
نبذة عن الكتاب:
يجيب ابن تيمية في «الواسطة بين الحق والخلق» عن سؤالٍ نشأ من مناظرة رجلين، قال أحدهما: لا بد لنا من واسطة بيننا وبين الله تعالى لأننا لا نقدر أن نصل إليه بغير ذلك، فيفصل ابن تيمية معنى «الواسطة» قبل الحكم عليها. فإن أُريد بها الواسطة التي تُبلِّغ عن الله تعالى أمره ونهيه وخبره، فهذا حق، والرسل عليهم السلام هم هذه الوسائط؛ إذ لا يعرف الناس ما يحبه الله تعالى ويرضاه، وما أمر به ونهى عنه، وما أخبر به عن أسمائه وصفاته واليوم الآخر والثواب والعقاب، إلا بواسطة رسله عليهم السلام، ولذلك تجب طاعتهم واتباعهم والاقتداء بهم. أما إذا أُريد بالواسطة شخصٌ يُدعى ويُتوكل عليه ويُسأل جلب المنافع ودفع المضار وغفران الذنوب وهداية القلوب وتفريج الكروب، كما تُتخذ الحاشية والوسطاء بين الملوك ورعاياهم، فيرفض ابن تيمية هذا التصور ويعده من جنس شرك مَن اتخذوا من دون الله تعالى أولياء وشفعاء. ويشرح الفارق بأن الملوك قد يحتاجون إلى الوسيط ليخبرهم بما يجهلون، أو يعينهم فيما يعجزون عنه، أو يحرك إرادتهم إلى قضاء حاجة الرعية؛ أما الله تعالى فيعلم أحوال عباده، وهو الغني عن كل معين وظهير، ومشيئته لا يحركها أحد من خارج، ولذلك لا يصح قياس الشفاعة عنده على الشفاعة بين المخلوقين.
ويحرر ابن تيمية تبعًا لذلك معنى الشفاعة والأسباب؛ فالشفاعة لا تقع استقلالًا، وإنما يشفع مَن أذن الله تعالى له ولمن رضي عنه، وهي من جملة الدعاء الذي خلق الله تعالى سببه ومسببه. ويبيّن أن العلماء ومشايخ الدين يصح أن يكونوا وسائط بين الرسول صلى الله عليه وسلم وأمته في تبليغ العلم وتعليمه والتأديب به، لكن الواحد منهم غير معصوم، فما تنازعوا فيه رُدَّ إلى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم. كما يقرر مشروعية أن يدعو المؤمن لأخيه، وأن يُطلب الدعاء على الوجه المشروع، مستشهدًا باستسقاء المسلمين بالنبي صلى الله عليه وسلم في حياته ثم استسقاء عمر رضي الله عنه والمسلمين بالعباس رضي الله عنه، مع بقاء الدعاء والرجاء والتوكل متوجهًا إلى الله تعالى. ويضع في باب الأسباب ثلاثة ضوابط: أن السبب لا يستقل بإحداث المطلوب، وأنه لا يجوز إثبات السببية لشيء بلا علم، وأن الأسباب التعبدية لا تكون أسبابًا مشروعة إلا إذا دل عليها الشرع؛ فالعبادات مبناها على التوقيف، ولا يجوز اتخاذ الشرك أو البدع وسائل إلى مطلوب ولو ظن فاعلها أنها تُحصِّله. ومن هنا يجمع الكتاب بين إثبات الأسباب والوسائط التي شرعها الله تعالى، ونفي الاستقلال عنها، فيقرر أن «الالتفات إلى الأسباب» على وجه الاعتماد عليها يخل بالتوحيد، كما أن إنكار كون الأسباب أسبابًا يخل بالعقل والشرع، وأن العبد يجمع بين فعل السبب المشروع وتوجيه دعائه وسؤاله ورغبته إلى الله تعالى وحده.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














