مكتبة الكتب الإسلامية

أسرع موقع لقراءة وتحميل الكتب الإسلامية بشتى أقسامها PDF بروابط مجانية ومباشرة وسريعة

كتاب التفسير والمفسرون لمحمد حسين الذهبي PDF
كتاب التفسير والمفسرون لمحمد حسين الذهبي PDF

نبذة عن الكتاب:

يتتبع محمد حسين الذهبي في كتاب «التفسير والمفسرون» نشأة تفسير القرآن الكريم وتطوره منذ عهد النبي محمد صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله عنهم، ثم عهد التابعين، وصولًا إلى عصور التدوين وما نشأ فيها من اتجاهات تفسيرية متباينة، ولا يقف عند التأريخ للمفسرين ومؤلفاتهم، بل يدرس أصول مناهجهم ومصادرهم ومقدار اعتمادهم على الرواية أو الاجتهاد، ويكشف أثر العقيدة والمذهب والعلوم السائدة في توجيه التفسير، ثم يفحص أشهر المصنفات ممثلًا للاتجاهات المختلفة بنماذج منها، ومبينًا ما يغلب على كل تفسير من لغة أو فقه أو كلام أو فلسفة أو تصوف أو رواية أو نزعة علمية. ويضم إلى هذا المسار التاريخي بحوثًا في معنى التفسير والتأويل، وترجمة القرآن، والتفسير بالمأثور وما دخله من وضع وإسرائيليات، والتفسير بالرأي وشروطه، ثم يختم بدراسة أبرز ألوان التفسير في العصر الحديث.

ويمهد للبحث بتحرير معنى التفسير والتأويل؛ فيرجع التفسير في اللغة إلى الكشف والإبانة، ثم يجمع تعريفاته الاصطلاحية المختلفة في معنى جامع مؤداه أنه العلم الباحث عن مراد الله تعالى في القرآن بقدر الطاقة البشرية، وأنه يتناول كل ما يتوقف عليه فهم المعنى وبيان المراد، ولذلك تدخل فيه علوم تتصل بالنطق القرآني ودلالات الألفاظ والتصريف والإعراب والبلاغة والقراءات وأسباب النزول والناسخ والمنسوخ وغيرها. ثم يتتبع استعمال التأويل لغة ووروده في القرآن بمعاني التفسير والعاقبة ووقوع المخبر به ومدلول الرؤيا وبيان حقيقة العمل، ويفرق بين اصطلاح السلف الذين استعملوا التأويل بمعنى تفسير الكلام أو بمعنى حقيقة ما يؤول إليه، وبين اصطلاح كثير من المتأخرين الذين جعلوه صرف اللفظ عن معناه الراجح إلى معنى مرجوح لدليل.

ويعرض اختلاف العلماء في العلاقة بين التفسير والتأويل؛ فمنهم من جعلهما مترادفين، ومنهم من فرق بينهما باعتبارات متعددة، كجعل التفسير أوسع تعلقًا بالألفاظ والتأويل بالمعاني، أو جعل التفسير متعلقًا بالرواية والتأويل بالدراية، أو جعل التفسير بيانًا للمعنى الظاهر والتأويل ترجيحًا لأحد الاحتمالات بطريق الاستنباط. وينتهي إلى ترجيح التفريق بين المنقول والمستنبط، فيربط التفسير بما يرجع إلى الرواية، ولا سيما ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله عنهم الذين شهدوا التنزيل وعرفوا ملابساته، ويربط التأويل بما يعتمد على الاجتهاد في ترجيح أحد محتملات اللفظ من خلال اللغة والسياق وأساليب العرب ودلالة الكلام.

وينتقل إلى تفسير القرآن بغير العربية، فيميز الترجمة الحرفية من الترجمة التفسيرية. فالترجمة الحرفية ترمي إلى إحلال ألفاظ لغة أخرى وتراكيبها محل ألفاظ الأصل ونظمه، ويقسمها إلى ترجمة بالمثل تحاكي الأصل في جميع خصائصه، وترجمة بغير المثل تنقله حذوًا بحذو بقدر طاقة المترجم. ويقرر استحالة الأولى بالنسبة إلى القرآن لما يختص به نظمه من خصائص بلاغية متصلة بإعجازه، ويرفض الثانية لما يترتب عليها من إخلال بالنظم والمعنى، ثم يبين أن الترجمة الحرفية لا تعد تفسيرًا أصلًا؛ لأنها لا تقوم على شرح المعنى وكشفه وإنما على استبدال الألفاظ.

