مكتبة الكتب الإسلامية

أسرع موقع لقراءة وتحميل الكتب الإسلامية بشتى أقسامها PDF بروابط مجانية ومباشرة وسريعة

كتاب مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح لعبيد الله المباركفوري الرحماني PDF
كتاب مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح لعبيد الله المباركفوري الرحماني PDF

نبذة عن الكتاب:

يَشرح أبو الحسن عبيد الله بن محمد عبد السلام الرحماني المباركفوري في كتاب «مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح» أحاديث «مشكاة المصابيح» للخطيب التبريزي شرحًا حديثيًّا وفقهيًّا واسعًا، يَتجاوز تفسير الألفاظ والمعاني المباشرة إلى تخريج الروايات، ومقارنة طرق الحديث وألفاظه، والنظر في أحوال رواته، ومناقشة درجات الأسانيد، وبيان غريب الحديث وتراكيبه، واستخراج الأحكام الفقهية والعقدية والتربوية منه، وعرض اختلاف العلماء في فهمه والاستدلال به. وقد ذكر المباركفوري في أول شرحه أن بعض إخوانه سأله أن يُعلِّق شرحًا على «مشكاة المصابيح»، فأجابه رجاء الانتفاع به، وبدأ عمله مستعينًا بالله تعالى، ثم مضى في شرح الكتاب حديثًا بعد حديث بحسب ما يقتضيه كل موضع من بسط أو اختصار.

ويُمهِّد المباركفوري لفهم «المشكاة» بالكلام على أصلها وطريقة ترتيبها، فيَشرح صلة كتاب الخطيب التبريزي بـ«مصابيح السنة» للإمام البغوي، ويُوضِّح أن الخطيب تابع ترتيب البغوي في الكتب والأبواب، لكنه عزا الأحاديث إلى رواتها ومخرجيها، وزاد فصلًا ثالثًا يضم ملحقات تناسب معنى الباب. ويَشرح تقسيم الأبواب غالبًا إلى 3 فصول: الأول لما أخرجه البخاري ومسلم أو أحدهما، والثاني لما أورده غيرهما من أئمة الحديث، والثالث لما أُلحق بالباب من روايات وآثار مناسبة، وقد يشتمل هذا الفصل على أقوال الصحابة رضي الله عنهم والتابعين وأفعالهم، فلا يقتصر على الأحاديث المرفوعة.

ويَتوقف عند تصرفات صاحب «المشكاة» في أصل البغوي؛ فيُبيِّن سبب إسقاط بعض الأحاديث المكررة، وسبب إبقاء بعض الروايات مختصرة أو إتمامها ببقيتها، ويفسر اختلاف مواضع الرواية بين «المصابيح» و«المشكاة». كما يَبحث نسبة الأحاديث إلى الصحيحين وغيرهما، ويشرح اعتماد الخطيب على كتب الأصول وعلى «الجمع بين الصحيحين» للحميدي و«جامع الأصول» لابن الأثير، ويَناقش ما يقع من اختلاف في نسبة الحديث أو لفظه إلى مصدر بعينه.

ويَجعل المباركفوري التحقيق الحديثي أحد أعمدة شرحه؛ فيَتتبَّع طرق الأحاديث واختلاف ألفاظها في كتب الأصول، ويَنقل ما وقف عليه من وجوه الاختلاف، ويَبحث ما أشار إليه البغوي من غرابة أو ضعف أو نكارة أو علة، ويُبيِّن وجه ذلك في كثير من المواضع. وإذا وجد رواية لم يقف عليها في المصادر التي راجعها صرَّح بذلك، وإذا وجد خلاف ما في «المشكاة» أو «المصابيح» أثبته، مع احتياط واضح في نسبة الخطأ؛ فهو يَنسب عدم العثور إلى قصوره في التتبع إذا لم يَقم عنده دليل قاطع، ويدعو من وقف على ما فاته إلى إرشاده إليه.
وتَظهر هذه العناية كذلك في التعريف برجال الحديث ومصنفاته؛ إذ يَترجم لكثير من الصحابة والرواة والأئمة، ويَذكر أسماءهم وأنسابهم وبلدانهم وشيوخهم وتلاميذهم وما قيل في عدالتهم وضبطهم عند الحاجة، ويستعين بأقوال أئمة الجرح والتعديل في الحكم على الروايات. كما أفاض في مقدمة الكتاب في تراجم كبار أصحاب دواوين السنة التي تكثر الإحالة إليها، وتكلم على مصنفاتهم وشروطها ومكانتها، ومنهم البخاري ومسلم ومالك وأحمد والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه والدارمي والدارقطني والبيهقي وغيرهم.

ولا يكتفي بعزو الحديث إلى مصدره، بل يُقابل الروايات عند اختلافها، ومن ذلك مناقشته لما وقع في بعض نسخ حديث الكسوف من نسبة الرواية إلى «جابر بن سمرة» بدل «عبد الرحمن بن سمرة»؛ فراجع صحيح مسلم و«الجمع بين الصحيحين» و«جامع الأصول» و«شرح السنة»، ورأى أن ما في بعض نسخ «المصابيح» يحتمل أن يكون من خطأ الناسخ. وعلى هذا النحو يصبح «مرعاة المفاتيح» في مواضع كثيرة عملًا في نقد النص الحديثي إلى جانب شرحه.

ويبدأ الشرح بكتاب الإيمان، فيَبحث معنى الإيمان شرعًا وعلاقته بالإسلام، وهل الأعمال داخلة في حقيقته، وهل يزيد وينقص، ويَعرض أقوال الحنفية والمرجئة والكرامية والخوارج والمعتزلة وأصحاب الحديث، ثم يناقش أدلة الأقوال ويَنصر ما يراه موافقًا للنصوص. ويتفرع هذا الكتاب إلى أبواب الكبائر وعلامات النفاق، والوسوسة، والإيمان بالقدر، وإثبات عذاب القبر، والاعتصام بالكتاب والسنة، فتختلط فيه مباحث شرح الحديث بمباحث الاعتقاد والرد على الأقوال التي يَعدُّها مخالفة لما تدل عليه النصوص.
ثم يَنتقل إلى كتاب العلم، ويُعرِّفه بأنه في فضل العلم وتعلمه وتعليمه، وما يكون منه فرضًا أو نفلًا، وما يتعلق بحمله ونشره، ويُبيِّن سبب تقديمه على الكتب العملية لأن العمل مبني على العلم، مع تقديم الإيمان عليه لأنه الأصل وأول الواجبات. وتدور أحاديثه حول تبليغ السنة، وطلب العلم، والتعليم، والحفظ، والرواية، ومسؤولية العلماء، وما يَتصل بآداب العلم ونقله.

ويُفصِّل بعد ذلك في كتاب الطهارة، فيَشرح معنى الطهارة لغةً وشرعًا وصلتها بالصلاة، ثم يتناول أبواب ما يوجب الوضوء، وآداب الخلاء، والسواك، وسنن الوضوء، والغسل، وما يباح للجنب، وأحكام المياه، وتطهير النجاسات، والمسح على الخفين، والتيمم، والأغسال المسنونة، والحيض والاستحاضة. ويَستثمر أحاديث هذه الأبواب في عرض الخلاف الفقهي، وفي فحص الأسانيد التي تتوقف عليها بعض المسائل، وفي الجمع بين الروايات المختلفة.

ويَكشف شرحه لحديث «الطهور شطر الإيمان» عن طبيعة عمله؛ إذ يَجمع الأقوال في تفسير الشطر، ويُفسِّر الحمد والصلاة والصدقة والصبر والقرآن المذكورة في الحديث، ويَشرح الدلالة اللغوية والشرعية لكل لفظ، ثم يَذكر مواضع تخريج الحديث وما وقع في إسناده من كلام، ويتعرض لزيادة في بعض الروايات ويبحث موضعها في دواوين السنة. فالحديث الواحد عنده قد يجمع اللغة والفقه والعقيدة والتخريج والعلل في موضع واحد.

ويَشغل كتاب الصلاة مساحة كبيرة من الشرح، فيتناول المواقيت وتعجيل الصلاة وفضائلها، والأذان وفضله وإجابة المؤذن، والمساجد ومواضع الصلاة، والستر والسترة، ثم صفة الصلاة والقراءة والركوع والسجود والتشهد والصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم والدعاء في التشهد والذكر بعد الصلاة، وما يجوز فعله فيها وما لا يجوز، والسهو وسجود التلاوة وأوقات النهي. ثم ينتقل إلى الجماعة وتسوية الصفوف والموقف والإمامة وواجبات الإمام ومتابعة المأموم وحكم المسبوق، وإعادة الصلاة والسنن والرواتب وقيام الليل والقصد في العبادة والوِتر والقنوت وقيام رمضان والضحى والتطوع.

ويُتابع أبواب الصلاة بصلاة السفر والجمعة ووجوبها والتنظيف والتبكير إليها والخطبة، ثم صلاة الخوف والعيدين، والأضحية والعتيرة، وصلاة الكسوف وسجود الشكر والاستسقاء والرياح. ويَتجلى منهجه النقدي خاصة عند اختلاف الروايات في صفة عبادة معينة؛ ففي صلاة الكسوف ناقش روايات عدد الركوعات، ورد دعوى اضطراب الحديث لمجرد اختلاف وجوه الرواية، وقرر أن الاضطراب لا يثبت إلا إذا استوت وجوه الاختلاف وتعذر الجمع أو الترجيح، أما إذا أمكن ترجيح رواية أصح وأشهر وأقوى فلا يُعَل الصحيح بالوجه المرجوح.
ومن خلال هذه المناقشات يَعرض المباركفوري قواعده في التعامل مع مختلف الحديث؛ فإذا تعارض حديثان مقبولان حاول الجمع بينهما أولًا من غير تعسف، فإن تعذر الجمع بحث عن التاريخ لمعرفة المتقدم والمتأخر والناسخ والمنسوخ، فإن لم يُعرَف التاريخ انتقل إلى الترجيح بحسب الإسناد أو المتن أو المدلول أو القرائن الخارجية، فإن تعذر ذلك كله توقف حتى يظهر وجه معتبر. ويُنبِّه إلى أن معارضة الحديث الضعيف للحديث القوي ليست من التعارض الذي يُحتاج معه إلى هذه المراحل، لأن الضعيف لا يؤثر في ثبوت القوي.

ثم يَشرح كتاب الجنائز، فيتناول عيادة المريض وثواب المرض، وتمني الموت وذكره، وما يقال عند حضور الموت، وغسل الميت وتكفينه، والمشي بالجنازة والصلاة عليها، ودفن الميت، والبكاء عليه، وزيارة القبور. وفي هذه الأبواب يَجمع بين الروايات التي قد يبدو بينها تعارض، كما فعل عند حديث تعذيب الميت ببكاء الحي عليه، حيث عرض وجوه العلماء في الجمع بين الحديث وقوله تعالى: {ولا تزر وازرة وزر أخرى}، ثم رجَّح حمله على من كان له تسبب في النياحة أو أقرها أو لم ينه عنها مع علمه بها، دون من لم يكن له في ذلك تسبب.
ويُفصِّل في كتاب الزكاة معناها وحكمتها وأصل فرضيتها، ويَناقش زمن فرضها وما قيل في كون أصلها شرع بمكة ثم بُيِّنت مقاديرها وتفاصيلها في المدينة. ثم يَبحث الأموال التي تجب فيها الزكاة، وصدقة الفطر، ومن تحل له الصدقة ومن لا تحل له، ومن تجوز له المسألة، والإنفاق وكراهية الإمساك، وفضل الصدقة وأفضلها، وصدقة المرأة من مال الزوج، والرجوع في الصدقة. ويَعرض من خلال الأحاديث مسائل تولي الإمام أخذ الزكاة، ومكان صرفها، ونقلها، وشروط الوجوب والاستحقاق، واختلاف الفقهاء في هذه الفروع.
ويَعرض كتاب الصوم ابتداءً من تعريف الصيام في اللغة والشرع وحكم فرض رمضان، ثم يَشرح أبواب رؤية الهلال، وتنزيه الصوم عما يُفسده أو ينافي كماله، وصوم المسافر، والقضاء، وصيام التطوع، وليلة القدر والاعتكاف. ويتوسع في شرح اختلاف الروايات والألفاظ، وفي الآثار الفقهية للرخص والعزائم، كما يبحث المعاني الواردة في الأحاديث المتعلقة بفتح أبواب الجنة وغلق أبواب النار وتصفيد الشياطين في رمضان، ويَنقل وجوه العلماء في حمل ذلك على الحقيقة أو على ما تدل عليه هذه الألفاظ من كثرة الرحمة والطاعة وقلة أسباب المعصية.
ويُخصِّص كتابًا لفضائل القرآن الكريم، فيتناول فضل القرآن عامة وفضائل بعض سوره وآياته، ويَناقش مسألة تفاضل سور القرآن وآياته في ضوء النصوص الواردة في فضل الفاتحة وآية الكرسي وسورة الإخلاص وغيرها، ويَنقل خلاف العلماء في ذلك. كما يَشرح أحاديث تعلم القرآن وتعليمه وقراءته، ويَربط الخيرية الواردة في قوله صلى الله عليه وسلم «خيركم من تعلم القرآن وعلمه» بالعلم والعمل والإخلاص والنفع المتعدي، فلا يَفصل تعلُّم القرآن وتعليمه عن العمل بمقتضاه.

ثم يَنتقل إلى كتاب الدعوات، فيُعرِّف الدعاء ويَذكر وجوه استعماله، ويَبحث منزلته من العبادة والعلاقة بين الدعاء والقدر، ويناقش القول بأن السكوت والرضا أفضل من السؤال، ويَرجِّح مشروعية الدعاء لما فيه من امتثال الأمر وإظهار فقر العبد إلى الله تعالى. ويُوضِّح أن الدعاء نفسه من الأسباب المقدرة؛ فكون الأمور تجري بقضاء الله عز وجل لا يُبطل الدعاء، كما لا يُبطل استعمال سائر الأسباب التي جعلها الله تعالى طريقًا إلى مسبباتها.

وتشمل أبواب الدعوات ذكر الله عز وجل والتقرب إليه، وأسماء الله تعالى، وثواب التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير، والاستغفار والتوبة، وما يقال صباحًا ومساءً وعند النوم، والدعوات في الأوقات المختلفة، والاستعاذة، وجوامع الدعاء. ويُفصِّل في آداب الدعاء، فيَشرح النهي عن تعليق المغفرة والرحمة بالمشيئة في مقام السؤال، والأمر بالعزم في المسألة وتعظيم الرغبة، والنهي عن الاستعجال والقنوط إذا تأخرت الإجابة، ويُبيِّن أن إجابة الدعاء لا تنحصر دائمًا في حصول عين المطلوب في الحال؛ فقد تتحقق بإعطائه أو بصرف سوء أو بادخار الثواب.
ويَصل الشرح في الموجود من الكتاب إلى كتاب المناسك، فيُقدِّم له بتفسير معنى النسك والحج وبيان فرضيته، ثم يناقش الخلاف في وجوب الحج على الفور أو التراخي، وتاريخ فرضه والأدلة المتعلقة بذلك. وبعد المقدمة يَشرح أبواب الإحرام والتلبية، وقصة حجة الوداع، ودخول مكة والطواف، والوقوف بعرفة، والدفع منها إلى المزدلفة، ورمي الجمار، والهدي والحلق، وخطبة يوم النحر ورمي أيام التشريق والتوديع، ومحظورات الإحرام والصيد، والإحصار وفوات الحج، ثم ما ورد في حرمة مكة وحرمة المدينة وفضائلهما.
ويَجعل الخلاف الفقهي في هذه الأبواب مجالًا لموازنة الأدلة لا لسرد المذاهب فقط؛ فيَنقل أقوال الفقهاء، ثم يَبحث صحة الأحاديث التي استدلوا بها ودلالتها واحتمالات ألفاظها، وقد يُرجِّح قولًا أو يَردُّ استدلالًا أو يجمع بين النصوص التي ظُن تعارضها. ولذلك قد يطول البحث في مسألة جزئية إذا كانت الأحاديث فيها كثيرة أو مختلفة، كما في صفة صلاة الكسوف، وفورية الحج، وبعض مسائل الزكاة والجنائز والصلاة، بينما يَمر على مسائل أخرى بقدر ما تحتاج إليه من بيان.

