يتتبع إبراهيم بن حسن الحضريتي في هذا الكتاب أثر حضور القلب وأعماله في الذكر والدعاء، فيجعل مواطأة القلب للسان أساسًا لاكتمال أثر هاتين العبادتين في حياة المسلم؛ فكلما قوي الإخلاص والمحبة والخوف والرجاء واليقين والتوكل ازداد إقبال العبد على ذكر الله تعالى ودعائه، ووجد فيهما من الخشوع واللذة والاستمرار ما لا يحصل مع غفلة القلب. والكتاب هو الخامس من سلسلة «أثر عمل القلب على العبادات»، والنص المرفق يمثل القسم الأول منه.
ويمهد بتحديد الصلة بين الذكر والدعاء، فيقرر أن بينهما عمومًا وخصوصًا؛ فالدعاء الموجه إلى الله تعالى ذكرٌ له، مع بقاء كل عبادة بخصائصها. ثم يناقش التفاضل بين العبادات، منبهًا إلى أن الأفضلية ليست حكمًا مجردًا ثابتًا في جميع الأحوال، بل قد تتغير باختلاف الوقت والمكان وحال العبد وما هو أنفع لقلبه وأجمع له على طاعة الله تعالى. ومن هنا يجعل معرفة ما يصلح للقلب في كل موطن جزءًا من الفقه في العبادة.
ويوسع مفهوم الذكر فلا يحصره في التسبيح والتهليل ونحوهما من أذكار اللسان؛ إذ يدخل فيه ذكر القلب بالتفكر في عظمة الله تعالى وآياته، وذكره عند الأمر بالامتثال وعند النهي بالاجتناب، كما تمتد آثاره إلى أعمال الجوارح والطاعات. ويبرز بذلك الذكر باعتباره معنى يحيط بحياة المسلم وأحواله، ويرتبط بالصلاة والحج وغيرهما من العبادات، مع تأكيد أن كماله يتحقق حين يجتمع فيه القلب واللسان والعمل.
ثم يميز بين الأذكار والأدعية المأثورة وغير المأثورة. فالمأثور ما ثبت في القرآن الكريم أو السنة من ذكر أو دعاء مطلق أو مقيد بوقت أو مكان أو مناسبة أو عدد، ويشدد على المحافظة في المقيد منها على ما ورد من لفظ وعدد وهيئة وموضع، وألا يحول الذكر المطلق إلى عبادة مقيدة من غير دليل. أما الدعاء أو الذكر الذي ينشئه العبد لحاجة عارضة فيجيزه بضوابط، منها صحة المعنى وسلامة اللفظ من المحظور، وعدم تحويله إلى وِرد راتب أو ربطه بزمان أو مكان أو عدد لم يأت به الشرع، والبعد عن الاعتداء والتكلف في السجع.
ويفصل بعد ذلك آداب الذكر والدعاء، وفي مقدمتها الإخلاص لله تعالى ومتابعة النبي صلى الله عليه وسلم، وحمد الله تعالى والثناء عليه والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الدعاء، والجزم في المسألة واليقين بالإجابة، والإلحاح مع إظهار الافتقار والحاجة، وعدم استعجال الإجابة، وحضور القلب، وملازمة الدعاء في الرخاء والشدة. ويؤكد في هذا السياق أن الدعاء عبادة خالصة لله تعالى، وأن قوته لا تتعلق بمجرد الألفاظ، وإنما بما يقوم في القلب من افتقار وإخلاص ويقين وخضوع.
ويؤسس المبحث الأول لأثر أعمال القلب عامة، مستدلًا بما يطرأ على قلب المؤمن من وجل وطمأنينة وخشوع، وما يقابل ذلك من آثار الذنوب وأمراض القلب من قسوة وزيغ وغفلة. ويرد صلاح أعمال الجوارح إلى صلاح الباطن، ثم يجعل من ثمار ذلك في العبادة تصحيح القصد، والحرص على متابعة السنة، وحضور القلب، ومجاهدة النفس على إتقان العبادة وبلوغ مقام الإحسان.
ويفرد المبحث الثاني لسبعة من أعمال القلوب الأكثر اتصالًا بالذكر والدعاء: الإخلاص والمتابعة، والمحبة، والخوف والخشية والرجاء، واليقين، والتوكل، والورع، والصبر. ويعالج كل واحد منها من جهة معناه وأدلته وأثره في هاتين العبادتين، فلا تكون هذه الأعمال عنده مباحث مستقلة عن الذكر والدعاء، بل دوافع تحرك العبد إليهما وتحدد كيفية أدائهما وما يثمرانه في قلبه.
فالإخلاص يحفظ الذكر والدعاء من طلب ثناء الناس والرياء والسمعة، ويزيد القلب إقبالًا عليهما واستمرارًا فيهما، بينما تضبط المتابعة طريقة التعبد وتحول دون إدخال الهيئات والأوراد المحدثة. والمحبة تكثر ذكر المحبوب والشوق إلى مناجاته، والخوف والرجاء يجعلان الدعاء قائمًا بين خشية الرد والطمع في الرحمة والثواب، أما اليقين فيقوي ثقة العبد بوعد الله تعالى وقربه وإجابته.
ويصل التوكل بالدعاء من جهة اعتماد القلب على الله تعالى مع فعل الأسباب، ويجعل الورع حاجزًا يحفظ القلب من المشتبهات والذنوب التي تضعف أثر العبادة، ثم يربط الصبر بالاستمرار في الذكر والدعاء وعدم الفتور أو الاستعجال. وبذلك تتداخل هذه الأعمال لتنشئ قلبًا متعلقًا بالله تعالى، لا يتوقف ذكره ودعاؤه على حال الرخاء أو على تحقق المطلوب سريعًا.
ويتجه المبحث الثالث إلى أعمال تزيد صلاح القلب وتقوي أثر الذكر والدعاء فيه، فيبدأ بتحقيق التوحيد وما يثمره من تجرد القلب من التعلق بغير الله تعالى، وانشراح الصدر والأمن والاهتداء، ثم يتناول كثرة التوبة والاستغفار لما لهما من أثر في تنقية القلب من آثار الذنوب. ويضيف مجاهدة النفس على الإخلاص والمتابعة ومحاسبتها، وتعلق القلب بالله تعالى، ثم تعلقه بالدار الآخرة، ليجعل تزكية القلب عملية مستمرة تسبق الذكر والدعاء وتصاحبهما.
ويخصص المبحث الرابع لأحكام تتصل مباشرة بعلاقة القلب بالذكر والدعاء، فيقدم ذكر القلب على ذكر اللسان المجرد، ويجعل أعظم الذكر ما اجتمع فيه القلب واللسان؛ لأن المقصود أن يدرك الذاكر معنى ما يقول ويتدبره حتى تظهر آثاره من الوجل والخشية والطمأنينة. ومع ذلك لا يسقط فضل ذكر اللسان عند غفلة القلب، لكنه يجعله أضعف أثرًا وثوابًا من الذكر الذي استجمع حضور الباطن والظاهر.
ويتوقف كذلك عند التضرع في الدعاء، فيجعله خضوعًا وذلًا قائمين في القلب يظهر أثرهما على الجوارح في الافتقار والإلحاح والإخلاص. ثم يربط الدعاء بالخوف والطمع؛ فيدعو العبد ربه خائفًا من العقوبة ورد العمل، راجيًا الرحمة والثواب والإجابة، بعيدًا عن دعاء الغافل أو المعجب بعمله. وهكذا يعيد حتى الأحكام المتعلقة بهيئة الدعاء إلى أصولها الباطنة من الخشوع والتعلق والافتقار.
ويجمع المبحث الخامس 15 ثمرة لتحقيق عمل القلب في الذكر والدعاء، تبدأ بالشعور بمعية الله تعالى الخاصة بما تثمره من المعونة والحفظ والنصر والطمأنينة والثبات، ثم تحقيق التوحيد، وذكر الله تعالى لعبده، والتحصن من الشيطان وطرده بالذكر. ويضيف خشوع القلب وطمأنينته، وزيادة تعلقه بالله تعالى والدار الآخرة، والأمان من النفاق، وزيادة الإيمان، والحفظ والرعاية، ووجل القلب والخوف من الله تعالى، والثقة به وحسن الظن به.
ويمتد أثر الذكر والدعاء عنده إلى الثبات والنصر والتأييد، وصلاح الظاهر والباطن، والثبات على الحق حتى الممات وحسن الخاتمة. ثم يختم هذه الثمرات باستشعار القيمة العظيمة للذكر والدعاء أنفسهما وما ورد في فضلهما؛ لأن معرفة القلب بمقدار العبادة تزيد رغبته فيها وتمنعه من التعامل معها بوصفها كلمات معتادة تتكرر من غير حضور لمعانيها.
وفي مقابل هذه الثمار يبحث المبحث السادس أسباب الانحراف في الذكر والدعاء. فيجعل الجهل والإعراض عن القرآن الكريم والسنة من أوسع أبواب انتشار البدع، ثم يتناول تعلق القلب بغير الله تعالى وما ينشأ عنه من صرف بعض وجوه الدعاء إلى غير مستحقها. ويضيف أثر علماء السوء وأئمة الضلال، وتزيين الأدعية والأذكار المحدثة للناس حتى تشغلهم عن المأثور، والتعصب والتقليد الأعمى والتشبه بأهل الكفر، ثم اتباع الهوى ومجالسة أهل البدع والأهواء.
ويحذر في هذا السياق من تحويل الذكر إلى هيئات جماعية أو أعداد وأوقات ملتزمة لم يأت بها دليل، ولو كانت الألفاظ المستعملة صحيحة في أصلها؛ لأن صحة لفظ الذكر لا تجعل كل كيفية لأدائه مشروعة. ويستحضر إنكار عبد الله بن مسعود رضي الله عنه على من أحدثوا طريقة مخصوصة لعد التكبير والتهليل والتسبيح، ليؤكد أن موافقة السنة مقدمة على مجرد كثرة العمل أو حسن القصد.
أما المبحث السابع فيتتبع نتائج إهمال أعمال القلب في الذكر والدعاء، فيعد منها الوقوع في الشرك حين يتعلق القلب بغير الله تعالى ويصرف الدعاء أو الاستغاثة فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى لغيره، ثم الوقوع في البدعة بسبب مفارقة الهدي النبوي. ويضيف الرياء والسمعة والعجب، وتسلط الشيطان وتمكنه من القلب مع الغفلة عن الذكر، ثم الغفلة عن الآخرة وما يتبعها من ضعف الدافع إلى الطاعة والانشغال بالدنيا.
وبذلك يجعل «أثر عمل القلب على عبادة الذكر والدعاء» القلب ميدانًا تتحدد فيه حقيقة هاتين العبادتين وثمرتهما؛ فليس المقصود مجرد كثرة الألفاظ، وإنما ذكر يعي القلب معناه ودعاء يقوم على الافتقار واليقين والمحبة والخوف والرجاء، مع إخلاص لله تعالى واتباع للنبي صلى الله عليه وسلم. ومن اجتماع هذه الأصول تنشأ الطمأنينة وزيادة الإيمان والتوحيد والثبات والحفظ، بينما يقود فساد القلب وغفلته إلى الرياء والابتداع والتعلق بغير الله تعالى وسائر صور الانحراف التي يحذر منها الكتاب.