مكتبة الكتب الإسلامية

أسرع موقع لقراءة وتحميل الكتب الإسلامية بشتى أقسامها PDF بروابط مجانية ومباشرة وسريعة

كتاب الرد على الشاذلي في حزبيه وما صنفه في آداب الطريق لتقي الدين ابن تيمية PDF
كتاب الرد على الشاذلي في حزبيه وما صنفه في آداب الطريق لتقي الدين ابن تيمية PDF

نبذة عن الكتاب:

ينقد تقيُّ الدِّين ابن تيميَّة في كتاب «الرَّد على الشَّاذلي في حزبيه وما صنَّفه في آداب الطريق» ما تضمَّنه «حزب البحر» و«حزب البر» لأبي الحسن الشَّاذلي من أدعيةٍ وألفاظ، وما قرَّره في كلامه على آداب السُّلوك وعلم الحقيقة، ويجعل الكتاب والسُّنَّة الميزان الذي تُعرض عليه أقوال الشُّيوخ وأحزابهم وطرائقهم. ولا يحمل نقده للشَّاذلي على ردِّ جميع كلامه؛ بل يصفه بأنَّه من خير مشايخ الصُّوفيَّة وأفضلهم معرفةً وحالًا، ومن أكثرهم تعظيمًا للكتاب والسُّنَّة وتحريضًا على متابعة النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، ثمَّ يقرِّر أنَّ فضل القائل لا يمنع من وزن أقواله بالشَّرع وقبول ما وافقه وردِّ ما خالفه.

ويؤصِّل قبل مناقشة الحزبين قاعدةً في العبادات والأذكار، فيفرِّق بين العبادة المشروعة بأصلها ووصفها وبين ما يُحدثه النَّاس من عباداتٍ أو هيئاتٍ وأوقاتٍ وأعداد لم يحدِّدها الشَّارع. ويناقش تخصيص عبادةٍ مشروعة بوقتٍ أو مكانٍ أو كيفيَّة على وجه المداومة من غير دليل، وإضافة ألفاظٍ وأفعال إلى العبادات لم ترد في الشَّريعة، ويستعرض نماذج من العبادات المحدثة أو المختلف فيها ليبيِّن الضَّابط الذي يُعرف به المشروع من المبتدع. كما يتناول تقسيم البدعة وما يقال في البدعة الحسنة والمذمومة، ويربط ذلك بالأصل الذي يجعل العبادات مبنيَّةً على الاتِّباع لا على مجرَّد الاستحسان.

ويتناول الأدعية والأذكار المأثورة وغير المأثورة، فيقرِّر أنَّ الأدعية النَّبويَّة أكمل وأفضل، وأنَّ العدول عنها إلى أحزاب المشايخ يفوِّت على الدَّاعي ما هو أولى وأجمع للخير. ولا يجعل كلَّ دعاءٍ لم يرد بلفظه عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ممنوعًا بمجرَّد ذلك، بل ينظر في معناه وما إذا كان مشتملًا على محذورٍ شرعي، ويفرِّق بين دعاءٍ جائز يدعو به الإنسان من غير أن يجعله سنَّةً راتبة، وبين ألفاظٍ منكرة في ذاتها، وبين اتخاذ أورادٍ مخصوصة على هيئةٍ منتظمة تُعامل معاملة السُّنن المأثورة من غير دليل.

ويناقش كذلك الكتب التي جُمعت فيها الأدعية والأذكار، وما قد يختلط فيها من صحيحٍ وضعيفٍ وموضوع، ويحذِّر من بناء العبادات على الأخبار التي لا تثبت. ويؤكِّد أنَّ اشتهار الدُّعاء على ألسنة النَّاس أو نسبته إلى شيخٍ صالح لا يمنحه حكم المشروعيَّة، وأنَّ معرفة حكمه تفتقر إلى فحص ألفاظه ومعانيه وطريقة استعماله. ومن هذا الأصل ينتقل إلى أحزاب المشايخ، فيفرِّق بين ما يكون من ألفاظها صحيح المعنى في نفسه وبين ما يتضمَّن اعتداءً في الدُّعاء أو معنىً مجملًا أو مخالفًا للأصول الشَّرعيَّة.

ويبحث مسألة اجتماع المدح والذَّم في الشَّخص الواحد، ليبيِّن أنَّ وجود الخطأ عند العالم أو الشَّيخ لا يقتضي إسقاط فضله كلِّه، كما أنَّ صلاحه وفضله لا يقتضيان تصحيح كلِّ ما يقوله. ويطبِّق ذلك على أبي الحسن الشَّاذلي، فيثني على ما عنده من تعظيم الشَّريعة والدَّعوة إلى متابعة الرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم، وفي الوقت نفسه ينتقد ما وجده في أحزابه وكلامه من ألفاظٍ ومعانٍ مخالفة. ويجعل هذا التَّفصيل أصلًا في الإنصاف؛ فلا يُقبل القول لمكانة صاحبه، ولا يُردُّ كلُّ ما عند صاحبه لوقوعه في الخطأ.

وينتقل إلى «حزب البحر»، وهو أصل السُّؤال الذي أُجيب عنه في الكتاب، فيتتبَّع عباراته بحسب ترتيبها ويناقش ما اشتملت عليه من أدعية. ويعدُّ هذا الحزب أمثل أحزاب الشَّاذلي وأقلَّها خطأ، لكنَّه يستخرج منه مواضع يرى وجوب إنكارها، ويعالجها من جهة دلالة الألفاظ وموافقتها للكتاب والسُّنَّة وما يترتَّب عليها من معانٍ. ومن المسائل التي يتوقَّف عندها طلب «العصمة في الحركات والسَّكنات والكلمات والإرادات والخطرات من الشُّكوك والظُّنون والأوهام السَّاترة للقلوب عن مطالعة الغيوب»، فيناقش معنى العصمة والمقصود بمطالعة الغيوب وما يجوز للعبد طلبه من ذلك.

ويتعقَّب كذلك طريقة استعمال بعض الآيات القرآنيَّة داخل الحزب، ويناقش وضع الآيات في غير المواضع التي تدلُّ عليها معانيها، والاستدلال بها على مطلوبٍ لا تتناوله دلالتها. ويؤكِّد أنَّ ألفاظ القرآن لا تُستعمل لمجرَّد ما يتخيَّله الدَّاعي من مناسبةٍ بينها وبين حاجته، بل تُفهم في سياقها ومعانيها التي أنزلها الله تعالى من أجلها. كما يناقش عددًا من الألفاظ المجملة التي يمكن أن تحتمل معنىً صحيحًا أو باطلًا، ويحرص على بيان الاحتمالات قبل الحكم عليها.

ويفصِّل في بعض المعاني المتعلِّقة بطلب الكشف ومعرفة الغيب، فيقرِّر أنَّ ما فرضه الله عزَّ وجلَّ على العبد من الإيمان والطَّاعة والعمل بالشَّريعة مقدَّم على طلب المكاشفات والأحوال الخارقة. وينتقد ما قد يوهم أنَّ كمال الولي في انكشاف المغيَّبات له، أو أنَّ مطالعة الغيوب غايةٌ مقصودة في السُّلوك، ويربط الولاية باتِّباع الرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم وطاعة الله تعالى، لا بمقدار ما يُنسب إلى الإنسان من كشوفٍ وأحوال.

ويناقش في أثناء نقد «حزب البحر» بعض الألفاظ التي يجد لها صلةً باصطلاحات المتصوِّفة المتفلسفة، فيتتبَّع أصولها ومعانيها وما قد تؤدِّي إليه إذا حُملت على اصطلاحاتهم. ويقرِّر أنَّ بعض المتأخِّرين قد ينقلون عباراتٍ من كتبٍ امتزجت فيها أصول التَّصوُّف بأصول الفلاسفة من غير إدراكٍ لما تتضمَّنه تلك العبارات من لوازم، ولذلك لا يكتفي بالنَّظر إلى ظاهر حسن اللَّفظ، بل يبحث عن المعنى الذي استُعمل فيه وعن الأصل الفكري الذي يرتبط به.

وينتقل إلى «حزب البر» أو «الحزب الكبير»، فيعدُّ ما فيه من المنكرات أشدَّ ممَّا في «حزب البحر»، ويتتبَّع عباراته على ترتيبها، فيميِّز ما يراه صحيحًا ممَّا يراه باطلًا أو مجملًا. ويناقش ما اشتمل عليه من طلباتٍ وأدعية يصف بعضها بالاعتداء، وما تضمَّنه من معانٍ يرى أنَّها لا تتناسب مع حقيقة العبوديَّة، كما يعترض على بعض الصِّياغات التي تجعل حال العاصي أو ما يناله في المعصية على وجهٍ قد يفضي إلى تسوية الطَّاعة بالمعصية أو قلب المعنى الشَّرعي للعلاقة بينهما.

ويتوقَّف عند قول الشَّاذلي في معنى الكرم والإحسان، وما يتَّصل بطلب العبد من ربِّه عزَّ وجلَّ أن يحسن إليه في حال إساءته كما يحسن إليه في حال طاعته، ويناقش الفرق بين سعة رحمة الله تعالى وفضله وبين ما تتضمَّنه بعض العبارات من معانٍ فاسدة في باب الأمر والنَّهي والثَّواب والعقاب. ويؤكِّد أنَّ فضل الله عزَّ وجلَّ لا يقتضي إلغاء الفرق الذي أثبته الشَّرع بين الطَّاعة والمعصية، ولا أن تكون الإساءة سببًا لنيل منزلةٍ أعلى من منزلة الإحسان.

ويبحث كذلك الألفاظ المتعلِّقة بالفقر والغنى، ومن ذلك قول الشَّاذلي: «نسألك الفقر ممَّا سواك والغنى بك حتَّى لا نشهد إلَّا إيَّاك»، فيعدُّها من الألفاظ المجملة التي قد يراد بها معنى صحيح وقد تُحمل على معنى فاسد. ويقترح بدلًا منها عبارةً أوضح في الدَّلالة على العبوديَّة، وهي سؤال الله تعالى الغنى عمَّا سواه والفقر إليه، فيجعل تحرير العبارة وسيلةً لمنع دخول المعاني الفلسفيَّة أو الاتِّحاديَّة في الألفاظ التي يمكن تفسيرها بأكثر من وجه.

ويربط عددًا من عبارات الحزب الكبير بكلام متصوِّفةٍ تأثَّروا بالفلسفة، فيناقش مفاهيم الوحدة والحلول والاتِّحاد وما يتَّصل بها من الكلام في الوجود والشُّهود والفناء. ويذكر ابن عربي وغيره من أصحاب وحدة الوجود، ويقارن بعض العبارات بما يوجد عند الغزالي في الكتب المنسوبة إليه أو المصنَّفات المتَّصلة بالفكر الفلسفي، وبكلام إخوان الصَّفا وابن الطُّفيل وابن الفارض وغيرهم. ولا يجعل مجرَّد التَّشابه دليلًا على أنَّ الشَّاذلي قصد جميع لوازم أقوالهم؛ بل يفرِّق بين نقل الإنسان للعبارة وقصده لما تشتمل عليه من لوازم، ويحسن الظَّن بالشَّاذلي في مواضع يرى إمكان عدم إدراكه حقيقة الأصل الذي أُخذت منه بعض الألفاظ.

وينتقل بعد الحزبين إلى نقد ما صنَّفه الشَّاذلي في «آداب الطريق في علم الحقيقة»، فيورد كلامه ثمَّ يتعقَّبه فقرةً فقرة. ويبحث من خلاله مفهوم الطَّريق والسُّلوك إلى الله تعالى، ويؤكِّد أنَّ مسائل السُّلوك ليست علمًا منفصلًا عن الكتاب والسُّنَّة يحتاج الإنسان فيه إلى أصولٍ مبتكرة أو إلى التَّسليم المطلق لشيخ الطَّريقة؛ بل إنَّ أصول تزكية النَّفس والعبادة والزُّهد والإخلاص والتَّوكُّل وغيرها قد بيَّنها الوحي، وأنَّ ما تنازع فيه الشُّيوخ يُردُّ إلى النُّصوص كما تُردُّ إليها مسائل الاعتقاد والأحكام.

ويحلِّل في هذا القسم الألفاظ الصُّوفيَّة المجملة، فيفرِّق بين المعنى الصَّحيح الذي قد يقصده صاحبها وبين اللَّوازم الباطلة التي قد تحملها اصطلاحات المتفلسفة وأهل الوحدة. ويكرِّر أنَّ الحكم على العبارة ينبغي أن يكون بعد معرفة مراد صاحبها، ولذلك يذكر أحيانًا أكثر من احتمالٍ للكلمة الواحدة، ويقبل منها ما وافق الكتاب والسُّنَّة ويردُّ ما خالفهما. كما يصرِّح بوجود معانٍ صحيحة في كلام الشَّاذلي إلى جانب ما ينتقده من المعاني، فلا يجعل نقد بعض عباراته حكمًا واحدًا على جميع كلامه.

ويتناول مفهوم الحقيقة وعلاقته بالشَّريعة، وينكر أن تكون هناك حقيقةٌ لأهل المعرفة تخرج بهم عن الأمر والنَّهي أو تجعل أحكام الشَّريعة خاصَّةً بغيرهم. ويربط كمال العارف بزيادة تحقيقه للعبوديَّة والمتابعة، لا بتجاوزه التَّكاليف أو وصوله إلى مقامٍ تسقط فيه الفروق الشَّرعيَّة. ومن هنا يناقش العبارات التي يمكن أن تُفهم على معنى الفناء عن الأمر والنَّهي، أو شهود الحقيقة الكونيَّة مع إهمال الحقيقة الدِّينيَّة الشَّرعيَّة، ويؤكِّد بقاء الفرق بين ما يحبُّه الله تعالى ويرضاه وما يكرهه وينهى عنه.

ويفصِّل كذلك في معنى الإرادة والمشيئة والقدر، لبيان الخطأ في الاستناد إلى كون الأشياء واقعةً بمشيئة الله عزَّ وجلَّ لإسقاط التَّمييز بينها من جهة الأمر والشَّرع. فيفرِّق بين الإرادة الكونيَّة التي يقع بها ما قدَّره الله تعالى، والإرادة الدِّينيَّة المتعلِّقة بما يحبُّه ويرضاه، ويجعل الخلط بينهما من الأصول التي أفضت ببعض أهل التَّصوُّف إلى التَّسوية بين الطَّاعات والمعاصي من جهة شهود القدر. ويقرِّر أنَّ الإيمان بالقدر لا يناقض الأمر والنَّهي ولا يرفع مسؤوليَّة العبد عن أفعاله.

ويتوسَّع في نقد مقالات أهل وحدة الوجود عندما تقتضيها عبارات «آداب الطريق»، فيشرح ما يؤول إليه القول بأنَّ وجود المخلوقات هو عين وجود الخالق، أو أنَّ التَّعدُّد إنَّما يقع في الصُّور والتَّعيُّنات مع وحدة حقيقة الوجود. ويناقض ذلك بإثبات الفرق بين الخالق والمخلوق، والقديم والمحدث، والربِّ والعبد، ويستدلُّ بما دلَّ عليه العقل والشَّرع من أنَّ الله عزَّ وجلَّ خالق الموجودات وأنَّها مخلوقةٌ له وليست أجزاءً منه ولا أطوارًا لذاته.

ويبحث في هذا السِّياق استعمال الألفاظ الكلِّيَّة والمطلقة في الكلام على «الوجود»، ويميِّز بين المعنى الكلِّي القائم في الذِّهن وبين الموجود المعيَّن في الخارج، ليبيِّن منشأ بعض الأغلاط الفلسفيَّة في هذا الباب. ويناقش ما يترتَّب على جعل «الوجود المطلق» حقيقةً قائمةً بنفسها ثمَّ جعل الموجودات تعيُّناتٍ لها، ويرى أنَّ هذا الخلط بين المفهوم الذِّهني والحقيقة الخارجيَّة يفضي إلى أقوال وحدة الوجود. كما يفرِّق بين صفات الكمال المختصَّة بالخالق عزَّ وجلَّ وبين ما يوجد في المخلوق على وجهٍ محدودٍ يناسب حاله، فلا يلزم من الاشتراك في الاسم تماثل الحقائق.

ويخصِّص فصلًا لبيان طريقته في الحكم على كلام الشَّاذلي، فيؤكِّد أنَّه لا يريد تحميل عباراته ما لا تحتمله، وأنَّ اللَّفظ إذا أمكن أن يراد به حقٌّ أو باطل ذُكرت احتمالاته ما لم يتبيَّن مراد قائله. ويجمع بذلك بين نقد ما يراه مخالفًا للشَّريعة وبين إثبات ما في كلام الشَّاذلي من معانٍ صحيحة، ويقدِّم في مواضع بدائل لفظيَّة يراها أسلم وأوضح بدل العبارات المحتملة أو المنكرة. ويجعل الغرض من هذا النَّقد نصيحة من يتلقَّون كلام المشايخ اعتقادًا وعملًا من غير معرفةٍ بما قد يشتمل عليه من معانٍ، مؤكِّدًا أنَّ طريق العبادة والسُّلوك يُعرف بالوحي، وأنَّ أقوال الشُّيوخ مهما بلغت مكانتهم تظلُّ معروضةً على الكتاب والسُّنَّة.



إحصائيات الكتاب
قُرئ0مرةحُمِّل0مرة
يقرأه 0 الآنانضم معهم
يحمّله 0 الآنانضم معهم

تقي الدين ابن تيمية
الشيخ الإمام، العالم العَلَم، العلامة الفقيه الحافظ الزاهد العابد القدوة، شيخ الإسلام: تقي الدين أبو العباس أحمد بن شهاب الدين أبي المحاسن عبد الحليم بن أبي البركات عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم محمد بن الخضر بن محمد بن الخضر بن علي بن عبد الله بن تَيْمِيَّة الحَرَّانِي، ثم الدمشقي. كان مولده يوم الاثنين، عاشر ربيع الأول، بحَرَّان، سنة 661هـ، وقدم مع والده وأهله إلى دمشق وهو صغير، فسمع الحديث، وقرأ بنفسه الكثير، وطلب الحديث وكتب الطبقات والأثبات، ولازم السماع بنفسه مدة سنين، وقل أن سمع شيئًا إلا حفظه. ثم اشتغل بالعلوم، وكان ذكيًّا، كثير المحفوظ، فصار إمامًا في التفسير وما يتعلق به، عارفًا بالفقه، فيقال: إنه كان أعرف بفقه المذاهب من أهلها الذين كانوا في زمانه وغيره، وكان عالمًا باختلاف العلماء، عالمًا في الأصول والفروع، والنحو واللغة، وغير ذلك من العلوم النقلية والعقلية. وما قطع في مجلس، ولا تكلم معه فاضل في فن من الفنون، إلا ظن أن ذلك الفن فنه، ورآه عارفًا به متقنًا له. وأما الحديث فكان حامل رايته، حافظًا له، مميزًا بين صحيحه وسقيمه، عارفًا برجاله، متضلعًا من ذلك. وله تصانيف كثيرة، وتعاليق مفيدة في الأصول والفروع، كمل منها جملة، وبيضت، وكتبت عنه، وقرئت عليه أو بعضها، وجملة كبيرة لم يكملها. وأثنى عليه وعلى علومه وفضائله جماعة من علماء عصره. وأما أسماء مصنفاته وسيرته، وما جرى بينه وبين الفقهاء والدولة، وحبسه مرات، وأحواله، فلا يحتمل ذكر جميعها في هذا الموضع. توفي في ليلة الاثنين، الثاني والعشرين من ذي القعدة، بقلعة دمشق، بالقاعة التي كان محبوسًا بها. وحضر جمع كثير إلى القلعة، وأذن لهم في الدخول عليه، وجلس جماعة عنده قبل الغسل، واقتصروا على من يغسله. فلما فرغ من غسله أخرج، ثم اجتمع الخلق بالقلعة والطريق إلى الجامع، وامتلأ الجامع أيضًا، وصحنه، والكَلَّاسَة، وباب البريد، وباب الساعات، إلى باب اللَّبَّادين والغَوَّارَة. وحضرت الجنازة في الساعة الرابعة من النهار أو نحو ذلك، ووضعت في الجامع، والجند قد احتاطوا بها يحفظونها من الناس من شدة الزحام. وصلي عليه أولًا بالقلعة، تقدم في الصلاة عليه أولًا الشيخ محمد بن تمام، ثم صلي عليه بالجامع الأموي عقب صلاة الظهر، وقد تضاعف اجتماع الناس، ثم تزايد الجمع إلى أن ضاقت الرحاب والأزقة والأسواق بأهلها ومن فيها. ثم حمل، بعد أن صلي عليه، على الرؤوس والأصابع، وخرج النعش به من باب البريد، واشتد الزحام، وعلت الأصوات بالبكاء والنحيب، والترحم عليه، والثناء والدعاء له، وألقى الناس على نعشه مناديلهم وعمائمهم وثيابهم، وذهبت النعال من أرجل. وبالجملة، كان يوم جنازته يومًا مشهودًا، لم يعهد مثله بدمشق إلا أن يكون في زمن بني أمية، حين كان الناس كثيرين، وكانت دار الخلافة. ثم دفن عند أخيه قريبًا من أذان العصر على التحديد، ولا يمكن أحدًا حصر من حضر الجنازة، وتقريب ذلك أنه عبارة عمن أمكنه الحضور من أهل البلد وحواضره، ولم يتخلف من الناس إلا القليل من الصغار والمخدرات. وما تخلف أحد من أهل العلم إلا النفر اليسير، تخلف عن الحضور في جنازته، وهم ثلاثة أنفس: ابن جملة، والصدر، والقَفْجَارِي. وهؤلاء كانوا قد اشتهروا بمعاداته، فاختفوا من الناس خوفًا على أنفسهم؛ بحيث إنهم علموا متى خرجوا قتلوا وأهلكهم الناس. ورئيت له منامات صالحة عجيبة، ورثي بأشعار كثيرة وقصائد مطولة جدًّا، وقد أفردت له تراجم كثيرة، وصنف في ذلك جماعة من الفضلاء وغيرهم. ويدل على علمه وفضله مصنفاته، كـ«التفسير»، و«منهاج السنة»، و«درء تعارض العقل والنقل»، وفتاويه التي جمعت، وغيرها كثير. كان جريئًا قويًّا، لا يخاف في الله لومة لائم، حث الناس والأمراء على جهاد التتار، بل ذهب بنفسه لمقابلة ملكهم قازان حين جاء ليدخل دمشق، وقال له: أنت تدعي أنك مسلم، فلم جئت تغزو بلاد الإسلام؟ ومن مواقفه المشرفة أيضًا: أنه لما استفتاه السلطان الناصر محمد بن قلاوون في قتل الفقهاء والقضاة الذين كانوا ضده يوم خلع نفسه، وكانوا مع المظفر بيبرس، وكان منهم من آذى الشيخ نفسه، لم يفت له الشيخ بأذيتهم، بل بين له حرمة العلماء وقدرهم، وقال: إنه لا ينتصر لنفسه، وكل من آذاه فهو في حل. وهذا من تمام فضله وحسن خلقه. وله الأثر الكبير في مناظرة أهل البدع والعقائد الفاسدة، بما أحيا الله على يديه مما اندرس بين الناس منها، فكان بحق مجددًا للدين، فرحمه الله تعالى، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خيرًا.
عرض النبذة وكتب المؤلف