
نبذة عن الكتاب:
يردُّ عبد الرحمن بن يحيى المعلِّمي اليماني في هذا الكتاب على ما نُسب إلى حسن الضَّالعي وأتباعه من عقائد الحلول والاتِّحاد ووحدة الوجود، ويجعل مقصده بيان فساد هذه الأقوال ومحاولة صرف المتأثِّرين بها عنها. وينتقد في مقدِّمته ما قد يقع في بعض الرُّدود من الغضب والشدَّة التي تنفِّر الجاهل بدل أن تقرِّبه من الحقِّ، ويؤكِّد أهمِّيَّة الرِّفق واللِّين وإيضاح الحجَّة بالحكمة. ويضع لبحثه خطَّةً تبدأ بنقل ما بلغه عن الضَّالعي وأصحابه بأسانيده، ثمَّ الكلام على وحدة الوجود وعقائد أئمَّة الصُّوفيَّة، ومعنى الوحدة عند المتطرِّفين وما يشبهها من مقالات الفرق، والأدلَّة العقليَّة والنَّقليَّة المناقضة لها، ثمَّ حكم الدَّاعي إليها ومعتقدها والشَّاك فيها والسَّاكت عنها، ويجعل خاتمته في التَّحذير من الدَّجَّالين.
ويبدأ المعلِّمي بجمع الأخبار التي وصلته عن الضَّالعي من شيوخه ومعاصريه ومن أشخاص التقوا به أو عرفوا دعوته، فينقل عن شيخه محمَّد بن علي بن إدريس أنَّ الضَّالعي كان يتظاهر بالحلول والاتِّحاد ويشير إلى بعض الموجودات قائلًا: «هذا الله»، كما ينقل أخبارًا عن اتِّخاذه تلاميذ وأخذ المواثيق عليهم قبل إفضائه إليهم ببعض معتقداته. ويعرض كذلك ما نُقل عن انتسابه إلى مشايخ مختلفين ومحاولته إثبات صلاتٍ علميَّة وروحيَّة بهم، ويناقش التَّعارض بين بعض دعاوى أسانيده وانتساباته، مستعينًا بشهادات من عرفوه وبما وقف عليه من رسائل أُلِّفت في الرَّد عليه.
ويخصِّص جانبًا من مناقشته لكرَّاسة منسوبة إلى صالح الطيَّار، أحد المنتسبين إلى الضَّالعي، فينقل منها نصوصًا يراها كاشفةً عن حقيقة المذهب الذي يدعو إليه أصحابها. ويعترض على استدلالها بأخبار وأحاديث لا تثبت، وعلى تغيير ألفاظ بعض المرويَّات أو تحميلها معاني لا تدلُّ عليها، ومن ذلك الاستدلال بأخبار في النُّور المحمَّدي، وبعبارة «علماء أمَّتي كأنبياء بني إسرائيل»، وبقول «ما فضلكم أبو بكر بكثرة الصَّلاة والعبادة، وإنَّما لشيء وضعه الله في صدره»، وبقول «من عرف نفسه عرف ربَّه»، ثمَّ بناء معاني الحلول والاتِّحاد ومعرفة الإنسان نفسه بأنَّها عين الحقِّ على هذه النُّقول.
ويفصِّل المعلِّمي اعتراضه على هذا الفهم، فيجعل معرفة الإنسان لنفسه معرفةً بضعفه وعجزه وعبوديَّته، ومنها يعرف ربَّه عزَّ وجلَّ بربوبيَّته وقوَّته وقدرته وكماله، لا بأن تنتفي البشريَّة أو يصبح الإنسان عين الحقِّ. وينقل من الكرَّاسة عباراتٍ في «الأحديَّة» و«الوجود المطلق» و«الذَّات» وفي كون الموجودات داخلةً في الأحديَّة، وأخرى تجعل العارف يشاهد الله في الموجودات والصُّور، ثمَّ يتتبَّع ما يترتَّب على هذه العبارات من طمس الحدِّ الفاصل بين الخالق والمخلوق، ويناقضها بإثبات عبوديَّة الإنسان ومباينة الخالق سبحانه لخلقه.
وينقل بعد ذلك شهادات ورسائل أخرى في شأن الضَّالعي ودعوته، وفيها نسبة القول إليه بأنَّ الموجودات كلَّها عين الله، وأنَّ الذَّوات لا تتميَّز من جهة حقيقتها؛ لأنَّها عند أصحاب هذا القول تطوُّرات للذَّات الإلهيَّة. كما ينقل ما قيل عن جعلهم الأنبياء وغيرهم من الموجودات داخلين في هذه الوحدة، وعن تفسيرهم الأرواح بأنَّها تطوُّرات للذَّات، وما نُسب إلى بعض دعاتهم من تلقين أتباعهم عباراتٍ من جنس «أنا الله». ويورد هذه الأقوال بوصفها منقولةً عمَّن كتبوا في الضَّالعي أو عرفوا دعوته، ثمَّ يجعلها مادَّةً للمناقشة والنَّقد.
ويعرض المعلِّمي كذلك خبر لقاء سالم بن عبد الرحمن باصهي بالضَّالعي ومناقشته له في وحدة الوجود، وينقل من كلامه أنَّ محلَّ النِّزاع هو القول بأنَّ الموجودات كلَّها عين الحقِّ وأنَّه لا خلق في الحقيقة. ويستدلُّ في نقض ذلك بالآيات الصَّريحة في أنَّ الله تعالى خالق كلِّ شيء، وأنَّ السَّماوات والأرض والإنسان والجنَّ وسائر الموجودات مخلوقةٌ له عزَّ وجلَّ، ويجعل نفي حقيقة الخلق مناقضًا لهذه النُّصوص. كما ينقل تفسير باصهي لبعض العبارات الصُّوفيَّة التي تشبَّث بها الضَّالعي، ومحاولته التَّفريق بين ما تحتمله تلك العبارات من معانٍ وبين المعنى الاتِّحادي الذي فهمه منها الضَّالعي.
ويتوسَّع في مناقشة جملةٍ أخرى من الآراء المنقولة عن الضَّالعي، ومنها ما يتَّصل بالتَّكاليف الشَّرعيَّة وتفسير القرآن والجنَّة والنَّار والحشر والنَّشر، ثمَّ ينتقل إلى محاورته في مصادر الدِّين وثبوت التَّوراة والإنجيل والقرآن. ويعترض المعلِّمي على محاولة إثبات التَّوراة والإنجيل بالتَّواريخ أو بمجرَّد نقل اليهود والنَّصارى، ويبحث اتِّصال هذا النَّقل وما طرأ على كتب أهل الكتاب من تبديلٍ واختلاف، ويرى أنَّ الاستناد إلى القرآن لإثبات الكتب السَّابقة ثمَّ الطَّعن في القرآن يؤدِّي إلى تناقض؛ لأنَّ إسقاط الدَّليل الذي استُند إليه في إثباتها يسقط الحجَّة المبنيَّة عليه.
ويناقش ما أثاره الضَّالعي حول عيسى عليه السَّلام، فيعرض أسئلته عن ولادته من غير أب، وتسميته بالمسيح، وإحيائه الموتى وخلقه من الطِّين كهيئة الطَّير، وما اختصَّ به من عدم نخس الشَّيطان له ولأمِّه. ويردُّ بأنَّ ولادته من مريم عليها السَّلام آيةٌ وخارقةٌ من الخوارق الدَّالَّة على قدرة الله تعالى، لا دليلًا على الألوهيَّة، وأنَّ إحياءه الموتى وخلق هيئة الطَّير كان بإذن الله عزَّ وجلَّ كما نصَّ القرآن، فيكون عيسى عليه السَّلام سببًا مأذونًا له لا مستقلًّا بالفعل. ويقرِّر كذلك أنَّ اختصاص نبيٍّ بمزيَّة لا يقتضي خروجه عن العبوديَّة؛ لأنَّ الأنبياء لهم خصائص ومزايا متفاوتة.
وينتقل المعلِّمي إلى إثبات نبوَّة محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم وإعجاز القرآن في مواجهة منازعة الضَّالعي فيه، فيستدلُّ بتحدِّي العرب بالقرآن وعجزهم عن معارضته مع بلوغهم الغاية في الفصاحة والبيان وشدَّة دواعيهم إلى إبطال دعوة النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم. ولا يحصر الإعجاز في البلاغة، بل يذكر الإخبار بالمغيَّبات، كغلبة الرُّوم وما أخبر به القرآن من وقائع تحقَّقت، ويضمُّ إلى ذلك ما يورده من معجزات النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، كنبع الماء بين أصابعه، وتكثير الطَّعام، وانشقاق القمر، وإخباره ببعض المغيَّبات، ويجعل مجموع هذه الدَّلائل مؤيِّدًا لصدق الرِّسالة.
ويبحث مسألة تحريف التَّوراة والإنجيل، فيستعين بنقولٍ عن ابن حزم وغيره لإظهار ما يعدُّه تناقضاتٍ واختلافاتٍ في النُّسخ والتَّواريخ والأنساب والأعداد، وما مرَّ بتاريخ بني إسرائيل من فقد الكتب وإحراقها وانتقالها. ثمَّ يناقش حال الأناجيل وكونها، بحسب ما ينقله، رواياتٍ كُتبت بعد عيسى عليه السَّلام وليست عين الإنجيل المنزل عليه، ويستعرض الاختلاف بين النُّسخ والتَّقاليد المتعلِّقة بالتَّوراة، والتَّناقضات التي ينقلها بين بعض نصوص الأناجيل، ليبني على ذلك أنَّ مجرَّد وجود نصٍّ في الكتب المتداولة لا يكفي لإثبات أنَّه من الوحي المنزل.
ويبيِّن في أثناء ذلك الفرق بين الإيمان بالتَّوراة والإنجيل اللَّذين أنزلهما الله عزَّ وجلَّ وبين التَّصديق بكلِّ ما في الكتب الموجودة بأيدي اليهود والنَّصارى، فيثبت أصل إنزال التَّوراة على موسى عليه السَّلام والإنجيل على عيسى عليه السَّلام، مع تقريره وقوع التَّحريف والتَّبديل في الكتب المتداولة. ويناقش الآيات التي تحتجُّ بالتَّوراة والإنجيل أو تأمر أهل الكتاب بإقامتهما، فيفسِّرها بما بقي من الحقِّ فيهما وبما تضمَّناه أصلًا من الإيمان بالرُّسل واتِّباع خاتمهم محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم، ويرى أنَّ استشهاد المسلمين بما بقي فيها من الحقِّ لا يستلزم تصحيح جميع محتوياتها.
ويتتبَّع المعلِّمي في مناقشته قضيَّة التَّوراة والإنجيل ما يتعلَّق بتاريخ نقلهما واختلاف نسخهما، وما ينقله من وجوه التَّناقض والاضطراب في بعض نصوصهما، ويقابل ذلك بما يقرِّره القرآن في شأن عيسى عليه السَّلام من نبوَّته ورسالته وعبوديَّته لله تعالى، وتنزيهه عمَّا نسبه إليه اليهود والنَّصارى. ويؤكِّد أنَّ الإيمان بالتَّوراة والإنجيل اللَّذين أنزلهما الله عزَّ وجلَّ لا يستلزم تصديق جميع ما في الكتب المتداولة عند أهل الكتاب، وأنَّ ما بقي فيها من حقٍّ لا يجعلها مصدرًا مستقلًّا لإثبات العقيدة، بل يكون القرآن الكريم هو الأصل الحاكم في قبول ما نُسب إلى الكتب السَّابقة أو ردِّه.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:




