
نبذة عن الكتاب:
يَرُدُّ تقيُّ الدِّين ابن تيميَّة في هذا الكتاب على علي بن يعقوب البكري فيما قرَّره من جواز الاستغاثة بالنَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم وبالصَّالحين بعد موتهم، ومن تكفير مَن أنكر ذلك، ويجعل أصل النِّزاع في التَّمييز بين دعاء الله تعالى والتوسُّل إليه، وبين دعاء المخلوق وطلب الغوث منه فيما لا يقدر عليه إلَّا الله تعالى. ويُناقش عبارات البكري ودلائله واحدًا واحدًا، ويستحضر في الردِّ أصول التوحيد، ونصوص الكتاب والسُّنَّة، وعمل الصَّحابة رضي الله عنهم، وقواعد الدُّعاء والشَّفاعة والتوسُّل، مع نقد الأحاديث والآثار والحكايات التي بُني عليها القول المخالف.
ويُحَرِّر معنى الاستغاثة من جهة اللُّغة والاستعمال والشَّرع، فيُفَرِّق بين الاستغاثة بالمخلوق الحيِّ الحاضر فيما يقدر عليه، وبين طلب ما يختصُّ بالله تعالى من ميت أو غائب. كما يُفَرِّق بين أن يطلب الإنسان من شخص أن يدعو الله تعالى له، وبين أن يدعو ذلك الشخص نفسه ويطلب منه كشف الضُّرِّ أو جلب النَّفع؛ فالأوَّل من الأسباب التي تقع من المخلوق الحيِّ القادر، أمَّا الثَّاني فيدخله في جنس الدُّعاء الذي يجب إفراده لله عزَّ وجلَّ إذا تعلَّق بما لا يقدر عليه إلَّا هو.
ويكشف منشأ الخطأ في كلام البكري من الخلط بين الاستغاثة بالشَّخص والاستغاثة به على معنى التوسُّل؛ إذ جعل البكري طلب الغوث من النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم وطلب الغوث من الله تعالى بواسطة النَّبي شيئًا واحدًا، ثمَّ بنى على ذلك أنَّ ما ثبت من توسُّل الصَّحابة رضي الله عنهم بالنَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم في حياته يقتضي جواز الاستغاثة به بعد وفاته. ويردُّ ابن تيميَّة بأنَّ توسُّلهم في حياته كان متعلِّقًا بدعائه وشفاعته، لا بمجرَّد ذاته، ولذلك طلبوا منه أن يدعو لهم، ولم يجعلوا مجرَّد ذكر ذاته بديلًا من دعائه.
ويستدلُّ في هذا الباب بما وقع من الصَّحابة رضي الله عنهم بعد وفاة النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم؛ إذ انتقلوا عند الاستسقاء إلى طلب الدُّعاء من الأحياء الصَّالحين، ومن ذلك توسُّل عمر رضي الله عنه بدعاء العبَّاس رضي الله عنه، ويجعل هذا شاهدًا على أنَّ المقصود بالتوسُّل في هذه الوقائع دعاء المتوسَّل به وشفاعته، لا التعلُّق بذاته بعد موته. ويستحضر كذلك ما ورد من طلب الدُّعاء من النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم حال حياته، فيجعل هذا هو المعنى الذي تنتظم به النُّصوص والآثار.
ويتناول حديث الأعمى الذي أمره النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم بالدُّعاء والتوسُّل، فيجعل سياقه دالًّا على أنَّ الأعمى قصد النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم طالبًا منه أن يدعو الله تعالى له، وأنَّ الشَّفاعة والدُّعاء حاضران في ألفاظ الخبر، فلا يصحُّ عنده جعله دليلًا على دعاء النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم بعد وفاته أو على الاستغاثة به في الغيبة. ويمتدُّ هذا النَّقد إلى الأخبار التي يُستدلُّ بها على خلاف ذلك، فيبحث أسانيدها ودلالاتها وما إذا كانت أصلًا ثابتًا أو حكايةً لا تقوم بها حجَّة.
ويفحص ما نُسب إلى آدم عليه السَّلام من التوسُّل بالنَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم، والحكاية المنسوبة إلى الإمام مالك مع أبي جعفر المنصور عند قبر النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم، وخبر فتح الكُوَّة إلى القبر، وما شابهها من الآثار، ويُفَرِّق بين ما يصحُّ وما لا يثبت، وبين ثبوت أصل الخبر وصحَّة الاستدلال به على محلِّ النِّزاع. كما يردُّ دعاوى نُسب فيها التوسُّل بالنَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم إلى أنبياء سابقين عليهم السَّلام من غير إسناد تقوم به الحجَّة.
ويبحث سماع النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم بعد وفاته، ويُفَرِّق بين ما جاءت به النُّصوص من تبليغه صلاة أمَّته وسلامها وبين دعوى سماعه دعاء كلِّ غائب واستغاثته. فلا يجعل ما ثبت في باب السَّلام والصَّلاة دليلًا عامًّا على سماع كلِّ نداء من كلِّ مكان، ويستعمل هذا الفرق في ردِّ الاستدلال بأنَّ حياة الأنبياء عليهم السَّلام البرزخيَّة تستلزم جواز دعائهم وطلب الحاجات منهم.
ويُفَصِّل في الشَّفاعة، فيثبت للنَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم ما أثبته الله تعالى له منها، لكنَّه يجعلها ملكًا لله تعالى لا تقع إلَّا بإذنه ورضاه، ويرفض قياسها على الوساطات الدُّنيويَّة التي يُتوصَّل فيها إلى صاحب السُّلطان من غير إذنه أو رضاه. ومن ثمَّ يفرِّق بين الإيمان بشفاعة النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم وبين دعائه من دون الله تعالى لتحصيلها، ويجعل المشروع سؤال الله تعالى أن يرزق العبد شفاعة نبيِّه.
ويتوسَّع في بيان توحيد العبادة، ويربط قضيَّة الاستغاثة بأصل الدُّعاء والنَّذر والخوف والرَّجاء والاستعانة والتوكُّل وسائر ما تتعلَّق به القلوب من أنواع العبادة. ويُبَيِّن أنَّ وقوع المخلوق سببًا في منفعة لا يجعله مستقلًّا بالتَّأثير، وأنَّ إثبات الأسباب التي جعلها الله تعالى أسبابًا لا يناقض التوحيد، كما أنَّ إنكار الأسباب مطلقًا ليس تحقيقًا للتوحيد؛ وإنَّما المنهيُّ عنه تعلُّق القلب بسبب لم يجعله الله تعالى سببًا، أو إسناد ما يختصُّ بقدرته عزَّ وجلَّ إلى المخلوق.
ويعرض ما يتَّصل بالقبور والمشاهد من الدُّعاء عندها، وتعظيمها، والنُّذور المتعلِّقة بها، وما قد يقع عندها من أحوال يظنُّ أصحابها أنَّها كرامات أو استجابات تدلُّ على صحَّة ما يفعلون. ويُقَرِّر أنَّ حصول بعض المطلوب عند القبر لا يثبت مشروعيَّة السَّبب؛ فقد يقع المطلوب موافقةً للقدر، أو بسبب آخر، أو يكون ما يظهر لبعض النَّاس من تلاعب الشَّياطين بهم لإدامة تعلُّقهم بالمشاهد. ويقارن ذلك بما كان يقع عند أصنام المشركين من أحوال خارقة لا تجعل عبادتها حقًّا.
ويُفَرِّق بين الزِّيارة الشَّرعيَّة للقبور التي مقصودها السَّلام على الميت والدُّعاء له والاعتبار بالموت، وبين تحويل القبر إلى محلٍّ لقصد الحاجات ودعاء صاحبه. كما يناقش تعظيم بعض المشاهد التي لا يثبت أصل نسبتها إلى مَن نُسبت إليه، وينبِّه إلى أنَّ معرفة مواضع جميع قبور الأنبياء والصَّالحين ليست من الدِّين الذي تكفَّل الله تعالى بحفظه، وأنَّ شهرة المشهد لا تكفي وحدها لإثبات صحَّة نسبته.
ويتتبَّع نشأة الاستغاثة بالأموات وانتشار الحكايات المؤسِّسة لها، ويرى أنَّ هذا النَّوع من الدُّعاء لم يكن من عمل الصَّحابة رضي الله عنهم ولا التَّابعين لهم بإحسان، وأنَّ ما ظهر بعد ذلك توسَّع شيئًا فشيئًا من رواية حكايات في التوسُّل إلى بناء أعمال واعتقادات لم تكن معروفةً في القرون الأولى. ويردُّ على جعل مجرَّد شيوع العمل أو حكاية تجارب أشخاص دليلًا شرعيًّا في باب العبادة.
ويولي نقد المنقول عنايةً ظاهرة؛ فيُعَرِّض الأحاديث الموضوعة والآثار الضَّعيفة والحكايات التي لا إسناد لها على أصول المحدِّثين، ويُفَرِّق بين الحديث الصَّحيح وبين الدَّلالة التي يريدها المستدلُّ منه. فلا يكتفي بإبطال الإسناد متى كان الخبر ضعيفًا، بل قد يناقش المتن والاستدلال أيضًا، كما لا يردُّ الخبر الصَّحيح لمجرَّد استعمال الخصم له، وإنَّما يبيِّن المعنى الذي يدلُّ عليه في سياقه.
ويتناول تكفير البكري لمن منع الاستغاثة بالنَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم، فيُقَرِّر أنَّ التَّكفير حكم شرعيٌّ مردُّه إلى الله تعالى ورسوله صلَّى الله عليه وسلَّم، لا إلى الخصومة أو المبالغة في تعظيم الأشخاص. وفي الوقت نفسه يفرِّق في الحكم على الأقوال والأعيان، فيصف بعض الأقوال بالباطل أو بما يفضي إلى الشِّرك، مع ملاحظة الجهل والتَّأويل وعدم العلم بلوازم القول عند الكلام على قائله، ولا يجعل كلَّ لازم يلزم المقالة ثابتًا بالضَّرورة في حقِّ صاحبها.
ويعتمد في مناظرته على نقل عبارات البكري ثمَّ تحليلها والكشف عن التناقض أو اللُّزوم الذي يراه فيها، وقد يوافقه في جزء من كلامه إذا كان صحيحًا ثمَّ يردُّ ما بُني عليه من نتيجة. ولهذا يتداخل في الكتاب تحرير الألفاظ مع نقد الاستدلال؛ إذ إنَّ كثيرًا من النِّزاع عنده نشأ من إطلاق ألفاظ التوسُّل والاستغاثة والاستشفاع والدُّعاء بعضها مكان بعض من غير تمييز، فكان بيان مدلول كلِّ لفظ وما يدخل تحته مدخلًا رئيسًا في ردِّه.
ولا يقتصر كتاب «الاستغاثة في الرد على البكري» على مسألة لفظيَّة في جواز قول «أستغيث بالنَّبي»، بل يجعلها ابن تيميَّة بابًا للكلام على الحدِّ الفاصل بين التوحيد والشِّرك في الدُّعاء، وعلى حقيقة الوسائط والشَّفاعة، وعلى علاقة الأسباب بمشيئة الله تعالى، وعلى زيارة القبور وما يُحدث عندها من عبادات، وعلى منهج الاستدلال بالأحاديث والآثار والحكايات. والجزء المحفوظ من الكتاب نفسه ناقص من أوَّله، فقد فُقد قسم من الأصل، ولذلك يبدأ النَّصُّ المطبوع من أثناء الرَّد، مع بقاء قدر كبير من مناقشة البكري وتفصيل المسائل المتفرِّعة عن أصل الاستغاثة.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:


