يقرر شمس الدين الذهبي في هذا الكتاب أن اتباع ما جاء به النبي محمد صلى الله عليه وسلم أصل الهداية، وأن إحداث ما لم يأذن به الشرع مردود، مستدلًا بالنصوص الآمرة بلزوم السُّنَّة والمحذرة من محدثات الأمور. ثم يحرر معنى السُّنَّة المقابلة للبدعة، فيجعلها الشرعة المأثورة من واجب ومندوب، ويعرّف البدعة بأنها ما لم يأمر به الله تعالى ولا رسوله صلى الله عليه وسلم، ولم يأذن فيه ولا في أصله، مع إخراج المباح المسكوت عنه من مسمى السُّنَّة والبدعة. ويناقش منشأ الاختلاف في تحديد البدعة، وما ترتب على توسيع مفهومها أو تضييقه من اضطراب في الحكم على كثير من الأقوال والأعمال.
ويفصل الذهبي بين البدعة الشرعية والبدعة اللغوية، ويناقش من قسم البدع إلى الأحكام الخمسة، ويورد قول الشافعي في التفريق بين ما خالف الكتاب أو السُّنَّة أو الإجماع وبين ما لم يخالف ذلك. ويشرح في هذا السياق قول عمر رضي الله عنه في صلاة التراويح: «نعمت البدعة»، فيحمله على البدعة في اللغة لا في العرف الشرعي، ويجعل جمع المصحف من هذا الباب، ثم يبين أن حديث «كل بدعة ضلالة» منصرف إلى المحدثات المذمومة شرعًا. كما يتناول حديث «من سن سنة حسنة»، ويميز بين إحياء سُنَّة مشروعة وبين إنشاء عبادة لا أصل لها.
ويتتبع ظهور البدع في الأمة، فيذكر الخروج والرفض والطعن في الصحابة رضي الله عنهم، ثم بدع القَدَر والجبر والجهمية والتشبيه، ويشير إلى الخُرَّمية والقرامطة وتعطيل الشرائع. ويقرر كمال الدين واستغناء الأمة بما شرعه النبي محمد صلى الله عليه وسلم عن إحداث عبادات في الأقوال والأعمال والأحوال، مع تمييز ذلك عما استجدت الحاجة إليه بعد عصر النبوة. فالأمور التي ورد أصل الأمر بها وتأخر فعلها لعدم وجود مقتضيها لا تكون بدعة عند وجود سببها، كما أن تنظيم المصالح الدنيوية من إنشاء المدن والدواوين وخزائن الأموال لا يدخل في البدعة المذمومة لمجرد أنه لم يكن على الصورة نفسها في العهد الأول.
ويبين طريق النظر في النوازل، فيدعو العالم إلى البحث أولًا في كتاب الله تعالى، ثم في السُّنن، ثم في إجماع الأمة، ويحذر من تقديم الهوى والعادات على الشرع. كما ينبه إلى تفاوت البدع في آثارها، فيفرق بين بدع الاعتقاد التي قد يبلغ بعضها الكفر، وبين ما دونها من بدع الفرق، ثم بدع العبادات والعادات التي يعد خطبها أيسر، ويذكر منها صورًا تتعلق بالصلاة والتلاوة والهيئات المحدثة. ويحث الفقيه على إنكار ما يستطيع من المنكر والمحدث بإخلاص، مع الحذر من الغضب المؤدي إلى الفرقة، ويقرر أن «الخير كله في الاتباع واجتماع الكلمة».