لا يقصر أبو عبد الله محمد بن مفلح المقدسي كتابه «الآداب الشرعية والمنح المرعية» على محاسن الأخلاق بالمعنى الوعظي، بل يجعل الأدب الشرعي ميدانًا واسعًا تتداخل فيه أعمال القلوب، وتهذيب السلوك، وأحكام المعاشرة، ومسائل الحلال والحرام، وحقوق الناس، وآداب العلم والعبادة والعادات اليومية. وقد صرّح في مقدمته بأنه أراد جمع جملة كثيرة من الآداب التي يحتاج إليها العالم والعابد وسائر المسلمين، فاستوعب ما تفرق في مصنفات أصحاب المذهب الحنبلي، ولا سيما ما نُقل عن الإمام أحمد وأبي داود والخلال والقاضي أبي يعلى وابن عقيل وغيرهم، وأضاف إليه مواد متفرقة في الأمر بالمعروف والدعاء والطب واللباس وغيرها. وطريقته ليست مجرد نقل للنصوص؛ إذ يورد الآيات والأحاديث والآثار وأقوال الفقهاء، ويتكلم على أسانيد عدد من الأخبار صحةً وضعفًا، وينسب المذاهب والاختيارات إلى أصحابها، ويعرض الروايات المتعددة في المسألة الواحدة، ثم يبين ما يظهر له من توجيه أو ترجيح عند الحاجة. ويبدو ذلك منذ الفصول الأولى في الخوف والصبر والرضا، ثم الغيبة والنميمة والنفاق والكذب وحفظ اللسان وحسن الظن والتوبة ورد المظالم؛ فالمسألة الأخلاقية تتحول عنده إلى بحث فقهي دقيق في حدود الفعل وحكمه واستثناءاته وآثاره، كما في تفصيله لما يجوز من المعاريض، والفرق بين الغيبة والبهتان، وما يستثنى من الكذب للمصلحة الراجحة، وشروط التوبة في حقوق الخالق وحقوق المخلوقين.
ويتقدم الكتاب بعد إصلاح الباطن واللسان إلى تنظيم علاقة المسلم بمن حوله وبما يباشره في يومه؛ فيفصل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وما يشترط في القائم به من العلم والقدرة ومراعاة المصلحة والمفسدة، ثم يتناول الهجر والمصافحة والهدية وإكرام الجليس والصديق، وأحكام السلام والاستئذان والمجالس والسفر، وبر الوالدين وصلة الرحم وتربية الأولاد وحسن الجوار. ويمنح العلم مساحة كبيرة، فيبحث ما يجب تعلمه، وبم يبدأ الطالب، والعلاقة بين حفظ القرآن وطلب العلم، وآداب المعلم والمتعلم، وأهلية من يؤخذ عنه، وكتابة العلم وبذله وإعارة الكتب وكتمانه وأخذ الأجرة على تعليمه، ثم يتصل ذلك بمباحث القرآن من القراءة والترتيل والتدبر والتحزيب وفضائل أهله. ولا تنفصل حاجات البدن والمعاش عن هذا التصور؛ فتأتي عيادة المريض والتداوي ومسائل الأطباء والأدوية، ثم آداب الأكل والشرب والتسمية والحمد والضيافة وإكرام الضيف، والنوم والاستيقاظ، والكسب والتجارة والمال والغنى والفقر، وأحكام الحمام، وآداب المسجد وصيانته، واللباس والزينة وما يباح ويحرم منهما. وتكشف التفاصيل الدقيقة عن غرض الكتاب أكثر من عناوينه الكبرى: فقد يبحث عدد مرات الاستئذان، ووقت عيادة المريض، وهيئة الجلوس للطعام، والشرب قائمًا، وما يقدم من الرجلين عند دخول المسجد، واختلاف اللباس باختلاف عادات البلاد ومصالح أهلها؛ أي إن ابن مفلح يتتبع حضور الحكم والأدب في التصرفات التي تتكرر كل يوم، ويصلها بما وراءها من عبادة وخلق ومصلحة وعرف، فلا تبقى «الآداب» عنده بابًا ملحقًا بالفقه، بل تصبح وصفًا لكيفية عيش المسلم في نفسه وبيته ومجلسه وطريقه وعلمه ومعاشه.