يحوّل الحارث بن أسد المحاسبي في «التوهم» أحوال الآخرة إلى مشاهد يخاطب فيها القارئ كأنه حاضرها بنفسه، ولذلك يقوم الكتاب على الأمر المتكرر: «فتوهم نفسك»، حتى ينتقل الخوف والرجاء من المعرفة الذهنية إلى إحساس القلب؛ وعنوانه نفسه يحدد قطبيه في «توهم حال أهل النار، وتوهم حال أهل الجنة». وتبدأ الرحلة عند اللحظة التي تنقطع فيها صلة الإنسان بالدنيا: سكرات الموت، ونزع الروح، وانتظار البشرى بالرضا أو الغضب، ثم الانتقال إلى القبر وسؤال الملكين وما يراه الميت من منزله في الجنة أو النار، فيطلب المحاسبي من قارئه أن يستحضر خوف الجلسة في ضيق اللحد، وثبات المؤمن أو حيرة المخذول، والفرح أو الحسرة التي تستمر مع الروح في انتظار النشور. ومن ظلمة القبر تقع النقلة الكبرى إلى البعث؛ تنشق الأرض عن الخلائق، ويخرج الناس حفاة عراة وقد اجتمعت الإنس والجن والشياطين والوحوش والسباع، وتنطمس الشمس والقمر وتتساقط النجوم وتنشق السماوات وتنزل الملائكة صفوفًا، ثم يشتد الموقف بالحر والزحام والعرق والعطش وطول الانتظار. ويصور الناس وقد بلغ منهم الكرب أن يلتمسوا من يشفع في تعجيل القضاء، فيأتون آدم ونوحًا وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام، وكل واحد مشغول بنفسه، حتى ينتهوا إلى محمد صلى الله عليه وسلم فيسأل ربه الشفاعة لهم، فيؤذن ببدء العرض والحساب. وتدخل جهنم في صورة الموقف بزفيرها وشهيقها، وتبلغ رهبة الجمع حدًا يجعل المحاسبي يعيد عبارة «نفسي نفسي» على ألسنة الخلائق، ثم تتطاير الصحف وتنصب الموازين ويصبح الإنسان مشغولًا بمواضع لا يكاد يذكر فيها أحدًا غير نفسه: أين يقع كتابه، وأيثقل ميزانه أم يخف، وكيف يكون مروره على الصراط. ويضيق المشهد بعد ذلك من الكون كله إلى فرد واحد يُنادى باسمه ويُساق إلى العرض، فيقرأ صحيفته ويواجه ما نسيه من الذنوب وما أخفاه من الأعمال، ويستحضر أسئلة العمر والعلم والمال والجوارح، وهنا يجعل المحاسبي مصير الحساب متشعبًا بين رحمة تستر الذنب وتغفره فيتحول الخوف إلى سرور، وبين غضب يقود صاحبه إلى الخزي والعقوبة. ومن الفرع الثاني يبني واحدًا من أشد مقاطع الكتاب رهبة؛ يصور أخذ العبد إلى النار وكتابَه في شماله وفضيحته بين الخلائق، ثم سقوطه من الصراط إن لم يدركه العفو، واحتراق بدنه، وشدة عطشه، وشرب الحميم والزقوم، وانتقاله بين النار والحميم، واستغاثته بأهل الجنة وطلبه الرجوع إلى الدنيا بعد فوات زمن العمل، حتى يبلغ الإياس بإغلاق أبواب النار وانقطاع الرجاء، ويعيد المحاسبي هذه الصورة كلها إلى غرضه التربوي: أن يتخيلها الإنسان الآن حتى يحمل الخوف قلبه على التوبة وترك ما يكرهه الله تعالى قبل أن يفجأه الموت.
وعند بلوغ الخوف غايته يعيد المحاسبي القارئ إلى الاحتمال الآخر: العفو والنجاة؛ فيراه خارجًا من الحساب بكتاب في يمينه ووجه أبيض ونور يسعى أمامه، ثم يقف على الصراط وجهنم تحته والملائكة تدعو بالسلامة، فيمر عليه بقدر خفة أوزاره، وبين قدميه لحظة تجمع الرجاء والخوف حتى تستقرا في العرصة التي وراء الجسر، فيلتفت إلى النار وإلى من زلوا فيها فيغلب عليه الشكر لنجاته. ومن هناك يبدأ الجزء الذي يقابل مشاهد العذاب بمشاهد النعيم؛ يصل الناجي إلى أبواب الجنة وآثار تعب الموقف والصراط ما تزال عليه، فيغتسل من عين فيزول عنه الدنس والتعب ويتغير جسده إلى الحسن والنضرة، ثم يشرب من أخرى فيطهر صدره من الغل والهم والحرص والغضب، وبعد اكتمال طهارة الظاهر والباطن تفتح له أبواب الجنة. ويطيل المحاسبي الوقوف داخل هذا العالم؛ يصف أول نفحات ريح الجنة، والقصور المبنية من الدر والياقوت والزمرد، وأرض المسك والزعفران، واستقبال الملائكة بالسلام وقولهم لأهلها: ﴿طبتم فادخلوها خالدين﴾، ثم استقبال الخدم والولدان والأزواج، والقصور والخيام والأسرة والحرير والحلي والأنهار والثمار والكؤوس، ويكرر عنصر الأبدية حتى تصبح سلامة أهل الجنة من الموت والمرض والفراق والهم جزءًا أساسيًا من نعيمهم، فيصور الموت وقد ذبح، والسرور مقيمًا في القلوب، والصحة ثابتة في الأبدان، والأمن من السخط والزوال كاملًا. ويبلغ الوصف ذروته حين ينادى أهل الجنة إلى موعد يعده الكتاب أعلى من سائر ما سبق من النعيم؛ يخرجون في موكب إلى لقاء ربهم، ويجلسون في منازل متفاوتة من القرب، ثم ترفع الحجب ويصور المحاسبي ما يدخل عليهم من سرور عند النظر إلى الله تعالى وسماع ترحيبه وكلامه، واستحضارهم ما كانوا عليه في الدنيا من خوف وعبادة وصبر ورعاية لعهده، حتى يطلبوا السجود فيخبروا أن زمن التكليف والعمل قد انقضى وأنهم صاروا في دار الكرامة والجزاء. وبعد هذه الزيارة يرجعون وقد ازداد نور وجوههم، ويتزاور أهل الجنة ويتنادمون عند أنهارها، ويأتيهم النداء مذكرًا إياهم بما تحملوه في الدنيا من صيام وعطش وترك للشهوات، فتتحول أعمال الدنيا في ختام الكتاب إلى ذكرى تزيد لذة الجزاء؛ ولهذا لا ينتهي المحاسبي عند تفصيل نوع من الطعام أو القصور، وإنما يخاطب القارئ مباشرة بأن يكون مشتاقًا إلى ربه، وأن يقطع ما يحول بينه وبين هذا المصير، ثم يختم بأن الجنة «مثوى المؤمنين، وثواب المتقين، وسرور المحزونين»، لتظهر غاية الكتاب كلها في استعمال «التوهم» وسيلةً لإيقاظ الخشية من النار والشوق إلى الجنة وإصلاح العمل قبل الوصول إلى الآخرة.