يرسم حامد عبد السلام زهران في هذا الكتاب ميدان الإرشاد بوصفه منظومة علمية وتطبيقية متكاملة غايتها أن يعرف الفرد نفسه وإمكاناته ومشكلاته، ويفهم خبراته والفرص المتاحة أمامه، ثم يتعلم كيف يختار ويتخذ القرار ويحل مشكلاته ويحقق ذاته وتوافقه وصحته النفسية في حياته الشخصية والتربوية والمهنية والزواجية والأسرية؛ ولذلك يعرفه بأنه «عملية واعية مستمرة بناءة ومخططة» يشترك فيها الفرد مع المرشدين والمربين والوالدين بدل أن يكون متلقيًا سلبيًا لحلول جاهزة. ويحيط بهذا المفهوم من جهاته المتصلة بعلم النفس والصحة النفسية والعلاج النفسي والاستشارة والتربية والتعليم والخدمة الاجتماعية والطب وعلم الاجتماع والاقتصاد والدين والقانون، ويؤكد خصوصًا أن الفرق بين الإرشاد والعلاج النفسي عنده أقرب إلى الفرق في الدرجة ونوعية العميل منه إلى اختلاف جوهري في العملية، وأن الإرشاد نفسه يحمل وظيفة تعليمية وتربوية ويستفيد من علم نفس النمو والاجتماع والتعلم والقياس وسائر التخصصات المتصلة بالإنسان. ويبرر اتساع الحاجة إليه بما يواجه الإنسان من فترات انتقال بين مراحل العمر والدراسة والعمل والزواج، ومن تغيرات أسرية واجتماعية ومهنية، وتسارع علمي وتكنولوجي، وتطور في نظم التعليم، وتزايد أعداد الطلاب، وما يصاحب الحياة الحديثة من قلق وضغوط؛ ثم يحدد أهدافه الكبرى في تحقيق الذات وتوجيهها، وتحقيق التوافق بمختلف صوره، والصحة النفسية، وتحسين العملية التربوية، بحيث يصبح الفرد أكثر قدرة على توجيه حياته بنفسه والتعامل مع المواقف واتخاذ قراراته. ويقسم استراتيجيات العمل إلى 3 مناهج مترابطة: تنموي يدعم النمو السوي ويرفع مستوى الكفاية، ووقائي يسبق ظهور الاضطراب ويقلل احتمالاته، وعلاجي يتدخل بعد وقوع المشكلة، مع إعطاء الأولوية للتنمية والوقاية قبل العلاج. وبعد هذا الإطار يقيم الفصل الثاني على مجموعة من الأسس العامة والفلسفية والنفسية والتربوية والاجتماعية والعصبية والفسيولوجية؛ فمن المسلمات العامة ثبات السلوك نسبيًا مع قابليته للتنبؤ والتعديل، وكونه فرديًا واجتماعيًا في آن، واستعداد الإنسان للإرشاد، وحقه فيه وفي تقرير مصيره، وتقبل العميل واستمرار العملية الإرشادية، مع اعتبار الدين ركنًا أساسيًا، بينما تشمل الأسس الأخرى طبيعة الإنسان وأخلاقيات المهنة والفروق الفردية والفروق بين الجنسين ومطالب النمو وتأثير الجماعة والبيئة والعلاقة بين النفس والجسم والجهاز العصبي. وفي الفصل الثالث يعرض النظريات التي تمنح المرشد تفسيرات مختلفة للشخصية والمشكلة وطريقة التدخل، فيتناول نظرية الذات عند كارل روجرز التي تجعل مفهوم الذات حجرًا أساسيًا في تنظيم الشخصية والسلوك وترتبط بالإرشاد الممركز حول العميل، والنظرية السلوكية التي تنظر إلى كثير من السلوك بوصفه متعلمًا يمكن إعادة تعلمه وتعديله، ونظرية المجال، ونظرية السمات والعوامل التي تعتمد التعرف على الفروق وقياس السمات وتطبيقها في الإرشاد الموجه، ثم نظرية التحليل النفسي، قبل أن يقارن بين هذه الاتجاهات ويذهب إلى الإفادة الانتقائية التكاملية منها بدل التزام جميع المرشدين بنظرية واحدة. وينقل الفصلان الرابع والخامس النظرية إلى فحص الشخص نفسه؛ فيحدد المعلومات المطلوبة عن العميل في بياناته العامة وشخصيته وجوانبه الجسمية والعقلية والاجتماعية والانفعالية ومشكلته أو مرضه وبيئته، ثم يعرض وسائل الحصول عليها بالمقابلة والملاحظة ودراسة الحالة ومؤتمر الحالة والاختبارات والمقاييس والفحوص والبحوث والسيرة الشخصية ومصادر المجتمع والسجل القصصي والسجل المجمع، مؤكدًا أن المعلومات ليست غاية مستقلة، وإنما مادة لفهم الشخص في كليته وتشخيص مشكلته وبناء القرار الإرشادي على معرفة.
