لما وقف محمد بن أحمد بن عبد الهادي على كتاب تقي الدين السبكي «شفاء السقام في زيارة خير الأنام»، رأى أن صاحبه قد قوّى أحاديث وآثارًا لا تثبت عنده، وضعّف ما يراه ثابتًا، كما نسب إلى ابن تيمية أقوالًا لا تمثل حقيقة مذهبه في زيارة القبور والسفر إليها؛ فتصدّى لتعقبه في «الصارم المنكي في الرد على السبكي». ويحرر منذ مطلع الكتاب أصل النزاع، مؤكدًا أن ابن تيمية لم يمنع الزيارة الشرعية لقبر النبي صلى الله عليه وسلم ولا لسائر القبور، وإنما كان الخلاف في شد الرحال والسفر لمجرد زيارة القبور، ففرّق ابن عبد الهادي بين الزيارة من غير سفر، التي يقرر مشروعيتها، وبين السفر المقصود به القبر نفسه، وجعل الخلط بين المسألتين من أصول الخلاف بينه وبين السبكي.
ويمضي الرد متتبعًا أبواب «شفاء السقام» ومسائله، ويستأثر نقد أحاديث الزيارة بجانب كبير منه. فيبدأ بحديث «من زار قبري وجبت له شفاعتي»، ويرد تحسين السبكي له أو تصحيحه، ويتوسع في الكلام على موسى بن هلال، وعبد الله بن عمر العمري، والاختلاف في إسناد الحديث، وأقوال البيهقي والعقيلي وابن عدي وأبي حاتم وغيرهم فيه. وعلى هذا النسق يناقش بقية الروايات التي استدل بها السبكي، مستعملًا قواعد الجرح والتعديل والعلل والتفرد والمتابعات والشواهد، وموازنًا بين أحكام النقاد على الرواة والأسانيد. ولذلك تتجاوز مناقشته أصل مسألة الزيارة إلى مباحث حديثية دقيقة في مراتب الرواة، ودلالة رواية الأئمة عن الرجل على توثيقه، وقيمة تصحيح بعض المتأخرين إذا خالف أحكام النقاد المتقدمين.
ويتصل بذلك رده على ما أورده السبكي في السفر إلى الزيارة ونصوص الفقهاء فيه، إذ يعيد قراءة النقول التي ساقها عن المذاهب، ويفرق بين استحباب زيارة النبي صلى الله عليه وسلم والسلام عليه وبين جعل السفر لمجرد القبر قربةً مستقلة. ثم يناقش ما أورده في التوسل والاستغاثة، ويتعقب بعض الحكايات المنسوبة إلى الأئمة، ومن ذلك الحكاية المشهورة المنقولة عن مالك في التوسل عند القبر، فيبحث إسنادها ورجاله ويحكم عليها من جهة الصناعة الحديثية. ويعرض كذلك لما ساقه السبكي في حياة الأنبياء عليهم السلام في قبورهم، وسماع الموتى وإدراكهم وعود الروح إلى البدن، وما اتصل بذلك من الكلام على الشفاعة وبعض أحوال الآخرة والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم. ويبقى محور ابن عبد الهادي في هذه الفصول التمييز بين ما يراه ثابتًا بالنقل وما لا يثبت، وبين الزيارة التي شرع فيها السلام على الموتى والدعاء لهم، وما يعده من المحدثات المتصلة بالقبور.