مكتبة الكتب الإسلامية

أسرع موقع لقراءة وتحميل الكتب الإسلامية بشتى أقسامها PDF بروابط مجانية ومباشرة وسريعة

كتاب الفتح القسي في الفتح القدسي (حروب صلاح الدين وفتح بيت المقدس) لعماد الدين الكاتب الأصفهاني PDF
كتاب الفتح القسي في الفتح القدسي (حروب صلاح الدين وفتح بيت المقدس) لعماد الدين الكاتب الأصفهاني PDF

نبذة عن الكتاب:

يَسْرُد عماد الدين الكاتب الأصفهاني في كتاب «الفتح القسي في الفتح القدسي» وقائع جهاد السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب وحروبه مع الفرنج، ويجعل استرداد بيت المقدس المحور الذي تنتظم حوله أخبار الفتوح والمعارك والحصارات والمراسلات منذ سنة 583هـ، ثم يمتد بما تلا ذلك من تجدد الحرب ووصول الإمدادات الفرنجية الكبرى وحصار عكا والصراع الطويل الذي انتهى بالصلح، حتى يبلغ وفاة صلاح الدين وما أعقبها من انتقال ممالكه إلى أولاده وذويه. ولا يكتب المؤلف من موقع المؤرخ البعيد عن الحوادث، بل يُصرِّح بأنه شهد ما وصفه وعاينه، وأنه بدأ تاريخه بسنة الفتح لكونها عنده بداية مرحلة جديدة تستحق أن يُؤرَّخ بها، كما يكشف عن حضوره إلى جانب السلطان في كثير من تنقلاته ومجالسه ومشاهده، وعن قيامه بإنشاء كتب البشائر والمكاتبات السلطانية؛ فاجتمع في الكتاب الخبر التاريخي وشهادة المعاين وصناعة الكاتب الأديب. وقد سمى كتابه أولًا «الفتح القدسي»، ثم أشار القاضي الفاضل بتسميته «الفتح القسي في الفتح القدسي»، فاستقر عليه هذا الاسم.
ويفتتح عماد الدين مقدمته بتعظيم شأن التاريخ وضرورته في حفظ أعمال الدول والملوك وأخبار الأمم من الضياع، ويستعرض ما اتخذته الأمم من بدايات لتواريخها قبل أن ينتهي إلى الهجرة النبوية، ثم يجعل فتح القدس على يد صلاح الدين بمنزلة «هجرة ثانية» عاد بها الإسلام إلى البيت المقدس بعد وقوعه في أيدي الفرنج. ويقارن بين فتح الشام الأول في صدر الإسلام وبين استعادته في عصره؛ فالأول وقع والعهد بالنبي صلى الله عليه وسلم قريب والصحابة رضي الله عنهم قائمون بأعباء الفتح، أما الثاني فجاء بعد امتداد الزمن وتفرق القوى الإسلامية واشتداد شوكة الفرنج وتحسن عدتهم وحصونهم وآلات حربهم، ولذلك يصوغ استرداد القدس بوصفه فتحًا عظيمًا أعاد إلى المسلمين بلدًا طال استيلاء الفرنج عليه.

ويبدأ سرد الوقائع بدخول سنة 583هـ واستنفار صلاح الدين الجند من الأقاليم المختلفة، فيعرض لتجمع عساكر مصر والشام والجزيرة وديار بكر، ولحركات السلطان حول الكرك والشوبك، وإغارته على ضياعهما وإتلاف موارد الفرنج فيهما، بينما كان ابنه الملك الأفضل يجمع العساكر الوافدة. ثم يسجل غارة إسلامية على أعمال طبرية خرج إليها مظفر الدين وقايماز النجمي ودلدرم الياروقي، وانتهت بقتال الفرنج وقتل مقدم الإسبتارية وأسر جماعة منهم، فجاءت هذه الوقعة في الكتاب مقدمة لما سيليها من الاجتماع الأكبر للجيش والاستعداد للمواجهة الفاصلة.