وتبلغ المادة التطبيقية مركزها في الفصل السادس، حيث يفكك زهران «عملية الإرشاد النفسي» إلى سلسلة مترابطة تبدأ بالإعداد وتحديد الأهداف وجمع المعلومات والتشخيص وتحديد المشكلة والمآل، ثم تنظيم الجلسات وإقامة العلاقة الإرشادية، واستكشاف الذات والتداعي الحر والتفسير والتنفيس الانفعالي والاستبصار والتعلم وإعادة التعلم، وتعديل السلوك والنمو وتغير الشخصية، وصولًا إلى اتخاذ القرار وحل المشكلات والتشاور والتقييم والإنهاء والمتابعة، مع معالجة ما قد يطرأ من مقاومة وتحويل وإحالة وغيرها من المشكلات التي تعترض العملية. ويمنح العميل في هذا البناء دورًا فاعلًا؛ فالغاية أن يتعلم كيف يساعد نفسه، وتبقى القرارات النهائية صادرة عنه، كما أن إنهاء الإرشاد لا يأتي عشوائيًا وإنما بعد تحقق قدر مناسب من أهدافه وظهور نتائج الاستبصار والتعلم وتعديل السلوك وحل المشكلة، ثم تستمر المتابعة لرصد تطور الحالة. ويتسع الفصل السابع لطرائق كثيرة بحسب طبيعة العميل والمشكلة والظروف: الإرشاد الفردي والجماعي، والموجه وغير الموجه، والديني، والسلوكي، والإرشاد خلال العملية التربوية، وبالقراءة، وبالواقع، وباللعب، وفي وقت الفراغ، والإرشاد المختصر والعرضي والذاتي والخياري؛ وفي الإرشاد غير الموجه يبرز تأثير روجرز ومفهوم العلاقة الآمنة الخالية من التهديد التي تساعد العميل على فهم عالمه الداخلي وتعديل مفهومه عن ذاته، بينما يقدم الإرشاد السلوكي عملية الإرشاد باعتبارها إعادة تعلم تستعمل قوانين التعلم في ضبط السلوك المضطرب وتغييره. ويخصص للإرشاد النفسي الديني مساحة بارزة، فيربط بين الإيمان والسلوك الأخلاقي والصحة النفسية، ويذكر ضمن عملياته الاعتراف والتوبة والاستبصار والدعاء والاستغفار والذكر والصبر والتوكل على الله تعالى، مع دعوته إلى عرض النظريات والأساليب المستوردة على القيم الدينية والأخلاقية قبل اعتمادها، وإلى احترام المرشد معتقد العميل وعدم التدخل في تغييره. ثم يوزع الفصل الثامن هذه الطرق على مجالات الحياة: الإرشاد العلاجي والتربوي والمهني والزواجي والأسري، وإرشاد الأطفال والشباب والكبار والفئات الخاصة وإرشاد الصحة النفسية، بما يجعل الخدمة ممتدة عبر مراحل العمر واختلاف الحاجات، لا مرتبطة بمرض نفسي محدد وحده. ويجعل الفصل التاسع المدرسة نموذجًا لكيفية تحويل هذا كله إلى «برنامج إرشاد نفسي» مخطط ومنظم، يقدم خدمات مباشرة وغير مباشرة، فردية وجماعية، لتحقيق النمو السوي والاختيار الواعي والتوافق، ويناقش الحاجة إلى البرنامج وأهدافه وأسسه وتخطيطه وتمويله وخدماته وتنفيذه وتقييمه ومشكلاته، وتندرج تحته الخدمات الإرشادية والنفسية والتربوية والاجتماعية والطبية والبحثية وصلته بالأسرة والمجتمع الخارجي. أما الفصل العاشر فيجيب عن سؤال «من يعمل ماذا؟»، فيجعل الإرشاد مسؤولية فريق لا فردًا منعزلًا، ويضم المدير والمرشد والمعلم المرشد والمعالج النفسي والأخصائي النفسي والطبيب والأخصائي الاجتماعي والوالدين والعميل، ويشترط تحديد الأدوار مع التعاون والاستشارة المتبادلة وأخلاقيات المهنة، ويضع للمرشد نفسه صفات مثل فهم الآخرين، وحسن الإصغاء، والنضج الانفعالي، والتعاون، والصبر، والإخلاص، والثقة، والصحة النفسية، إلى جانب الإعداد العلمي والتدريب العملي تحت الإشراف. ولا يعامل العميل في النهاية بوصفه موضوعًا تُجرى عليه الإجراءات، بل يحملّه مسؤولية الإقبال الواعي، وصدق المعلومات، والتعاون، والاستفادة من الموارد المتاحة، واقتراح الحلول واتخاذ قراره بنفسه وتنفيذ ما انتهت إليه الجلسات؛ ثم يضم إلى الفريق الإداريين وأمناء المكتبات والممرضين وعلماء الدين، ويجعل لهؤلاء الأخيرين دورًا في إرشاد الشباب والزواج والأسرة والإرشاد الديني، وتنتهي المادة الموضوعية للكتاب بالحمد لله تعالى على الهداية قبل الانتقال إلى قائمة المراجع.