ويُولي الألفاظ عناية موازية لعنايته بالأسانيد؛ فيَضبط الأسماء والكنى والأنساب والبلدان، ويُفسِّر غريب الحديث، ويَشرح الاشتقاق، ويُوجِّه الإعراب والضمائر والتراكيب حين يترتب عليها اختلاف في المعنى، ويَستعين بكلام شراح «المشكاة» وشراح كتب السنة وكتب اللغة. ومن أكثر من يظهر أثرهم في شرحه الطيبي وعلي القاري وعبد الحق الدهلوي، إلى جانب نقوله عن النووي وابن حجر والعيني وغيرهم، لكنه لا يَكتفي بالنقل عنهم، بل يَعترض ويُناقش ويَختار ما يراه أقرب إلى الحديث وقواعد المحدثين.

ويَظهر هذا التداخل بين العلوم منذ شرحه لحديث «إنما الأعمال بالنيات»؛ إذ يبحث معنى النية لغةً وشرعًا، والفرق بين نية تمييز العبادات ونية الإخلاص، وسبب تصدير الكتاب بهذا الحديث، وما يترتب عليه في مسائل الطهارة والعبادات، ثم يتناول طرق الحديث وتخريجه وموقعه في كتب السنة. فليس ترتيب «المرعاة» قائمًا على فصل التخريج عن الفقه أو اللغة عن العقيدة، وإنما تدخل هذه المباحث بعضها في بعض بحسب ما يثيره متن الحديث وسنده.

ويَشتد نقده حين تكون الرواية ضعيفة أو مضطربة؛ فيَذكر كلام الأئمة في رجال أسانيدها، ويُميِّز ما يصلح للاحتجاج مما لا ينهض إليه، وما يصلح للاستشهاد مما لا يتقوى بتعدد طرقه. ومن ذلك مناقشته في أواخر الجزء التاسع لبعض الأحاديث المتعلقة بزيارة قبر النبي محمد صلى الله عليه وسلم، حيث فَصَّل في طرقها، وبيَّن ما في بعض رواتها من ضعف أو جهالة واضطراب، وفَرَّق بين ثبوت أصل الزيارة وبين صلاح رواية معينة للاحتجاج على حكم زائد يُستنبط منها.

ويَسير المباركفوري في «مرعاة المفاتيح» على هذا النسق من أول «المشكاة»: يقرأ الحديث أولًا داخل بابه، ثم يَفتح منه ما تدعو إليه الحاجة من ترجمة الراوي، وتحقيق اللفظ، وتخريج الطريق، وبيان الحكم على السند، واستقصاء الشواهد والمتابعات، وشرح اللغة، ونقل أقوال الشراح، وعرض المذاهب، ومناقشة الاستدلال، حتى إن مقدار شرحه لا يتحدد بطول متن الحديث نفسه، وإنما بمقدار ما يتشعب عنه من مسائل. ولذلك تتفاوت الأحاديث في مساحة الشرح تفاوتًا كبيرًا، ويَتحول الكتاب في المواضع المشكلة إلى مناقشات مطولة في علل الحديث ومختلفه والنسخ والترجيح وأصول الاستدلال.

غير أن هذا المشروع لم يبلغ نهاية «مشكاة المصابيح»؛ فقد انتهى ما أنجزه عبيد الله المباركفوري قبل إكمال الشرح كله. وتكشف نهاية الجزء التاسع نفسها أن التوقف لم يكن خاتمةً وضعها المؤلف لعمل فرغ منه؛ إذ يختم الجزء بعبارة تفيد أن الجزء العاشر سيليه وأن أوله «كتاب البيوع»، بما يدل على أن السير في شرح بقية «المشكاة» كان لا يزال مقصودًا. ثم لم يُتم المباركفوري ذلك المشروع قبل وفاته سنة 1414هـ، فبقي «مرعاة المفاتيح» شرحًا غير مكتمل، ينتهي الموجود منه عند أبواب حرم المدينة بعد أن قطع المؤلف فيه مسافة واسعة من الإيمان والعلم والعبادات والذكر والمناسك، بينما بقيت «البيوع» وما بعدها مما كان ينوي الانتقال إليه خارج ما أتيح له إنجازه.



إحصائيات الكتاب
قُرئ0مرةحُمِّل0مرة
يقرأه 0 الآنانضم معهم
يحمّله 0 الآنانضم معهم

عبيد الله المباركفوري الرحماني
عبيد الله بن محمد عبد السلام بن خان محمد بن أمان الله بن حسام الدين المباركفوري الرحماني، أبو الحسن: من كبار علماء الحديث والفقه في شبه القارة الهندية، وعُرف بلقب «شيخ الحديث» و«المحدث الكبير». و«المباركفوري» نسبة إلى مباركفور، و«الرحماني» نسبة إلى دار الحديث الرحمانية بدهلي التي تخرج فيها ودَرَّسَ بها. وُلد في شهر المحرم سنة 1327هـ في قرية صوفي فورة من مباركفور، التابعة لمديرية أعظم كره في الولاية الشمالية «أتر برديش» بالهند، ونشأ في أسرة اشتهرت بالعلم والدين والتمسك بالكتاب والسنة. وكان والده محمد عبد السلام، الذي كان اسمه أولًا سلامة الله ثم عُرف بعبد السلام، عالمًا ومحدثًا وأديبًا ومصنفًا، تولى التدريس في عدد من المدارس، وكان له أثر كبير في تربية ابنه وتعليمه. بدأ عبيد الله تعليمه في قريته، فقرأ الكتب الابتدائية في مدرسة دار التعليم على الشيخ أصغر والشيخ الشاه محمد، ثم انتقل مع والده في مراحل طلبه للعلم، ودَرَسَ الكتب الأردية والفارسية التي كانت رائجة في المدارس الأهلية، ثم أخذ على والده جملة كبيرة من كتب النحو والصرف والأدب والفقه والمنطق والهندسة والحديث، منها «الكافية» لابن الحاجب وشرحها للملا جامي، و«شرح الوقاية»، و«مشكاة المصابيح»، و«السراجية» في الفرائض، و«شرح التهذيب»، و«شرح الشمسية» المعروف بالقطبي، و«ديوان المتنبي»، و«أقليدس». ثم انتقل مع والده إلى دار الحديث الرحمانية بدهلي، فاستكمل فيها دراسته على عدد من العلماء المتخصصين في فنون مختلفة. فدَرَسَ «صحيح البخاري» و«صحيح مسلم» و«الموطأ» على أحمد الله البرتابكرهي الدهلوي، وأجازه برواية كتب الحديث. ودَرَسَ العلوم العقلية والآلية من المنطق والفلسفة والهيئة والكلام، والفقه وأصوله، ومن الكتب التي قرأها «شرح هداية الحكمة»، و«الشمس البازغة»، و«شرح السلم»، و«شرح العقائد النسفية»، و«شرح المواقف»، و«التصريح»، و«شرح الجغميني»، و«شرح المطالع»، و«مسلم الثبوت»، و«التلويح مع التوضيح»، والجزأين الأخيرين من «الهداية»، و«تفسير البيضاوي». كما دَرَسَ «نور الأنوار»، و«تفسير الجلالين»، و«جامع الترمذي»، و«المقامات الحريرية»، و«ديوان الحماسة» على عبد الرحمن النكرنهسوي، ودَرَسَ «الهدية السعيدية» و«سنن أبي داود» على أبي طاهر البهاري، وقرأ «مقدمة ابن خلدون» وشيئًا من «الشمس البازغة» على عبد الغفور الجيراجبوري، و«الفوز الكبير في أصول التفسير» على محمد إسحاق الآروي، وقرأ صدرًا من «شرح المطالع» على عبد الوهاب الآروي، وشيئًا من «تفسير البيضاوي» على محمد الكونجراوالي البنجابي. وحصل على شهادة العالمية من دار الحديث الرحمانية، وذُكرت سنة 1345هـ لتخرجه منها. وكان متفوقًا في دراسته، ينجح في اختباراته بالدرجة الممتازة. كما اغتنم الإجازات المدرسية للقراءة على المحدث عبد الرحمن المباركفوري صاحب «تحفة الأحوذي»، فقرأ عليه أوائل «جامع الترمذي»، وقدرًا من «شرح النخبة»، و«مقدمة ابن الصلاح»، و«السراجية» في الفرائض، وأجازه عبد الرحمن المباركفوري شفهيًا برواية كتب الحديث. ومن أبرز شيوخه، إلى جانب والده محمد عبد السلام وعبد الرحمن المباركفوري، أحمد الله البرتابكرهي الدهلوي، وأبو طاهر البهاري، وعبد الغفور الجيراجبوري، ومحمد أعظم الجوندلوي، وعبد الرحمن النكرنهسوي، وغلام يحيى الكانبوري، ومحمد إسحاق الآروي، وعبد الوهاب الآروي، ومحمد الكونجراوالي البنجابي وغيرهم. وبسبب تفوقه وكفاءته العلمية عُيّن مُدَرِّسًا في دار الحديث الرحمانية في السنة التي تخرج فيها. ثم لما فقد عبد الرحمن المباركفوري بصره قبل إكمال «تحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي» احتاج إلى من يعاونه في إتمامه، فاختار عبيد الله المباركفوري لهذه المهمة، وأرسله إليه عطاء الرحمن صاحب دار الحديث الرحمانية، فأقام عنده نحو سنتين يعينه في استكمال الجزأين الأخيرين من «تحفة الأحوذي»، بالاشتراك مع عبد الصمد المباركفوري ومحمد اللاهوري البنجابي، ولازمه واستفاد من علمه وأدبه، وقرأ عليه أطرافًا من كتب الحديث وغيرها. ثم استدعاه عطاء الرحمن مرة أخرى إلى دار الحديث الرحمانية، وعهد إليه بتدريس كتب الحديث، فدَرَّسَ «صحيح البخاري» و«صحيح مسلم» و«جامع الترمذي» و«سنن أبي داود» و«موطأ مالك» وغيرها، وتولى إلى جانب التدريس خدمة الإفتاء. واستمر في عمله حتى أُغلقت دار الحديث الرحمانية عند انقسام الهند إلى الهند وباكستان سنة 1366هـ الموافق 1947م، بعد هجرة المشرف عليها عبد الوهاب بن عطاء الرحمن إلى كراتشي. عاد بعد ذلك إلى مباركفور، ولم ينتظم في التدريس في مدرسة أخرى، وإنما تفرغ للدعوة والإفتاء والتأليف، وكانت له دروس في التفسير بعد صلاة الفجر في مسجد عبد الرحمن المباركفوري، ودروس في الحديث يوم الجمعة بعد صلاة العصر، واستمر في التدريس والدعوة نحو 20 سنة، وانتفع بعلمه عدد كبير من الطلاب والعلماء. وكان مرجعًا في المسائل الشرعية والفتاوى، واشتهرت فتاواه بالاستدلال بالكتاب والسنة، ونُشر كثير منها في مجلتي «محدث» و«مصباح» وغيرهما. وتولى الإفتاء في دار الحديث الرحمانية مع وجود عدد من كبار علمائها، كما كانت دار الإفتاء في الرياض تحيل إليه أحيانًا بعض الاستفسارات. وشغل كذلك عددًا من المواقع العلمية والدعوية؛ فكان مشرفًا عامًا ومستشارًا لجمعية أهل الحديث المركزية بالهند، ونائبًا لرئيس هيئة الأحوال الشخصية لمسلمي الهند، ورئيسًا للجامعة السلفية ببنارس منذ إنشائها حتى وفاته، وعضوًا في هيئة التعليم الديني بولاية أتر برديش، إلى جانب مشاركته في عدد من المؤسسات العلمية والدينية. ومن أشهر تلاميذه عبد الجليل الرحماني البستوي، ومحمد إدريس آزاد الرحماني الأملوي، وعبد المعيد أبو عبيدة البنارسي، وآفتاب أحمد الرحماني البنغلاديشي، وعبد الغفار حسن العمرفوري الرحماني، وأحمد الله بن عبد الكريم الرحماني البنغلاديشي، وغيرهم ممن انتفعوا بتدريسه ومجالسه العلمية. كان على طريقة أهل الحديث في الفقه، فلم ينتسب إلى مذهب فقهي معين، وإنما كان ينظر في الأدلة ويرجح ما ظهر له قوته، وقد ظهر ذلك جليًا في كتابه «مرعاة المفاتيح»، فوافق في بعض المسائل جمهور الفقهاء، وفي بعضها بعض الأئمة دون بعض، وفي أخرى ابن حزم ومن وافقه، بحسب ما انتهى إليه اجتهاده في الدليل. وكان في الاعتقاد على مذهب السلف وأهل الحديث؛ فقرر أن الإيمان اعتقاد بالقلب وقول باللسان وعمل بالجوارح، يزيد وينقص، وأن صاحب الكبيرة لا يخرج من الإيمان بمجرد كبيرته. وأثبت أسماء الله عز وجل وصفاته من غير تكييف ولا تمثيل ولا تعطيل، وقرر في باب التوسل جواز التوسل بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم في حياته، وكذلك بدعاء أهل الخير والصلاح في حياتهم، ومنع دعاء الأموات والغائبين والتوسل بهم بعد موتهم على الصورة التي عدها من المحدثات. عُرف بسعة الاطلاع وقوة الحفظ والتبحر في الحديث والفقه والاستنباط، مع التواضع وحسن الخلق. ووصفه عبد العزيز بن باز بالمحدث، وأثنى عليه محمد ناصر الدين الألباني، فقال عنه: «ما رأيت رجلا عليه سمة العلماء، وخُلُق العلماء بحق مثل هذا الرجل». ووصفه مقتدى حسن الأزهري بأنه قدوة في العلم والتحقيق والزهد والورع والإخلاص، وعده صفي الرحمن المباركفوري محدثًا عظيمًا متفردًا في عصره. كما عرفه ربيع بن هادي المدخلي عن قرب، وأثنى على تواضعه وكرم أخلاقه وسعة اطلاعه وقوة حفظه، وأجازه عبيد الله إجازة عامة في مروياته. كان أشهر آثاره «مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح»، وهو شرح عربي مطول جمع فيه بين الحديث وعلومه والفقه وأصوله والعقيدة واللغة وغيرها من الفنون. بدأ تأليفه سنة 1367هـ تقريبًا، واستمر مشتغلًا به سنوات طويلة، لكنه توفي قبل إتمامه، فتوقف عند كتاب البيوع ولم يشرع في شرحه. ومن آثاره أيضًا «فضائل رمضان المبارك وأحكامه» باللغة الأردية، و«بيان الشرعة في بيان محل أذان خطبة الجمعة»، وبحث «عقد التأمين: رؤية شرعية»، وله فتاوى كثيرة جُمعت بعد ذلك في «فتاوى شيخ الحديث المباركفوري». كما جُمعت طائفة من رسائله وأجوبته العلمية في مجموعات من المكاتيب، منها رسائله إلى محمد أمين الرحماني ورسائله إلى عبد السلام الرحماني. زار الحرمين الشريفين عدة مرات؛ فكانت زيارته الأولى سنة 1366هـ الموافق 1947م ضمن وفد في شأن دار الحديث الأهلية بالمدينة المنورة، والتقى في رحلته عددًا من العلماء، منهم محمد بن عبد اللطيف، ومحمد بن إبراهيم آل الشيخ، وعمر بن حسن، وعبد الله بن حسن آل الشيخ، وعبد الله بن زاحم. ثم حج عن نفسه سنة 1375هـ الموافق 1956م، وحج بعد ذلك سنتي 1382هـ و1391هـ نيابة. توفي عبيد الله المباركفوري في مباركفور صباح الأربعاء 22 رجب سنة 1414هـ الموافق 5 يناير 1994م، بعد مرض ألم به، وقد بلغ نحو 87 سنة. وصلى عليه ابنه عبد الرحمن بعد صلاة المغرب في اليوم نفسه، وحضر جنازته جمع غفير قُدّر بنحو 25 ألف شخص، ودُفن ليلًا.
عرض النبذة وكتب المؤلف