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم الوسيلة والفضيلة والمقام المحمود بالدعاء المأثور بعد الأذان، ثم يختم بالنوع الخامس، وهو أن يدعو المسلم لنفسه ويسأل الله تعالى من فضله، مستفيدًا من فضل الوقت بين الأذان والإقامة. ويجمع المؤلف هذه الأنواع في نسق واحد، بحيث لا تزاحم متابعة المؤذن الأدعية اللاحقة لها، بل يتتابع الذكر من أول الأذان إلى ما بعد انتهائه.
ويفرد بعد ذلك فضائل الإجابة القولية، فيذكر ما يترتب على موافقة المؤذن بقلب حاضر ويقين من الثواب، وما ورد في مغفرة الذنوب ودخول الجنة، وفي مضاعفة ثواب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ونيل شفاعته لمن سأله الوسيلة والمقام المحمود. كما يبرز فضل الدعاء عند النداء وبين الأذان والإقامة، وما في متابعة المؤذن من امتثال السنة والاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، ومنح من لم يتولَّ الأذان نصيبًا من الأجر عن طريق إجابته.
ولا يكتفي بجمع الفضائل، بل يستخرج من ألفاظ الأذان وأذكار إجابته معاني تعبدية وتربوية. فيبين أن متابعة المؤذن تكون عقب كل جملة يقولها، وأن استبدال الحَيْعَلَتَين بالحَوْقَلَة يحمل معنى الافتقار إلى الله تعالى والاستعانة به على إجابة داعي الصلاة والفلاح. ويتوقف عند معنى الفلاح بوصفه جامعًا للفوز والنجاة والخير، ويجعل تكرار هذه الدعوة باعثًا على الاستعداد للصلاة لا مجرد سماع كلمات مألوفة.
ويفصل كذلك معاني «الوسيلة» و«الفضيلة» و«المقام المحمود» و«الدعوة التامة» و«الصلاة القائمة»، مستعينًا بأقوال شُرّاح الحديث والفقهاء في بيان دلالاتها. ويقرر أن كمال أثر الإجابة متعلق بالقصد والإخلاص وحضور القلب، فلا يكون المقصود حركة اللسان وحدها، بل فهم ما يقوله المجيب واستحضار ما يتضمنه الأذان من التوحيد والشهادة بالرسالة والدعوة إلى الصلاة والفلاح.
ثم يعرض أحكام إجابة المؤذن بتفصيل واسع، ويختار أن ترديد الأذان سنة مؤكدة ينبغي للمسلم ألا يدعها من غير عذر، بعد أن ينقل الخلاف في وجوبها واستحبابها، ويبين أن قول الجمهور على الاستحباب. كما يقرر أنها سنة قولية ثبت الأمر بها، وسنة فعلية ثبت تطبيق النبي صلى الله عليه وسلم لها، ويستحضر حرص الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم على متابعة المؤذن والإنصات له.
ويتابع الأحكام العملية، فيقرر أن السامع يقول كل جملة بعد فراغ المؤذن منها، وأن الإجابة مشروعة لكل من سمع الأذان ممن لا يمنعه مانع، من الرجال والنساء وعلى اختلاف أحوالهم. أما من كان في الصلاة أو في موضع لا يناسب الذكر فيؤخر الإجابة حتى يزول المانع على التفصيل الذي ينقله. كما يؤكد أن الإجابة تكون باللسان، ولا يكفي مجرد مرور الألفاظ على القلب، مع عدم الحاجة إلى رفع الصوت كما يرفعه المؤذن.
ويجعل متابعة المؤذن مقدمة على بعض الأعمال التي لا يفوت وقتها؛ فمن كان يقرأ القرآن أو يسبح ثم سمع الأذان يقطع ذلك لمتابعة المؤذن، لأن وقت الإجابة يفوت بينما يمكنه العودة إلى القراءة والذكر بعده. ويتناول كذلك إجابة الإقامة، فيختار متابعة المُقيم كما يتابع المؤذن، ويبين أن ما اشتهر من قول مخصوص عند «قد قامت الصلاة» لم يثبت عنده، فيردد السامع ما يقوله المُقيم.
ويتناول أذان الفجر على نحو خاص، فيجعل جواب «الصلاة خير من النوم» ترديد اللفظ نفسه، ولا يعتمد العبارة التي اشتهر عند بعض الناس قولها بدلًا منه لعدم ثبوتها. كما يبحث حال المؤذن نفسه، فيفرق بين متابعته لنفسه وبين الأذكار التي تأتي بعد فراغه من الأذان؛ فلا يكرر المؤذن أذانه جوابًا لنفسه، لكنه يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ويأتي بالدعاء المشروع بعد انتهائه.
