تبحث هذه الرسالة في مسألة كلام الله تعالى والقرآن الكريم، وما يتصل بالحروف والأصوات والتلاوة والكتابة والنزول والسماع. والرسالة مطبوعة منسوبةً إلى الإمام أبي زكريا يحيى بن شرف النووي، وقد ذهب محقق الطبعة إلى إثبات هذه النسبة، وعدَّ النسخة التي اعتمدها جزءًا مفقودًا من مصنفاته، وذكر أن تاريخ نسخها الخميس 3 ربيع الآخر سنة 676هـ. غير أن نسبة الرسالة إلى النووي قد نوقشت مناقشةً قوية، والأحوط أن توصف بأنها «منسوبة إلى النووي» لا أن تُنسب إليه جزمًا؛ إذ لم يذكرها مَن ترجم له ضمن مؤلفاته، ولم تُثبت نسبة المخطوط إليه بطريق علمي واضح، والنسخة ليست بخطه، وإنما كُتب على طُرَّتها بعد وفاته أنها من تأليفه. كما أن بناء الرسالة ومادتها يثيران إشكالات أخرى في صحة النسبة؛ فالمقدمة تعد ببحثٍ وتأليفٍ يجمع أقوال المتقدمين ويسلك طرائق المتكلمين في النظر والمجادلة، بينما يصرح النص نفسه بأن أكثر القسم العقدي منقول من كتاب «غاية المرام في مسألة الكلام» لأبي العباس أحمد بن الحسن الأرموي، ثم يقول عند انتهائه: «وهذا الذي ذكرناه جميعه من كلام الشيخ أبي العباس الأرموي»، قبل أن ينتقل إلى نصوص من «التبيان في آداب حملة القرآن».
ويتألف النص من قسمين؛ أولهما نقلٌ مطوَّل عن الأرموي في مسألة الكلام، يبدأ بالخلاف في الحروف: هل هي قديمة أم حادثة؟ ثم يسوق الأدلة التي يعتمدها لإثبات قِدَم الحروف، مستدلًا بالآيات والأخبار وآثار عدد من الأئمة، ومناقشًا القول بأن القرآن المنزل حكاية أو عبارة عن كلامٍ قديم قائم بالذات. ثم يحرر محل النزاع فيقرر أن كلام الله تعالى هو القرآن المنزل بحروفه وأصواته، المتلو بالألسنة والمكتوب في المصاحف والمحفوظ في الصدور، ويحتج بنصوص نزول القرآن وسماعه وقراءته وكتابته، ويعارض مذهب الأشاعرة القائل بأن الحروف والأصوات المسموعة والمكتوبة دالّة على الكلام القديم وليست هي عين ذلك الكلام. وتمضي المناقشة في صورة اعتراضات وأجوبة، وتتوسع في الكلام على وجود القرآن في المصحف، والتلاوة والمقروء، والكتابة والمكتوب، وسماع كلام الله تعالى.
ويشتمل هذا القسم على عباراتٍ تحتاج إلى التنبه عند قراءة الرسالة، ولا سيما إطلاق القول بقِدَم الحروف على وجهٍ قد يُفهم منه قِدَم أعيان الحروف والأصوات المعينة، والقول بأن ما يسمع عند تلاوة القارئ هو الكلام القديم، مع التفريق بين ذلك وبين حركة اللسان والشفتين وصفات صوت القارئ التي يجعلها النص محدثة. ولهذا لا يكفي مجرد ما في الرسالة من إثبات الحرف والصوت للحكم بأنها تمثل تحريرًا تامًّا لمذهب السلف في صفة الكلام؛ فالنزاع لا يقتصر على إثبات الحروف والأصوات، بل يتصل كذلك بكلام الله تعالى بمشيئته وقدرته، والتمييز بين جنس الكلام وأعيان الكلمات والحروف المتعاقبة، وبين كلام الله تعالى وأصوات العباد وأفعالهم. ويظهر من النص نفسه مقدار مركزية القول بقِدَم الحروف، حتى يجعل ذلك أساسًا في بنائه للاستدلال على حقيقة القرآن المنزل.
أما القسم الآخر فهو مواد من «التبيان في آداب حملة القرآن»، وهو أبعد عن محل النزاع العقدي المباشر؛ إذ يورد أخبارًا في فضل تلاوة القرآن وحملته، ثم مسائل تتعلق بحرمة القرآن وصيانته، وتحريم المراء والجدال فيه بغير حق، وسماع غير المسلم له ومسِّ المصحف، وكتابة القرآن للاستشفاء، ونقشه على الجدران، وكتابة المصاحف ونقطها وشكلها، ووجوب احترام المصحف، وأحكام حمله ومسِّه. وهذا التفاوت بين موضوع القسمين من القرائن التي استند إليها ناقدو نسبة الرسالة؛ لأن جانبًا كبيرًا من هذه المواد لا يتصل مباشرةً بإثبات الحرف والصوت، مع أن المقدمة تصف المصنف بأنه موضوع لتحرير هذه المسألة والرد على المخالف فيها. ومن ثَمَّ فالأدق التعامل مع الكتاب بوصفه نصًّا مجموعًا في مسألة الحروف والأصوات وآداب القرآن، نُسب إلى الإمام النووي، مع وجود اعتراضات جدية ومفصلة على ثبوت هذه النسبة، فلا يصح الاحتجاج بما فيه على أنه قول للنووي إلا بعد ثبوت النسبة إليه.