يقرر عبد الله بن محمد الغنيمان في هذا الكتاب أن الغاية التي خُلق الإنس والجن من أجلها هي عبادة الله تعالى وحده، وأن أول ما يجب على العبد وأعظمه الإيمان بالله تعالى وبرسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وإخلاص العبادة له تعالى، مستدلًا بالآيات التي تجعل عبادة الله تعالى واجتناب الطاغوت أصل دعوات الرسل عليهم السلام. ويبين أن الاهتداء إلى تفاصيل هذا الواجب يكون بالوحي الذي جاء به النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وأن العبادة تبدأ من القلب وتستلزم أعمال الجوارح، وأن صلاح القلب أساس صلاح العمل. ثم يناقش قول من جعل أول الواجبات النظر العقلي المؤدي إلى معرفة حدوث العالم وإثبات الخالق، ويرد على هذا المسلك بما يراه من دلالة الكتاب والسنة وطريقة دعوة النبي محمد صلى الله عليه وسلم؛ فيقرر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبدأ بدعوة الناس إلى الشهادتين وتوحيد الله تعالى، وأن الكافر إذا دخل في الإسلام بالشهادتين لم يُطالب قبل ذلك بسلوك طريق كلامي لإثبات وجود الله تعالى، كما يقرر أن من نشأ على الإيمان قبل بلوغه لا يؤمر عند البلوغ بأن يبدأ بالشك والنظر ليعيد تحصيل معرفة حاصلة له من قبل. ويفرق في هذا السياق بين الإقرار بوجود الله تعالى وربوبيته وبين توحيده في العبادة، فيرى أن أصل الإقرار بالخالق وربوبيته مركوز في الفطرة، وأن المشركين الذين بعثت إليهم الرسل عليهم السلام كانوا في الجملة يقرون بأن الله تعالى هو الخالق والرازق والمدبر، وإنما وقع النزاع بينهم وبين الرسل عليهم السلام في إفراد الله تعالى بالتأله والعبادة وترك ما يعبد من دونه. ويستدل على ذلك بإقرار المشركين بأن الله تعالى خلقهم ويرزقهم ويدبر الأمر، وبإخلاصهم الدعاء له عند الشدائد، ويعرض قصة فرعون مع موسى عليه السلام، ويرى أن إنكار فرعون كان عنادًا مع استيقان الحق، ثم يذكر الأدلة الفطرية والعقلية والكونية على وجود الله تعالى من احتياج الإنسان إلى ربه، وما في خلق الإنسان والكون من إحكام، ومعجزات الأنبياء عليهم السلام، ويجمع بين طريق السمع والعقل على أساس أن كلًا منهما يدل على الآخر ولا يتعارضان في الطريق الصحيح.
ويفصّل الغنيمان بعد ذلك أقسام التوحيد إلى توحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات، وتوحيد العبادة أو الإلهية، مع جعل توحيد العبادة هو موضع دعوة الرسل عليهم السلام والنزاع مع المشركين. فيشرح توحيد الربوبية بأنه الإقرار بأن الله تعالى مالك كل شيء وخالقه ومدبره ومصرف الكون، ويؤكد أن مجرد هذا الإقرار لا يكفي للدخول في الإسلام إذا صرف الإنسان شيئًا من العبادة لغير الله تعالى. ثم ينتقل إلى توحيد الأسماء والصفات، فيربطه بمعرفة الله تعالى على التفصيل عن طريق الوحي، ويقرر وجوب قبول ما وصف الله تعالى به نفسه وما أخبر به النبي محمد صلى الله عليه وسلم من غير تأويل يراه مصادمًا لظاهر النص، ويجعل معرفة الأسماء والصفات أساسًا لمعرفة الله تعالى وعبادته على بصيرة. ويتوسع في توحيد العبادة ببيان أن أساسها توجه القلب بالذل والخضوع والرغبة والرهبة، وأن من صورها الدعاء والخوف والرجاء والمحبة والاستعانة والاستغاثة والذبح والصلاة والركوع والسجود والطواف وغيرها، وأن صرف شيء منها لغير الله تعالى يناقض إخلاص العبادة له بحسب نوع العمل وحقيقته. ويقسم الشرك في موضع من الكتاب إلى أكبر وأصغر وخفي، ويذكر من صوره الرياء والحلف بغير الله تعالى والجمع في المشيئة بين الله تعالى والمخلوق، كما يناقش الدعاء والاستغاثة بالأموات، والتعلق بالأولياء والقبور، والتعبد عندها والسفر إليها بقصد العبادة، والتوسل الذي ينتقده المؤلف، ويعرض أقوالًا لبعض من خالفهم في تعريف العبادة والشرك ثم يرد عليها ويقارنها بما يراه حقيقة شرك المشركين الأولين. ويخص الشفاعة ببحث مستقل، فيقرر أنها ملك لله تعالى، وأنها لا تقع إلا بإذنه، ويرى أن اتخاذها ذريعة لدعاء غير الله تعالى هو من جنس ما احتج به المشركون حين جعلوا معبوداتهم شفعاء ووسائط تقربهم إلى الله تعالى. ويمتد الكتاب في نقد الممارسات التي يعدها المؤلف من الشرك في العبادة، مع إرجاع المسألة كلها إلى أصل واحد: أن دعوات الرسل عليهم السلام لم تكن مجرد إثبات وجود الخالق، وإنما كانت دعوة إلى إفراد الله تعالى بالقصد والتأله والدعاء والخوف والرجاء وسائر أنواع العبادة، واجتناب كل ما يصرف شيئًا منها إلى غيره.