ويمتد البحث إلى أحوال تتكرر في حياة المسلم؛ فمن دخل المسجد والمؤذن يؤذن استحب له أن ينتظر حتى يجيب الأذان ثم يصلي تحية المسجد، جامعًا بين الفضيلتين. ويتناول الداخل يوم الجمعة مع شروع المؤذن في الأذان، وما يتعلق بالموازنة بين المتابعة وتحقيق الاستماع للخطبة، وينقل الترجيح الذي يجمع بين متابعة الأذان وأداء ركعتين خفيفتين قبل الانصات للخطبة.
ويعالج كذلك متابعة الأذان المسموع عبر المِذياع أو التلفاز، فيربط مشروعيتها بكون الأذان منقولًا في وقت الصلاة، لا تسجيلًا منفصلًا عن وقته. كما يتناول تعدد المؤذنين، فيذكر استحباب متابعة المؤذن الثاني والثالث إذا كان أذانهم مشروعًا، ويناقش ما إذا كان السامع قد أدى الصلاة التي ينادى لها، وما يترتب على اختلاف سبب النداء في هذه الحال.
وإذا لم يسمع المسلم إلا بعض الأذان، يعرض الخلاف في البدء من أوله أو الاقتصار على ما أدرك سماعه، ويميل إلى أن يجيب ما سمعه لأن موضع ما فاته قد انقضى. ويختم هذا الجانب بإبراز عناية أهل العلم بتطبيق هذه السنة عمليًا في مجالس التعليم؛ فيذكر من مشاهداته حرص الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله على إيقاف الدرس عند بدء الأذان والإنصات للمؤذن ومتابعته، وحث الحاضرين على ذلك، ليجعل التطبيق العملي شاهدًا على مكانة هذه السنة في حياة العلماء.
ثم ينتقل في المبحث الأخير من إجابة النداء بالقول إلى إجابته بالفعل، فيقرر وجوب صلاة الجماعة على الرجال المسلمين المُكلَّفين القادرين في الحضر والسفر، ويعرض الخلاف الفقهي في حكم الجماعة بين فرض العين، وكونها شرطًا مع فرضيتها، وفرض الكفاية، والسنة المؤكدة، ثم يختار أنها فرض عين.
ويجمع لإثبات ذلك عددًا كبيرًا من الأدلة؛ فيستدل بالأمر بالصلاة جماعة حتى في حال الخوف، وبالأمر بالركوع مع الراكعين، وبأمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بالصلاة جماعة، ثم يقف عند قصة الأعمى الذي سأل الرخصة في الصلاة في بيته فلم يرخص له النبي صلى الله عليه وسلم حين كان يسمع النداء. ويجعل هذه القصة من أقوى ما يدل على لزوم الإجابة الفعلية، بالنظر إلى ما اجتمع لذلك الرجل من بُعد الدار وفقد القائد المناسب ومشقة الطريق وغيرها من الأعذار.
ويضيف إلى ذلك ما ورد في التغليظ على من يسمع النداء ولا يأتي الصلاة، وما جاء من همّ النبي صلى الله عليه وسلم بتحريق بيوت المتخلفين عن الجماعة، ثم يستحضر آثار الصحابة رضي الله عنهم في عد التخلف عنها من علامات النفاق والضلال. ويذكر ما ورد في الختم على قلب من يترك الجماعات، وفي استحواذ الشيطان على القوم الذين لا تقام فيهم الصلاة جماعة، ليبين أن الإجابة الفعلية في الكتاب ليست فضيلة زائدة فحسب، بل واجب يرتبط بحفظ شعيرة الجماعة.
ويبحث في هذا السياق حكم الخروج من المسجد بعد الأذان قبل أداء الصلاة، فيقرر المنع منه من غير عذر معتبر، مستندًا إلى إنكار أبي هريرة رضي الله عنه على من خرج بعد النداء، وما ورد من النهي عن مغادرة المسجد حتى تؤدى الصلاة. ويستثني الأعذار والحاجات التي لا بد منها، كالخروج للطهارة أو ما في معناها، ويربط الحكم مرة أخرى بالمقصد الأساس: أن سماع النداء يستدعي الاستجابة العملية له لا الانصراف عنه.
ويختم الكتاب بما يدل على عناية النبي صلى الله عليه وسلم بتفقُّد أهل الجماعة، وبما نُقل من آثار الصحابة رضي الله عنهم في التشديد على التخلف عنها من غير عذر. وهكذا تنتظم مباحث «إجابة النداء» حول معنى واحد يتدرج من سماع الأذان إلى فهم فضله، ثم متابعته بالذكر والدعاء، ثم القيام إلى الصلاة؛ فتجتمع في الاستجابة سنة اللسان والقلب مع عمل الجوارح، ويغدو النداء انتقالًا من ذكر يسمعه المسلم ويردده إلى عبادة يقصدها ويشهدها مع جماعة المسلمين.