
نبذة عن الكتاب:
يرد وكيع بن الجراح الزهد منذ الصفحات الأولى من كتاب «الزهد» إلى قصر الأمل، وينفي أن تكون حقيقته في خشونة الطعام أو الثياب؛ فينقل أن من علامات إرادة الخير بالعبد أن يزهده الله تعالى في الدنيا، ويفقهه في الدين، ويبصره بعيوب نفسه، ثم يورد عن سفيان قوله: «الزهد في الدنيا قصر الأمل، ليس بأكل الغليظ، ولا لبس العباية». وعلى هذا المعنى تتتابع الأبواب الأولى في اغتنام العمر قبل انقضائه، واستثمار الصحة والفراغ والشباب والغنى، ومحاسبة الإنسان على عمره وعمله وماله وجسده، ثم تكرار الوصية بأن يعيش في الدنيا كالغريب أو عابر السبيل، وألا يضمن إذا أصبح أن يدرك المساء، وأن يستعد للموت قبل نزوله. ويربط الكتاب انشراح القلب بنور الإيمان بالتجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود، ثم يعرض قلة الضحك والبكاء من خشية الله تعالى، وذكر الموت وأحواله، ويقيس ضآلة الدنيا أمام الآخرة بزاد الراكب وبالماء الذي يعلق بالإصبع إذا غمس في البحر. ويتحول هذا الإدراك إلى مجاهدة عملية للنفس، فيأتي باب رد النفس وقلة الأكل بما فيه من التحذير من الشبع والاسترسال وراء شهوة الطعام، ثم أخبار معيشة النبي صلى الله عليه وسلم وآله وما كان فيها من بساطة الطعام والفراش والمتاع، مع بيان فضل المؤمن وما يكون في المرض والمصيبة والصبر من تكفير للسيئات وأجر عند الله تعالى. وتأتي بعد ذلك موضوعات الفقر والغنى والمال والحرص والتواضع والصبر، ثم «الاجتهاد والورع» الذي يصف الورع بأنه ملاك الدين، ويصل العبادة بالتفكر والفقه، قبل أن يوازن الاجتهاد بباب «الاقتصاد في العمل»؛ فالدائم القليل أحب من الاندفاع الذي ينقطع، والرفق مطلوب في العبادة كما هو مطلوب في سائر شؤون الإنسان. ويبلغ تهذيب النفس منزلة أكثر دقة في باب محاسبتها والإنصاف منها، حيث لا تتحقق التقوى حتى يحاسب المرء نفسه محاسبة الشريك ويعرف من أين مطعمه ومشربه وملبسه، فلا يبقى الزهد إحساسًا عابرًا بفناء الدنيا، بل يتحول إلى مراقبة مستمرة لما يدخل على الإنسان وما يصدر عنه.
ويمتد كتاب «الزهد» من مجاهدة الشهوة إلى إصلاح السريرة؛ فيعرض فضل العمل الخفي والخلوة التي تصون البصر واللسان من مخالطة السوء، ويحذر من تأجيل التوبة والعمل، ومن تعلق النفس بقول «سوف»، ثم يجعل موافقة الفعل للقول علامة الصدق، لأن حسن الكلام لا يغني إذا ناقضه السلوك. وفي باب التوبة وحفظ اللسان يقترن الرجوع إلى الله تعالى بإمساك الكلام؛ فالتائب من الذنب كمن لا ذنب له، وكثرة الخوض في الباطل تزيد الأوزار، واللسان أحق الجوارح بالحبس، ولذلك تتكرر الوصية بقول الخير أو السكوت. ثم يعالج الرياء والسمعة وإظهار العمل للناس، وينتقل إلى النية التي يتحدد بها قدر العمل، وإلى ترك الشيء لله تعالى، والتخلص من الكبر، وجمع الهم في الآخرة بدل تشتيته في شواغل الدنيا؛ فمن كانت الآخرة همه كان غناه في قلبه، ومن استولى عليه هم الدنيا لم ينل منها إلا ما قدر له مع تفرق قلبه وشغله. وتتسع الأبواب اللاحقة لتشمل الأخلاق التي تحفظ هذا الزهد من أن ينقلب إلى عزلة أنانية؛ فيرد السخاء والحياء والصدق وصلة الرحم والحلم وحسن الخلق وترك البغي والغيبة والحسد والنميمة، وحفظ البصر، والخدمة والتواضع والرحمة، حتى يصبح تعامل الإنسان مع الناس جزءًا من تزكية نفسه لا موضوعًا منفصلًا عنها. ويبرز باب الرفق في هذا السياق؛ فالرفق يزين العمل والمعاملة، ويمتد إلى تدبير المعيشة وحفظ النعمة من التضييع والإفساد، كما تمتد الرحمة إلى الصغير والضعيف والحيوان. وفي آخر الكتاب ترد رسائل أهل الخير بعضهم إلى بعض، وفيها أن من عمل لآخرته كفاه الله تعالى دنياه، ومن أصلح ما بينه وبين الله تعالى أصلح الله ما بينه وبين الناس، ومن أصلح سريرته أصلح الله علانيته، ثم يعود ذكر الأجل والعمل الذي يبقى مع صاحبه بعد مفارقة المال والورثة. وتنتهي الروايات بذكر الصوم عونًا على طلب الحديث، فيستقر معنى الزهد الذي انتظمت حوله أبواب الكتاب: قصر الأمل، وكبح الشهوة، وإصلاح الباطن، والورع في العمل، والاستعداد للآخرة، مع بقاء العلم والعبادة وحسن الخلق والرحمة بالناس ميدانًا لهذا الزهد وآثاره.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:













