يرى مجدي الهلالي في هذا الكتاب أن التربية عملية تغيير ممتدة لا تتحقق بالمعلومة أو التأثر العابر، ويحدد معناها في «إحداث أثر دائم» يتكون بالتكرار والممارسة حتى يصبح السلوك صفة مستقرة في الإنسان؛ ومن هنا يفرق بين التعليم الذي قد ينتهي عند فهم المعلومة، والتربية التي تتابع المعلومة حتى تتحول إلى ممارسة وعادة. وقد صاغ الكتاب للإجابة عن أسئلة تتصل بهدف التربية ومجالاتها والتكامل بينها واستمرارها وأسباب تأخر ثمرتها. ويقيم تصوره للإنسان على 4 مكونات تحتاج إلى التعاهد المتواصل: العقل والقلب والنفس والجسد بما يصدر عنه من حركة، ويرى أن إصلاح الفرد والأمة مرتبط بتربيتها جميعًا في اتجاه واحد. ويأخذ «العقل والتربية المعرفية» موقع البداية؛ فوظيفة العقل عنده أن يجمع من آيات الكون والوحي ما يزيد الإنسان معرفة بالله تعالى، ولذلك يجعل العلم النافع هو المعرفة التي تنعكس خشية ومحبة وطاعة واستقامة، ويضع العلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله في مركز هذه التربية، مع تعلم أحكام الشرع وما يعين المسلم على أداء وظائفه وفهم زمانه وواقعه، ويطالب باستمرار القراءة والمدارسة بدل الاكتفاء بالمعلومات المتفرقة والعابرة. ويكشف «القلب والتربية الإيمانية» عن الحلقة التي تصل المعرفة بالفعل؛ فالقلب في تصوره مركز الإرادة تتجاذبه قوة الإيمان وقوة الهوى، ولهذا تستهدف التربية الإيمانية زيادة الإيمان حتى تتحرر الإرادة من أسر الهوى، وتستنير البصيرة، وتصبح المشاعر أكثر استجابة لما يرضي الله تعالى، وتنتهي غايتها إلى مقام الإحسان. أما «النفس وضرورة تزكيتها» فيتناول فيها حب النفس لحظوظها وشعورها بالتميز والشح والعجب، ويطالب بترويضها على الإخلاص ونكران الذات والتواضع وقبول الحق وعدم احتقار الآخرين، بحيث يصبح التواضع سلوكًا تلقائيًا لا مظهرًا متكلفًا. ويكتمل البناء بـ«التربية الحركية» التي توجه طاقة الإنسان إلى عمل نافع يتجاوز صلاحه الشخصي؛ فيجعل لها دائرتين واضحتين: بذل الجهد في إصلاح النفس واستكمال جوانبها، والمشاركة في الدعوة والإصلاح وخدمة الدين والناس، حتى يصبح العطاء والعمل جزءًا من منهج حياته وأولوياته اليومية.
وتظهر فكرة «التوازن» عندما يجمع الهلالي هذه المحاور في شخصية واحدة: عقل يتغذى بالعلم النافع، وقلب يتجدد بالإيمان، ونفس تتزكى بالمجاهدة، وحركة يوجهها مقصد نافع؛ وكل محور يحتاج إلى إمداد مستمر حتى يترك أثرًا ثابتًا. ويعرض صور الخلل الناشئة عن تضخم جانب على حساب غيره؛ فغزارة المعرفة مع ضعف الإيمان قد تنتج فجوة بين الأقوال والأفعال، والحركة الكثيرة من غير زاد روحي قد تتحول إلى روتين وفتور، ومعرفة عيوب النفس من غير قوة إيمانية قد تبقى معرفة عاجزة عن التغيير، ولذلك يمنح التربية الإيمانية أولوية في البدء لأنها في تصوره تمد بقية الجوانب بالقوة الدافعة، مع بقاء المطلوب النهائي هو اجتماعها لا الاكتفاء بواحد منها. ومن هذه الخريطة يستخرج مفهوم «الرؤية التربوية»: منظار يستخدمه المرء أولًا مع نفسه ليشخص مواضع النقص في المحاور الأربعة، ويستخدمه المربي فيمن يتولى تربيتهم لتحديد احتياجاتهم، ويحذر من تحويله إلى أداة للحكم على الناس وتتبع عيوبهم لما في ذلك من تغذية للنفس وشعورها بالتفوق. ويخصص القسم الأخير للمشكلة التي قد تحبط المربي: كثرة الجهد مع بطء ظهور الثمرة؛ فيفسر ذلك بتفاوت الاستعداد للتلقي، وبأن هذا الاستعداد يكون أوسع في الصغر ثم يقل تدريجيًا، وبترسخ المفاهيم والمعتقدات والعادات مع تقدم العمر حتى يصعب زحزحتها ويصبح كثير من التأثر بالمواعظ مؤقتًا ثم يعود الإنسان إلى ما استقر في داخله. ولا يستنتج من هذا تعذر التربية، وإنما يدعو إلى اختيار وسائل أشد تأثيرًا في الجذور الراسخة، ويعطي القرآن مكانة خاصة في هذا الباب لما يراه فيه من قدرة على هدم التصورات الخاطئة وبناء يقين جديد. وفي الصفحات الختامية تتحول الأفكار السابقة إلى برنامج شخصي: صدق العزم، والاستعانة بالله تعالى، والبدء بما ينقص الإنسان من جوانب التربية مع تقديم التربية الإيمانية، ثم الاستمرار داخل وسط صالح وصحبة تعين عند الضعف وتذكر عند الغفلة؛ ويغلق الهلالي كتابه بالدعاء أن يعين الله تعالى القارئ على استكمال جوانب النقص حتى تتحقق شخصية متوازنة في معرفتها وإيمانها ونفسها وحركتها.