ويصور بعد ذلك تنظيم صلاح الدين للعسكر قبل دخوله بلاد الفرنج، فيذكر ترتيب الميمنة والميسرة وتعيين مواضع الأمراء والكمائن والرماة، ووصايا السلطان للجنود، وما بذله من الأموال والخيول والسلاح والنشاب لتقوية الجيش. وفي المقابل يتتبع خلافات مملكة الفرنج، ولا سيما النزاع بين ملكهم والقومص، ثم اتفاقهما عندما رأيا اقتراب الخطر، ويعرض الأسباب التي أدت إلى انتقال الملك بينهم وتبدل التحالفات وصلات القومص بصلاح الدين، فيربط بذلك بين أحوال الداخل الفرنجي وبين التطورات العسكرية التي انتهت إلى المواجهة الكبرى.

ويبلغ السرد ذروته الأولى عند طبرية وحطين؛ إذ يتحرك صلاح الدين إلى طبرية، ويترك قسمًا من الجيش في مواجهة تجمع الفرنج، ثم يهاجم المدينة ويهدم جزءًا من سورها ويدخلها، بينما تبقى قلعتها في يد صاحبتها. ويؤدي سقوط المدينة إلى دفع الفرنج إلى الخروج من صفورية لنجدتها، وهو ما كان السلطان يريده؛ فيعترض طريقهم، ويحول بينهم وبين الماء في شدة الحر، ويبيت الجيشان متقابلين قبل أن تبدأ المعركة في اليوم التالي.

ويصف معركة حطين وصف شاهد قريب من ميدانها؛ فيتابع ضغط الرماة والسهام على الفرنج ومحاولاتهم الخروج من الحصار وعجزهم عن بلوغ الماء، ثم لجوءهم إلى جبل حطين وإحاطة الجيش الإسلامي بهم حتى تفكك جمعهم. وينجو القومص في نفر قليل، بينما يقع ملك الفرنج وأخوه وكبار قادتهم في الأسر، ومنهم أرناط صاحب الكرك ومقدم الداوية، ويستولي المسلمون على الصليب الأعظم الذي كان الفرنج يحملونه في وقائعهم ويعدونه من أعظم مقدساتهم. ويورد المؤلف بالتفصيل مجلس الأسرى، وسقي صلاح الدين الملك الماء، ثم قتله أرناط وفاء بما كان قد نذره بسبب غدره ونقضه العهود، ويجعل ما جرى في حطين نقطة الانهيار الكبرى التي فتحت الطريق أمام استرداد مدن الساحل والقدس.
ويتتبع ما أعقب حطين من تساقط المواقع الفرنجية، فيبدأ بتسليم قلعة طبرية بالأمان، ثم ينتقل إلى عكا التي خرج أهلها يطلبون الأمان، فأمَّنهم صلاح الدين وخيَّرهم بين المقام والانتقال، وأمهل من أراد الرحيل حتى يغادر بنفسه وماله. وبعد عكا تتتابع أخبار المدن والحصون الساحلية التي استولى عليها المسلمون، ويجعل المؤلف هذه الفتوح ثمرة مباشرة لانكسار القوة الرئيسة للفرنج في حطين، حتى صار السلطان ينتقل من موضع إلى آخر مستثمرًا تشتت خصومه وعجزهم عن تكوين جيش يقاومه كما كانوا قبل المعركة.

ويُفصِّل في امتداد الفتح إلى الساحل والحصون، ويدخل في ذلك صيدا وبيروت وجبيل وغيرها من المواضع التي انتزعت من الفرنج، كما يروي فتح عسقلان وما سبقه من مساومات ومقاومة، ثم يجعلها قاعدة للانتقال إلى الغاية التي كان ينتظرها، وهي القدس. ويُلخِّص المؤلف نفسه سلسلة الفتوح بعد حطين بقوله إنهم تسلموا طبرية، ثم فتحوا عكا بالأمان، ثم استقروا البلاد الساحلية من جهة جبيل إلى الداروم، مع بقاء صور ممتنعة عليهم، قبل أن ينزلوا على بيت المقدس.

ويمنح فتح القدس مساحة مركزية تليق بعنوان الكتاب، فيصف نزول صلاح الدين عليها ونصب المجانيق وضرب الأسوار وحفر النقوب، حتى أدرك المدافعون أن استمرار القتال قد ينتهي باقتحام المدينة. وتتحول المواجهة عند ذلك إلى التفاوض؛ فيسجل طلب الأمان وما جرى في تقرير شروط خروج أهلها وفدائهم، ويعرض عناية السلطان بألا تتحول عملية التسليم إلى قتل عام، ثم خروج جماعات الفرنج وبقاء من قَبِل شروط الذمة وأداء الجزية. ويقدم الفتح بوصفه إعادة للقدس إلى الإسلام بعد نحو تسعين سنة من سيطرة الفرنج، ويربط مكانة المدينة بالمسجد الأقصى والصخرة وما يتصل بهما من تاريخ الأنبياء عليهم السلام.

ويتابع ما صنعه صلاح الدين بعد دخول المدينة، فيذكر إزالة ما أحدثه الفرنج في المسجد الأقصى وإظهار المحراب وهدم الأبنية التي أقامها الداوية في ساحته وتنظيف مواضع الصلاة، وإعادة المسجد إلى وظيفته، وإقامة الجمعة فيه. ويتناول أيضًا وضع كنيسة القيامة، وما دار من نقاش حول هدمها أو إبقائها، وينقل ترجيح من رأى إبقاءها، مستدلين بما كان عند فتح أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه للقدس من إقرار النصارى على موضعهم وعدم هدمه. ويسجل كذلك ما كتبه بنفسه إلى الديوان العباسي مبشرًا باسترداد القدس ومصورًا هذا الفتح بوصفه أبرز ثمار تلك الحملة.
ولا يقف الكتاب عند فتح القدس، لأن صور بقيت حصنًا رئيسًا تجمع فيه من نجا من الفرنج، فانتقل صلاح الدين إليها بعد أن رأى أمراؤه ضرورة استكمال فتح الساحل. ويبين المؤلف أن التأخير في قصد صور أتاح للمركيس تقوية تحصيناتها وحفر خندق يمتد من البحر إلى البحر وتجميع المقاتلين فيها، ولذلك تحول حصارها إلى عمل شاق طال مع دخول الشتاء وإعياء العسكر. وينتهي الأمر برفع الحصار بعد أن رأى السلطان وأمراؤه أن مواصلته في ذلك الوقت تستنزف الجيش، مع إبقاء القوى المجاورة لمضايقة المدينة والاستعداد لمعاودة القتال.
ثم تتسع الرواية من أخبار الفتح المتتابع إلى حرب استنزاف طويلة بعد وصول أنباء سقوط القدس إلى بلاد الفرنج وراء البحر وتوافد حملاتهم الجديدة. ويعرض الكتاب وصول الجموع والسفن والملوك والقادة تباعًا، واستقرارهم حول عكا ومحاصرتهم الحامية الإسلامية فيها، بينما يحيط صلاح الدين من البر بمعسكرهم، فينشأ حصار مزدوج: الفرنج يحاصرون عكا، وجيش السلطان يحاصر تجمعهم ويقاتلهم من الخارج. ويصرح المؤلف بأن صلاح الدين كان قد رأى منذ البداية مهاجمتهم أثناء مسيرهم قبل أن يستقروا حول المدينة، لكن بعض الأمراء أشار بانتظارهم، ثم ظهر لهم بعد ذلك أن رأي السلطان كان أصوب لأن اقتلاعهم بعد أن تحصنوا صار أشد صعوبة.

ويتابع تفاصيل حصار عكا زمنًا طويلًا: الغارات المتبادلة، ووصول النجدات الإسلامية والفرنجية، والتحصينات والخنادق، والاشتباكات حول الأسوار والمعسكرات، والمحاولات المتكررة لإمداد الحامية بالطعام والرجال والسلاح بحرًا. ويصف الأزمات التي أصابت المدينة حين نقصت الأقوات، وما اتخذ من حيل لإدخال الميرة إليها، ومنها تجهيز سفينة كبيرة بالقمح والطعام واللحوم والسلاح والنفط لتصل إلى المحاصرين. وفي الجانب الآخر يورد أخبار السفن الفرنجية وما يقع عليها من أسر وغنائم، فيتحول البحر في هذا القسم إلى جبهة موازية لجبهة البر.

ويجعل وصول ملوك الغرب تصعيدًا جديدًا في الحرب، فيذكر وصول فيليب ملك فرنسا إلى عكا وما حمله من الجند والمال، ثم أخبار ملك الإنكتير وتحركاته ومراسلاته، ويستوعب الكتاب كثيرًا من الوقائع الصغيرة والكبيرة التي جرت مع هذه الجموع: منازلات ومبارزات وغارات وكمائن وتبادل للأسرى ومفاوضات ورسائل بين الطرفين. ولا يفصل المؤلف هذه الأخبار عن دوره الشخصي؛ فكثيرًا ما يورد النصوص التي كتبها أو شارك في صياغتها، وينقل أحاديث المجالس السلطانية وما دار فيها من مشورة، وبذلك تتداخل المذكرات السياسية والدبلوماسية مع سرد المعارك.

ويتتبع سقوط عكا بعد طول الحصار وما ترتب عليه من تبدل موازين الحرب، ثم انتقال القتال جنوبًا في اتجاه يافا والرملة وعسقلان والقدس. ويروي تحركات ملك الإنكتير وقواته، ومناوشات صلاح الدين اليومية لهم، والغارات على طرقهم وقوافلهم، ثم الإجراءات الدفاعية التي اتخذها المسلمون عندما صار احتمال توجه الفرنج إلى القدس قائمًا. وفي بعض المراحل يُخرِّب صلاح الدين تحصينات عسقلان حتى لا تصبح قاعدة حصينة للعدو إذا استولى عليها، ثم يركز على حفظ القدس وتقويتها، لأن المدينة التي كانت غاية الفتح أصبحت بعد وصول الحملة الجديدة غاية الدفاع.

ويصف محاولة الفرنج الاقتراب من القدس ثم تراجعهم في ظروف الشتاء والأمطار والوحل، مع استمرار سرايا المسلمين في مهاجمتهم وأسر رجالهم وأخذ أموالهم. وبعد زوال الخطر المباشر ينصرف صلاح الدين إلى تحصين المدينة بنفسه، فيشارك في نقل الحجارة، ويجتمع معه أولاده والأمراء والقضاة والعلماء والصوفية وسائر الناس في أعمال البناء، ويجدد السور ويحفر الخندق ويقوي المواضع الضعيفة. ويظهر هذا القسم أن الحفاظ على القدس بعد فتحها لم يكن عند المؤلف أقل شأنًا من استعادتها، ولذلك يكثر من أخبار العمارة والتحصين ونقل الأقوات والرجال إليها.
ولا يحصر عماد الدين اهتمامه في المعارك، بل يرصد إدارة صلاح الدين للبلاد التي عادت إلى سلطانه؛ فيذكر تعيين الولاة، وكشف المظالم، وإبطال بعض الرسوم، وإصلاح أحوال المدن، وإمداد المناطق بالغلال لتعود الزراعة والعمران. وفي القدس خاصة يسجل وقف دار البطرك رباطًا للصوفية، وإنشاء مدرسة للفقهاء الشافعية، وتحويل مبنى قرب دار الإسبتار إلى بيمارستان للمرضى وتوفير الأدوية له، وترتيب الأوقاف والنظر فيها، فيرسم بذلك جانبًا من إعادة بناء الحياة الدينية والعلمية والاجتماعية بعد الفتح.

وتشغل المفاوضات مع الفرنج مساحة كبيرة في المراحل الأخيرة من الحرب، بعد أن أنهكت السنوات المتواصلة الطرفين وتفرقت الإمدادات وتغيرت الظروف. وينقل الكتاب اختلاف الآراء في قبول الصلح، ثم قبول صلاح الدين رأي الأمراء القائلين بأن المصلحة فيه أرجح في ذلك الوقت، لأنه يؤدي إلى تفريق الجموع الفرنجية الضخمة التي تجمعت خلال سنوات، ويمنح المسلمين فرصة لإراحة العساكر وتقوية الثغور وتحصين القدس. وبعد انعقاد الهدنة يعود السلطان إلى القدس ويتم سورها وخندقها، ويأذن للفرنج بزيارة كنيسة القيامة في ظل الأمان، بينما يغادر ملك الإنكتير البلاد بحرًا وتتفرق جموع من جاء معه.

ويعرض المؤلف بعد الصلح عزم صلاح الدين على الحج وتجهيزه لذلك، ثم عدوله عنه بعد أن أشار أصحابه بحاجة الثغور والقدس إلى حضوره وترتيب شؤونها، فيولي عز الدين جرديك القدس، ويولي علم الدين قيصر الخليل وعسقلان وغزة والداروم وما حولها، ويوجه بإمداد هذه الأعمال بالغلال من البلقاء ومصر. ثم يتتبع رحلته من القدس عبر نابلس وبيسان وطبرية وصفد وتبنين وغيرها، ويسجل تفقده للحصون وإصلاح ما يحتاج منها إلى العمارة، قبل أن يدخل بيروت ثم يعود إلى دمشق بعد غيبة يذكر المؤلف أنها دامت أربع سنوات قضاها في الجهاد.
ويواصل في أواخر الكتاب تسجيل أحوال صلاح الدين في دمشق بعد انتهاء هذه المرحلة من الحرب: مجالسه في دار العدل، وقضاء حوائج الناس، واستقباله العلماء والوفود، وما كان يتهيأ له من استئناف الحركة العسكرية عند حلول الربيع. ثم تدخل سنة 589هـ والسلطان ما يزال بدمشق، فيخرج للصيد فترة قصيرة، ويعود فيلتقي الحجاج ويسأل عن مكة وأحوالها وقد ظهر عليه الأسف لفوات الحج الذي كان تمناه. وبعد أيام يمرض، فيسجل عماد الدين بداية مرضه وما أثاره غيابه عن مجلسه المعتاد من القلق، ثم يروي وفاته بدمشق ودفنه في القلعة، ويعبِّر مطولًا عن أثر موته في نفسه وفيمن كان متعلقًا بجوده وسلطانه.

ويختم صورة صلاح الدين بذكر ما خلَّفه عند وفاته؛ فيورد أنه ترك 17 ولدًا ذكرًا وابنة، وأن ما وجد في خزانته كان قليلًا جدًا بسبب كثرة إنفاقه، ثم يُعرِّف بمن تولى ممالكه من بعده: الملك الأفضل في دمشق، والعزيز عثمان في مصر، والظاهر غازي في حلب، وما كان للملك العادل أخي صلاح الدين من البلاد والدور السياسي. ولا ينتهي السرد بمجرد الوفاة، بل يتابع ما طرأ على البيت الأيوبي من توزيع الولايات، وتحركات القوى المجاورة واستغلال بعضها موت السلطان، ومواجهة الملك العادل لهذه التحركات، بما يجعل النهاية انتقالًا من عصر صلاح الدين نفسه إلى المرحلة التي بدأت بعده.
ويتميَّز «الفتح القسي في الفتح القدسي» بأن مادته ليست سجلًا عسكريًا مجردًا؛ فعماد الدين كاتب أديب قبل أن يكون راويًا للوقائع، ولذلك يصوغ الحروب والفتوح بلغة تقوم على السجع والجناس والازدواج وكثرة الصور والاستعارات والاستشهاد بالقرآن والشعر، ويمزج الخبر بالرسالة والخطبة والوصف والمدح. وهو نفسه يصرح في المقدمة بأنه أراد كتابًا يجد فيه طالب الخبر أخبار الوقائع، ويجد فيه الأديب غرائب الألفاظ وصنعة البيان؛ ومن ثم تتجاور فيه التفاصيل الدقيقة في حركة العساكر والحصون والمفاوضات مع المقاطع الأدبية الطويلة التي تصور الغبار والسلاح والخيل والدماء والمدن والنصر والهزيمة.

ويكشف الكتاب في مجموعه مسارًا تاريخيًا متصلًا يبدأ بحشد القوات في سنة 583هـ، ثم حطين وانهيار القوة العسكرية الرئيسة لمملكة الفرنج، ففتح طبرية وعكا ومدن الساحل وعسقلان، ثم استرداد بيت المقدس وإعادة تنظيمه، وبعدها تعذر فتح صور ووصول الحملات الفرنجية الجديدة وحصار عكا الطويل، ثم سنوات المواجهة مع ملوك الغرب والدفاع عن القدس، وصولًا إلى الهدنة وانصراف ملك الإنكتير، وترميم الثغور وعودة صلاح الدين إلى دمشق، ثم وفاته وانتقال سلطانه إلى ورثته. وبذلك لا يقتصر «الفتح القسي» على قصة دخول القدس، بل يُقدِّم شهادة واسعة من داخل الدولة الأيوبية على الحرب التي سبقت الفتح، وما ترتب عليه، والمحاولة الفرنجية الكبرى لقلب نتائجه، ثم الأحوال السياسية والعسكرية والإدارية التي انتهت إليها تلك المرحلة.



إحصائيات الكتاب
قُرئ0مرةحُمِّل0مرة
يقرأه 0 الآنانضم معهم
يحمّله 0 الآنانضم معهم

عماد الدين الكاتب الأصفهاني
القاضي الإمام العلامة المفتي المنشئ البليغ، الوزير عماد الدين، أبو عبد الله محمد بن محمد بن حامد بن محمد بن عبد الله بن علي بن محمود بن هبة الله بن أَلُه الأصبهاني الكاتب، ويعرف بابن أخي العزيز. ولد سنة تسع عشرة وخمسمائة بأصبهان. وقدم بغداد، فنزل بالنظامية، وبرع في الفقه على أبي منصور سعيد بن الرَّزَّاز، وأتقن العربية والخلاف، وساد في علم الترسل، وصنف التصانيف، واشتهر ذكره. وسمع من: أبي منصور محمد بن عبد الملك بن خَيْرُون، وأبي الحسن بن عبد السلام، وعلي بن عبد السيد بن الصَّبَّاغ، والمبارك بن علي السَّمَذِي، وأبي بكر بن الأَشْقَر. وأجاز له الفَرَاوِي من نيسابور، وابن الحُصَيْن من بغداد، ورجع إلى أصبهان مكبًّا على العلم، وتنقلت به الأحوال. حدث عنه: يوسف بن خليل، والخطير فُتُوح بن نوح، والعز عبد العزيز بن عثمان الإِرْبِلِي، والشهاب القُوصِي، وجماعة. وأجاز مروياته لشيخنا أحمد بن أبي الخير. وأَلُه: فارسي معناه عقاب، وهو بفتح أوله وضم ثانيه وسكون الهاء. اتصل بابن هُبَيْرَة، ثم تحول إلى دمشق سنة اثنتين وستين، واتصل بالدولة، وخدم بالإنشاء الملك نور الدين. وكان ينشئ بالفارسي أيضًا، فنفذه نور الدين رسولًا إلى المُسْتَنْجِد، وولاه تدريس العمادية سنة سبع وستين، ثم رتبه في إشراف الديوان. فلما توفي نور الدين، أهمل، فقصد الموصل، ومرض، ثم عاد إلى حلب، وصلاح الدين محاصر لها سنة سبعين، فمدحه، ولزم ركابه، فاستكتبه، وقربه، فكان القاضي الفاضل ينقطع بمصر للمهمات، فيسد العماد في الخدمة مسده. صنف كتاب «خريدة القصر وجريدة العصر» ذيلًا على «زينة الدهر» للحَظِيرِي، وهي ذيل على «دمية القصر وعصرة أهل العصر» للبَاخَرْزِي التي ذيل بها على «يتيمة الدهر» للثَّعَالِبِي التي هي ذيل على «البارع» لهارون بن علي المُنَجِّم، فـ«الخريدة» مشتمل على شعراء زمانه من بعد الخمسمائة، وهو عشر مجلدات. وله «البرق الشامي» سبع مجلدات، و«الفتح القسي في الفتح القدسي» مجلدان، وكتاب «السيل والذيل» مجلدان، و«نصرة الفترة» في أخبار بني سلجوق، وديوان رسائل كبير، وديوانه في أربع مجلدات. وكان بينه وبين الفاضل مخاطبات ومكاتبات. قال مرة للفاضل مما يقرأ منكوسًا: سر فلا كبا بك الفرس، فأجابه بمثله، فقال: دام علا العماد. قال ابن خلكان: ولم يزل العماد على مكانته إلى أن توفي صلاح الدين، فاختلت أحواله، فلزم بيته، وأقبل على تصانيفه. قال الموفق عبد اللطيف: حكى لي العماد، قال: طلبني كمال الدين لنيابته في الإنشاء، فقلت: لا أعرف الكتابة. قال: إنما أريد منك أن تثبت ما يجري، فتخبرني به. فصرت أرى الكتب تكتب إلى الأطراف، فقلت: لو طلب مني أن أكتب مثل هذا، ما كنت أصنع؟ فأخذت أحفظ الكتب، وأحاكيها، وأروض نفسي، فكتبت إلى بغداد كتبًا، ولم أطلع عليها أحدًا. فقال كمال الدين يومًا: ليتنا وجدنا من يكتب إلى بغداد، ويريحنا. فقلت: أنا. فكتبت، وعرضت عليه، فأعجبه، واستكتبني. فلما توجه أسد الدين إلى مصر المرة الثالثة، صحبته. قال الموفق: وكان فقهه على طريقة أسعد المِيهَنِي. ويوم تدريسه تسابق الفقهاء لسماع كلامه، وحسن نكته، وكان بطيء الكتابة، لكنه دائم العمل، وله توسع في اللغة لا النحو. توفي بعد ما قاسى مهانات ابن شُكْر، وكان فريد عصره نظمًا ونثرًا، وقد رأيته في مجلس ابن شكر مزحومًا في أخريات الناس. وقال زكي الدين المُنْذِرِي: كان العماد جامعًا للفضائل: الفقه، والأدب، والشعر الجيد، وله اليد البيضاء في النثر والنظم. صنف تصانيف مفيدة، وللسلطان الملك الناصر معه من الإغضاء والتجاوز والبسط وحسن الخلق ما يتعجب من وقوع مثله. توفي في أول رمضان سنة سبع وتسعين وخمسمائة، ودفن بمقابر الصوفية، رحمه الله. أنبأني محفوظ بن البَزُورِي في «تاريخه»، قال: العماد إمام البلغاء، شمس الشعراء، وقطب رحى الفضلاء، أشرقت أشعة فضائله وأنارت، وأنجدت الركبان بأخباره وأغارت، هو في الفصاحة قُسُّ دهره، وفي البلاغة سَحْبَان عصره، فاق الأنام طرًّا، نظمًا ونثرًا. أخبرنا أحمد بن سلامة في كتابه، عن محمد بن محمد الكاتب، أخبرنا علي بن عبد السيد، أخبرنا أبو محمد الصَّرِيفِينِي، أخبرنا ابن حَبَابَة، حدثنا البَغَوِي، حدثنا علي بن الجَعْد، أخبرنا شعبة، عن أبي ذِبْيَان، هو خليفة بن كعب، قال: سمعت ابن الزبير يقول: لا تلبسوا نساءكم الحرير؛ فإني سمعت عمر يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من لبسه في الدنيا، لم يلبسه في الآخرة». ومن نظمه، فيما أجاز لنا ابن سلامة عنه: يا مالكًا رق قلبي أراك مالك رقه ها مهجتي لك خذها فإنها مستحقه فدتك نفسي برفق فما أطيق المشقه ويا رشيقًا أتاني من سهم عينيه رشقه لصارم الجفن منه في مهجتي ألف مشقه وخصره مثل معنى بلاغي فيه دقه وله من قصيدة: كالنجم حين هدا كالدهر حين عدا كالصبح حين بدا كالعضب حين برى في الحكم طود علا في الحلم بحر نهى في الجود غيث ندا في البأس ليث شرا وله من أخرى: وللناس بالملك الناصر الصلاح صلاح ونصر كبير هو الشمس أفلاكه في البلاد ومطلعه سرجه والسرير إذا ما سطا أو حبا واحتبى فما الليث؟ من حاتم؟ ما ثبير؟ وارتحل في موكب، فقال في القاضي الفاضل: أما الغبار فإنه مما أثارته السنابك فالجو منه مظلم لكن تباشير السنا بك يا دهر لي عبد الرحيم فلست أخشى مس نابك المصدر: كتاب سير أعلام النبلاء لشمس الدين الذهبي.
عرض النبذة وكتب المؤلف
كتاب الفتح القسي في الفتح القدسي (حروب صلاح الدين وفتح بيت المقدس) لعماد الدين الكاتب الأصفهاني PDF - مكتبة الكتب الإسلامية