
نبذة عن الكتاب:
يسرد بهاء الدِّين ابن شدَّاد في كتاب «النوادر السُّلطانيَّة والمحاسن اليوسفيَّة» سيرة السُّلطان صلاح الدِّين يوسف بن أيُّوب، فيجمع بين وصف شخصيَّته وخصاله وما شاهده من أحواله، وبين تتبُّع مسيرته السِّياسيَّة والعسكريَّة ووقائعه وفتوحه. ويستند في جانبٍ كبيرٍ من أخبار صلاح الدِّين إلى المشاهدة المباشرة خلال صحبته وخدمته له، ويضمُّ إليها ما تلقَّاه من الثِّقات في الوقائع التي لم يشهدها، فتتداخل في الكتاب السِّيرة الشَّخصيَّة بأخبار الدَّولة والحروب التي خاضها السُّلطان منذ صعوده إلى أن تُوفِّي.
يبدأ ابن شدَّاد بمولد صلاح الدِّين في تكريت سنة 532هـ، وانتقال أسرته إلى الموصل ثمَّ الشَّام، ونشأته في كنف أبيه نجم الدِّين أيُّوب، واتِّصاله بنور الدِّين محمود بن زنكي، ثمَّ يفرد جانبًا من السِّيرة لخصائصه وشمائله. فيصف مواظبته على الصَّلاة في الجماعة، وقضاء ما فاته من الصِّيام، وعزمه على الحجِّ، وعنايته بسماع القرآن والحديث، وإكرامه العلماء وأهل الرِّواية، ويورد مشاهد عاين فيها خشوعه ورقَّة قلبه واعتماده على الله تعالى، ومنها ما وقع عند تهديد الفرنج للقدس حين اشتدَّ خوف المسلمين من حصارها.
ويفصِّل ابن شدَّاد عدل صلاح الدِّين وطريقته في النَّظر في المظالم، فيذكر جلوسه للنَّاس في مجلسٍ عامٍّ، ووصول الخصوم وأصحاب الحاجات إليه، وعدم محاباته أقاربه وأمراء دولته في الخصومات. ويسوق قضيَّة التَّاجر عمر الخلاطي الذي ادَّعى حقًّا في مالٍ كان السُّلطان قد استولى عليه، وكيف رضي صلاح الدِّين أن يقف معه في مجلس الحكم خصمًا، وأقام بيِّنته على دعواه، ثمَّ أحسن إلى الرَّجل بعد انقضاء الخصومة. ويقرن بذلك أخبار كرمه وكثرة عطائه، حتَّى مات ولم يترك من المال إلَّا قدرًا يسيرًا، وما كان يبذله للوفود وأصحابه والمجاهدين من الأموال والخيل.
ويرسم ابن شدَّاد صورة صلاح الدِّين في ميادين الحرب من خلال شجاعته وثباته ومباشرته أحوال العسكر بنفسه، وطوافه بين الصُّفوف، وترتيبه المقاتلين، وقربه من مواقع الاشتباك، وثباته عند اضطراب الجيش. ويصل ذلك بشدَّة اهتمامه بالجهاد واستغراقه فيه، وما لازمه من مفارقة أهله وأولاده والإقامة في المعسكرات وتحمُّل المرض وخشونة العيش. كما يورد مشاهد من صبره في أثناء حصار عكَّا وصفد وغيرها، وكتمانه أحزانه الشَّخصيَّة في أوقات المواجهة حتَّى لا تؤثِّر في العسكر.
ويتناول حلم صلاح الدِّين وعفوه ومروءته وحسن عشرته، فيورد أخبار تجاوزه عن خشونة بعض أصحابه، واحتماله ما يقع منهم، وإكرامه الوافدين وأهل العلم، ورقَّته للأسرى والضُّعفاء. ويذكر قصَّة المرأة الإفرنجيَّة التي سُرقت ابنتها، فأمر بالبحث عنها وردِّها إلى أمِّها، كما يبيِّن طريقته في الوفاء بالعهد وإكرام من يدخل عليه، ويصف مجلسه بطهارة اللِّسان وترك الشَّتم والغيبة، وعنايته بالأيتام والشُّيوخ وأصحاب الحاجات.
ثمَّ ينتقل ابن شدَّاد إلى تقلُّبات أحوال صلاح الدِّين ووقائعه، فيتتبَّع خروجه إلى مصر مع عمِّه أسد الدِّين شيركوه، وما جرى في الرَّحلات المتعاقبة إليها من الصِّراع مع شاور والفرنج، حتَّى دخلها أسد الدِّين في المرَّة الثَّالثة وتولَّى الوزارة. ويتابع انتقال الأمر إلى صلاح الدِّين بعد وفاة عمِّه سنة 564هـ، واستقرار سلطانه في مصر، وتقويته مذهب أهل السُّنَّة، ومواجهته الحملات الإفرنجيَّة على البلاد، ومنها حصار دمياط، ثمَّ انتهاء الدَّولة الفاطميَّة بوفاة العاضد واستقرار الملك لصلاح الدِّين.
ويتتبَّع بعد ذلك امتداد سلطان صلاح الدِّين وعلاقته بنور الدِّين محمود، وما أعقب وفاة نور الدِّين من تحرُّكات سياسيَّة وعسكريَّة، ودخول صلاح الدِّين في صراعات انتهت باتِّساع نفوذه في الشَّام إلى جانب مصر. ويسجِّل حملاته على بلاد الفرنج وحصونهم، ومحاولاته تأمين الطُّرق بين أقاليم دولته، وما تعاقب من حصار القلاع والمدن وعقد الهدن وترتيب الولايات، بحيث ترتبط أخبار الفتوح في الكتاب بتكوين الدَّولة التي اتَّخذها صلاح الدِّين قاعدةً لمواجهة الممالك الصَّليبيَّة.
ويبرز ابن شدَّاد وقعة حطِّين بوصفها المنعطف الذي أعقبته فتوح واسعة؛ فيذكر اجتماع ملوك الفرنج وعساكرهم بعد استيلاء صلاح الدِّين على طبريَّة، والتقاء الجيشين، وانتهاء القتال بهزيمة الفرنج وأسر ملكهم وأرناط صاحب الكرك وعددٍ من كبار قادتهم. ويتابع ما أعقب النَّصر من فتح عكَّا والنَّاصرة وقيساريَّة وحيفا ونابلس ويافا وتبنين وصيدا وبيروت وعسقلان وغيرها، ثمَّ توجُّه صلاح الدِّين إلى بيت المقدس وحصاره حتَّى طلب المدافعون الأمان.
ويفصِّل فتح بيت المقدس وما تقرَّر لأهله من الأمان والفداء، ودخول المسلمين المدينة في 27 رجب سنة 583هـ، وإزالة ما أحدثه الفرنج في المسجد الأقصى، وإنزال الصَّليب عن قبَّة الصَّخرة، وإحضار المنبر الذي كان نور الدِّين محمود قد أعدَّه للقدس ووضعه في المسجد الأقصى. ثمَّ يتابع محاولة صلاح الدِّين فتح صور، وما انتهى إليه حصارها، وحملاته اللَّاحقة في السَّاحل والشَّمال، وفتحه عددًا من الحصون والمدن، وتسلُّمه الكرك والشَّوبك وصفد، مع بيان ما ترتَّب على تجمُّع الفرنج في صور من قوَّةٍ جديدة ظهرت آثارها في الوقائع التَّالية.
ويعرض حصار الفرنج لعكَّا وما استدعاه من قتالٍ طويل استنزف الطَّرفين، ويصف ملازمة صلاح الدِّين لميدان القتال، واستنفاره العساكر، ومتابعته أخبار المدينة والعدوِّ، وما أصابه خلال تلك السَّنوات من المرض والمشقَّة. ويتابع وصول الإمدادات الإفرنجيَّة وتغيُّر ميزان القوَّة، ثمَّ سقوط عكَّا وما أعقبه من استمرار المواجهة مع ملك الإنكتار وأمراء الفرنج، إلى أن انتهت الحرب إلى المفاوضات والهدنة التي استقرَّ بها الصُّلح وتقاسمت بعض المواضع بين المسلمين والفرنج، مع بقاء بيت المقدس في يد المسلمين.
ويتابع ابن شدَّاد صلاح الدِّين بعد استقرار الهدنة وعودته إلى القدس وتفقُّده أحوالها وتقوية أسوارها والعناية بمصالحها، ثمَّ انتقاله في البلاد حتَّى عاد إلى دمشق بعد غيبةٍ طويلة. ويصف أيَّامه الأخيرة فيها ومرضه في صفر سنة 589هـ، وتزايد الحمَّى عليه حتَّى غاب ذهنه، ثمَّ وفاته بعد صلاة الصُّبح يوم الأربعاء 27 صفر، بعد سيرة امتزج فيها بناء السُّلطان وتوحيد جانبٍ كبيرٍ من مصر والشَّام بمواجهة الفرنج وفتح بيت المقدس، وبالصِّفات الدِّينيَّة والأخلاقيَّة والشَّخصيَّة التي حرص ابن شدَّاد على تسجيلها ممَّا عاينه بنفسه أو ثبت لديه خبره.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:




