يبني عبد الكريم بن صالح الحميد «إحسان سلوك العبد المملوك إلى ملك الملوك» على معرفتين يجعلهما أساس صلاح العبودية: معرفة العبد بنفسه، ومعرفته بربه؛ فمن عرف حقيقة نفسه وفقرها وعجزها وآفاتها، وعرف ربَّه وما له من حق العبودية، انكشف له معنى السلوك الصحيح. ويعرّف المؤلف السلوك بأنه العبودية والسير على الصراط المستقيم وتحقيق التوحيد والدين، ويجمع مادته من ميراث السلف عامة، ومن كلام ابن القيم وشيخه خاصة، مع ما يضيفه من استفادات وتعليقات تخدم هذا المقصد.
ويحدد منذ المقدمة الثمار التي يريد أن يبلغ إليها هذا العلم، فيعد منها معرفة النفس وعبوديتها لله تعالى، ومعرفة الله تعالى وخشيته، والتخلص من حظوظ النفس وشوائبها، واستشعار عظمة المعبود، وزيادة الإيمان، ومعرفة النعم وشكرها، وعدم الاغترار بالعمل، ومحاسبة النفس، وامتلاء القلب بالمحبة والشوق، وصحة القلب وثباته، ومعرفة التوكل، وفقه الأسماء والصفات من جهة أثرها في العبادة، وتحقيق الفقر والغنى على المعنى الذي يفصله لاحقًا. ويضيف إلى ذلك انشراح الصدر واستنارة القلب، والتخلص من رؤية العمل وطلب العِوَض عليه والرضا به والسكون إليه، حتى يؤدي العبد عمله كما شُرع من غير أن يجعله موضع إعجاب أو اتكال.
ويمهد لهذه المعاني بحديث طويل عن الروح والموت والقبر؛ لأن موضوع الكتاب متصل عنده بسعادة الروح وشقائها لا بالعناية بالبدن وحده. فينقل من كتاب «الروح» لابن القيم مباحث في تعارف الأرواح وتناكرها، وحقيقة الموت، وصورة الروح وصفاتها، وحياتها بعد مفارقة البدن، وتعلقاتها المختلفة به، وأحوالها في البرزخ، وما ينال الروح والبدن من نعيم أو عذاب.
ويستثمر هذه المباحث في تقرير أن أحكام البرزخ لا تقاس على أحكام الدنيا، وأن خفاء ما يقع للميت عن حواس الأحياء لا ينفي وقوعه. ويقرب ذلك بحال النائم الذي قد تنعم روحه أو تتألم ويظهر أثر ذلك على بدنه، مع أن من بجواره لا يشاهد ما يجري له. ومن هنا يناقش الاعتراضات التي تنكر عذاب القبر ونعيمه بدعوى عدم مشاهدتهما بالحس، ويفرق بين ما تحيله العقول وما لا تدركه بمجردها من أخبار الغيب التي جاءت بها الرسل.
ويتفرع عن ذلك حديث عن التسليم للنصوص وعدم رد أخبار الوحي إلى مجرد مقاييس العالم المشهود، ثم ينتقل من قضايا الروح والبرزخ إلى لبِّ العبودية نفسها: ما حقيقة عمل العبد لربه، وما معنى الثواب والأجر، وهل يشبه أجر الخالق أجر المخلوق للمخلوق؟
ويفصل في هذا الباب بين الأجرين تفصيلًا دقيقًا؛ فالإنسان عبد مملوك، وأعماله داخلة في مقتضى عبوديته وليست معاوضة يقدمها ليستحق بها على مالكه ثمنًا كما يقع بين الأجير والمستأجر. كما أن العبد هو المنتفع بطاعته في دنياه وآخرته، في حين أن الله تعالى غني عن طاعته لا تنفعه، وعن معصيته لا تضره. ثم إن توفيق العبد للعمل نفسه نعمة من الله تعالى، فلا يستطيع أن يجعل النعمة التي وُفِّق إليها ثمنًا يطالب به مقابلًا مستقلًا.
ويعمق هذا المعنى ببيان كثرة النعم وعجز العمل عن الوفاء بشكرها؛ فنعمة واحدة من نعم الإنسان تستدعي من الشكر ما يكشف له ضعف عمله عن مقابلة ما أُسدي إليه. ولذلك لا يجعل النجاة ثمرة معاوضة تجارية بين عمل وجزاء، بل يربطها برحمة الله تعالى وفضله، مع بقاء العمل الصالح سببًا مأمورًا به وغذاءً للقلب وقوةً له. فالمطلوب ليس تهوين العمل، وإنما إسقاط العُجب به والاعتماد عليه ورؤيته كأنه صادر من العبد استقلالًا.
ومن هذا الباب ينتقل إلى حق الله تعالى على العبد ومحاسبة النفس، فيجعل من أنفع أعمال القلب أن ينظر الإنسان أولًا فيما يجب عليه من العبودية، ثم يحاسب نفسه على مقدار قيامه به. ويقرر أن هذا النظر يورث الخضوع والانكسار، ويكشف عيوب النفس والعمل، ويمنع صاحب الطاعة من الاغترار بما أتى به. أما من ينشغل بما يظنه حقًا له ولا يتفقد حق ربه عليه، فإنه يفقد بابًا أساسيًا من أبواب المعرفة بنفسه.
ويفرد لمحاسبة النفس مساحة واسعة، فيربط صلاح القلب بها وفساده بإهمالها والاسترسال معها. ومن ثمراتها اكتشاف العيوب؛ إذ لا يمكن معالجة عيب لا يراه صاحبه. ويورد في هذا السياق أخبارًا عن السلف في شدة اتهامهم لأنفسهم واستقلالهم أعمالهم، ليقابل بين هذه الحال وبين الإعجاب بالنفس والاستكثار من الطاعة والمَنِّ بها.
ثم تأتي التوبة باعتبارها تحولًا في مسار النفس لا مجرد لفظ يُقال؛ فيتناول معناها وبعض أسرارها وما تحدثه من انكسار ورجوع. ويتصل بها معنى افتقار العبد إلى ربه، وهو عند المؤلف أوسع من حاجته إليه في الرزق والصحة وشؤون الدنيا؛ فالعبد فقير إلى الله تعالى من جهة ربوبيته وتدبيره، وفقير إليه من جهة ألوهيته لأنه لا صلاح لقلبه ولا فلاح ولا نعيم ولا سرور إلا بأن يكون تعلقه الأعلى به.
ويجعل هذا الفقر نتيجة معرفتين: معرفة العبد بربه، ومعرفته بنفسه. فإذا تحققتا لم ير الإنسان نفسه مالكًا استقلالًا لا لذاته ولا لأعماله، بل رأى نفسه وما معها ملكًا لمالكها الحقيقي، فانقطع افتخاره بما يملك أو يعمل. وهذا الفقر لا يناقض الغنى المالي، لأن المقصود افتقار القلب في عبوديته وتعلقه، لا خلو اليد من المال.
وفي مقابله يميز بين «الغنى السافل» و«الغنى العالي». فالأول غنى بالأموال والأهل وسائر متاع الدنيا، وهي عنده عوارٍ مستردة وظلال زائلة لا تسد الفاقة الأصلية في القلب. أما الغنى العالي فهو غنى القلب بالله تعالى وتعلقه به؛ إذ تبقى في القلب حاجة لا يسدها المال ولا الجاه ولا سائر أسباب الدنيا، وإنما تتحقق طمأنينته بأن يكون تعلقه الأعلى بمعبوده، فلا يجعل الوسائل الدنيوية غاية وجوده ومصدر سعادته الأخير.
ويتسع البحث بعد ذلك إلى أقسام القلوب وقِبْلَتها، وأقسام الناس في العبادة، ثم يجعل محبة الله تعالى من الأصول المركزية في السير. ويبحث المحبة التي يقارنها الإجلال والتعظيم والمهابة، وطريق تحصيلها، ويصلها بحقيقة التوحيد وسِرِّ «لا إله إلا الله»؛ فالتوحيد ليس عبارة مجردة عنده، وإنما انجذاب القلب إلى معبوده وإفراده بالقصد والمحبة والعبودية، مع التخلص مما ينازع هذا التعلق ويصرف القلب عنه.
ثم يعود إلى المعرفة الثانية التي بدأ بها الكتاب: معرفة النفس. فيقرر أن النفس من أعظم القواطع في طريق العبودية إن ملكت صاحبها، وأن الناس بين من ظفرت به نفسه فصار تابعًا لأوامرها، ومن ظفر بنفسه فقهر هواها وجعلها منقادة للحق. ويعرض أوصاف النفس الثلاثة: المطمئنة، والأمارة بالسوء، واللوامة، مبينًا أنها أحوال لنفس واحدة قد تتقلب بينها، وأن الحكم يكون للحال الغالبة عليها.
فالنفس المطمئنة تسكن إلى طاعة الله تعالى وذكره، وتنيب إليه وتأنس بالقرب منه وتطمئن إلى أمره ونهيه ووعده وقضائه. أما الأمارة بالسوء فتجذب إلى الهوى والشهوة وتفتح مداخل الشر، بينما تكون النفس اللوامة محمودة إذا لامت صاحبها على تفريطه في الطاعة، وقد تكون مذمومة إذا كان لومها متعلقًا بفوات حظ من الهوى والمعصية. ومن هنا يجعل التوفيق في ألا يُوكل الإنسان إلى نفسه، والخذلان في أن يُترك لها وهواها.
ويعقب ذلك ببحث مرض القلب وصحته؛ فكما أن لكل عضو كمالًا خُلق له، فإن كمال القلب في معرفة الله تعالى ومحبته والإنابة إليه والشوق إليه والأنس به. وإذا فقد القلب ذلك وقع في الاضطراب وإن اجتمعت له أسباب الدنيا. ثم يعرض علامات المرض، وأسباب علاجه، وعلامات الصحة، ويصل صلاح القلب بما يملؤه من التوحيد والافتقار والذكر والتوبة.
ومن أبلغ المقابلات التي يقيمها الكتاب المقابلة بين «كسرة التائب» و«صولة المُدِلّ»؛ فالمذنب الذي أورثه ذنبه انكسارًا وتوبةً وافتقارًا قد يكون أبعد عن آفة العُجب من صاحب طاعة جعلته طاعته متعاظمًا بنفسه مُدِلًّا بعمله. ولهذا ينتقل إلى الإخلاص وآفات الأعمال، فلا يكتفي بطلب العمل الصالح في ظاهره، بل يتتبع ما قد يفسده في الباطن من رؤية النفس والعمل وطلب الجزاء والاعتماد على الطاعة.
ويفصل في التخلص من 3 علائق للعمل: رؤية العمل، وطلب العِوَض عليه، والرضا به والسكون إليه. فكل خير يوفق إليه العبد مرده إلى فضل الله تعالى وتوفيقه، ومشاهدة هذا الفضل تمنع من نسبة العمل إلى النفس على وجه الاستقلال. ولا يعني ذلك ترك الطاعات أو التقليل من شأنها، وإنما أداءها باجتهاد مع دوام الشعور بالافتقار وعدم تحويلها إلى سبب للعجب أو مطالبة المعبود باستحقاق متوهم.
ثم يوازن بين الخوف والرجاء، ويتناول الكرامة والاستقامة، ويجعل الاستقامة هي الميزان الذي ينبغي أن ينصرف إليه الاهتمام بدل التعلق بما يخرج عن المعتاد. وبعد ذلك يفصل في التوكل، ويربطه بمعرفة افتقار العبد إلى تدبير ربه، مع التأكيد على أن التوكل لا ينافي الأخذ بالأسباب؛ فترك الأسباب ليس حقيقة التوكل، وإنما حقيقته قيام العبد بما أُمر به مع براءته من الاعتماد على حوله وقوته.
ويبحث في أواخر الكتاب أثر المعاصي والطاعات على العبد، ثم يقرر أن مدح الناس لا يزين الإنسان وذمهم لا يشينه إذا استقام ميزانه، لأن قيمة العبد لا تُبنى على تقلب ألسنة الخلق. ويعود مرة أخرى إلى النفس فيصفها بأنها جبل عظيم شاق في طريق العبودية، فلا يتم السير بمجرد العلم ما لم يصحبه جهاد عملي للنفس ومخالفة لما يعوقها عن الاستقامة.
ويجعل استحضار الآخرة من أعظم ما يعين على هذا السير، فيعرض «شواهد السائر إلى الله تعالى والدار الآخرة»، مستحضرًا الموت والبعث والحساب والجنة والنار حتى تقوم حقائق الآخرة في القلب مقام المشاهد المحرك للعمل. وينتقل من ذلك إلى «وطن القلب»، ثم يجعل اليقظة أول مفاتيح الخير؛ إذ تنتقل بها النفس من الشك إلى اليقين، ومن الجهل إلى العلم، ومن الغفلة إلى الذكر، ومن الرياء إلى الإخلاص، ومن العُجب إلى الإخبات، ومن الفتور إلى العمل.
وتكشف اليقظة للعبد سرعة انقضاء الدنيا، وقيمة ما بقي من عمره، وكثرة نعم الله تعالى عليه، وعجزه عن الوفاء بشكرها، كما تكشف له عيوب نفسه وآفات عمله. فيستكثر فضل الله تعالى عليه، ويستقل طاعته مهما كثرت، ويعرف شرف الوقت فيشح بأنفاسه أن تضيع فيما لا ينفعه، وتثمر هذه اليقظة توبةً ومحاسبةً ومراقبةً وانكسارًا واستدراكًا لما فات.
ويختم عبد الكريم الحميد كتابه بالتنبيه إلى أنه لا يصف نفسه بما نقله من منازل السلوك وأحوال أهله، وإنما يكتب ويتعلم ويرجو التوفيق والهداية، ويحيل من أراد التوسع إلى مؤلفات ابن القيم وشيخه ومؤلفات أئمة السلف. وهكذا يسير «إحسان سلوك العبد المملوك إلى ملك الملوك» من معرفة الروح ومصيرها، إلى فهم حقيقة العبودية والثواب، ثم محاسبة النفس والتوبة والفقر والمحبة، فمعرفة النفس وأمراض القلب والإخلاص والخوف والرجاء والتوكل، حتى ينتهي إلى اليقظة التي تجمع هذه المعاني في سلوك عملي قائم على معرفة العبد بربه ومعرفته بنفسه.