ويجعل الترجمة التفسيرية صورة من صور تفسير القرآن بغير لغته، لأنها لا تزعم إحلال نص آخر محل القرآن، بل تنقل إلى لغة أخرى المعنى الذي توصل إليه المفسر. ولهذا يشترط فيها ما يشترط في التفسير من الاعتماد على الأحاديث النبوية وعلوم العربية وأصول الشريعة، والبعد عن العقائد الفاسدة التي تسيطر على فهم النص، مع إحاطة المترجم باللغتين وأسرارهما وأساليبهما ودلالاتهما. ويشدد كذلك على تمييز النص القرآني من تفسيره ومن ترجمة ذلك التفسير حتى لا يتوهم القارئ أن الكلام المترجم مقابل حرفي للقرآن نفسه.

ويبدأ تأريخه للتفسير بعهد النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله عنهم، فيقرر أن نزول القرآن بلسان عربي لم يكن يعني استواء جميع الصحابة رضي الله عنهم في إدراك كل معانيه ودقائقه؛ فقد فهموا ظاهره وجملته بما امتلكوه من العربية، لكنهم تفاوتوا في معرفة مفرداتها، وفي القوة العقلية، وفي ملازمة النبي صلى الله عليه وسلم، وفي العلم بأسباب النزول والظروف المحيطة بالآيات. ويستشهد بما خفي على بعض كبار الصحابة رضي الله عنهم من معاني بعض المفردات، ليقرر أن مجرد الانتساب إلى اللسان العربي لا يوجب الإحاطة بجميع دلالات القرآن، وأنهم كانوا يرجعون فيما أشكل عليهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم الذي تولى البيان.

ويحصر مصادر التفسير في هذه المرحلة في القرآن نفسه، وبيان النبي صلى الله عليه وسلم، والاجتهاد وقوة الاستنباط، وما أخذ من أهل الكتاب. ويجعل تفسير القرآن بالقرآن أول ما ينبغي الرجوع إليه، لأن ما يأتي موجزًا في موضع قد يبسط في آخر، وما يقع مجملًا قد يبين في آية أخرى، والمطلق قد يلحقه التقييد، والعام قد يرد ما يخصصه، وقد تتكامل الآيات المتفرقة في كشف قصة أو حكم أو معنى واحد. ثم يبحث تفسير النبي صلى الله عليه وسلم للقرآن ومقداره، وما يرجع إليه الصحابة رضي الله عنهم بعد ذلك من معرفتهم باللغة وأسباب النزول وأحوال التنزيل، ويتناول أخذهم بعض الأخبار عن أهل الكتاب في المواضع التي لم يأت الإسلام بتفاصيلها.

ويفرد للمفسرين من الصحابة رضي الله عنهم دراسة تبين تفاوت مقدار المنقول عنهم، ويعتني بصفة خاصة بمن كثر عنهم التفسير، ويتناول القيمة العلمية للمأثور عن الصحابة رضي الله عنهم والفرق بين ما يكون له حكم المرفوع، كالأخبار التي لا مجال للرأي فيها إذا سلمت من الأخذ عن أهل الكتاب، وبين ما يكون ثمرة لاجتهاد الصحابي رضي الله عنه ومعرفته. كما يبين السمات التي ميزت التفسير في هذه المرحلة، ومن أهمها أنه لم يكن تفسيرًا كاملًا لجميع القرآن آية آية، وإنما تناول القدر الذي احتيج إلى بيانه، وأن الخلاف كان قليلًا نسبيًا، وأن التفسير ظل قريبًا من الاختصار والوضوح ولم تتشعب فيه الاصطلاحات والمباحث التي ظهرت في العصور التالية.

ويتابع المرحلة الثانية في عصر التابعين، فيبين أن اتساع البلاد الإسلامية وانتقال الصحابة رضي الله عنهم إلى الأمصار أفضيا إلى قيام مدارس تفسيرية، أخذ تلاميذ كل مصر فيها عن الصحابة رضي الله عنهم الذين استقروا بينهم. ويجعل أشهرها ثلاث مدارس: مدرسة مكة التي قامت على علم عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، ومدرسة المدينة، ومدرسة العراق التي ارتبط جانب كبير منها بما حمله عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وتلاميذه. ويعرض مشاهير التابعين في كل مدرسة وصلاتهم بشيوخهم، وما امتازت به بيئاتهم العلمية.
ويتسع التفسير في عهد التابعين تبعًا لازدياد حاجة الناس إلى البيان كلما ابتعد الزمن عن عصر النبوة؛ فلم يقتصروا على ما رووه عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله عنهم، بل اجتهدوا في مواضع لم يبلغهم فيها أثر، مستعينين باللغة وأحداث عصر التنزيل ووسائل الاستنباط، كما ازداد أخذ الأخبار عن أهل الكتاب. ومن هنا يبحث الذهبي قيمة التفسير المروي عن التابعين، والخلاف في الاحتجاج به، ثم يقف عند صور الخلاف بين السلف في التفسير، ويفرق بين اختلاف التضاد واختلاف التنوع الذي يكون فيه كل قول معبرًا عن جانب من المعنى أو عن فرد من أفراد العام دون أن يناقض غيره.

ويغير طريقة العرض عند بلوغه عصر التدوين؛ لأن تتبع التفسير زمنيًا لم يعد كافيًا بعد تضخم المادة وتعدد العلوم والمذاهب والمناهج. فيدرس التفسير من جهة الاتجاهات الكبرى التي تشكلت داخله: المأثور، والرأي الجائز، والرأي المذموم وتفاسير الفرق، والتفسير الصوفي، والفلسفي، والفقهي، والعلمي، ثم ينتقل إلى التفسير الحديث. وبذلك يتحول الكتاب من تاريخ متتابع للأجيال الأولى إلى دراسة مقارنة للمناهج والكتب واتجاهات أصحابها.

ويعرف التفسير بالمأثور بأنه ما جاء من تفسير القرآن بالقرآن، وما نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم، والصحابة رضي الله عنهم، ويلحق به ما روي عن التابعين لأن كتب التفسير المأثور أدخلت أقوالهم في مادتها. ثم يرصد انتقال هذا التفسير من طور الرواية الشفهية إلى طور التدوين، ويفحص ما تعرضت له مروياته من عوامل أضعفت الثقة بجانب منها، ويحصر أبرزها في الوضع، ودخول الإسرائيليات، وحذف الأسانيد.
ويشرح نشأة الوضع في التفسير متصلة بنشأته في الحديث، ويربط اتساعه بما وقع من انقسام سياسي ومذهبي وما صاحب ذلك من تعصب، إذ حاولت طوائف أن تستند إلى روايات منسوبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو الصحابة رضي الله عنهم لتأييد مواقفها. ويلفت بوجه خاص إلى كثرة ما نسب إلى علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم، وإلى ما صنعه التعصب السياسي والمذهبي من روايات وظفت الآيات في الخصومات. ثم يبين أن إسقاط الأسانيد في العصور اللاحقة زاد خطر الروايات الموضوعة، لأن القارئ أصبح يتلقى المتن منفصلًا عن الطريق الذي كان يمكن من خلاله فحص رجاله ومعرفة مرتبته.

ويبحث الإسرائيليات بوصفها موردًا آخر دخل منه كثير من القصص والتفصيلات إلى كتب التفسير، ويربط انتشارها باتصال المسلمين بأهل الكتاب وبالرغبة في استكمال ما أجمله القرآن من أخبار الأمم والأنبياء عليهم السلام والوقائع الماضية. ويميز بين ما يوافق ما ثبت في الشريعة، وما يخالفها، وما سكتت عنه فلا يصدق ولا يكذب، وينبه إلى ما ترتب على التوسع غير الناقد في نقل هذه الأخبار من ملء بعض التفاسير بتفصيلات لا يتوقف عليها فهم القرآن ولا تقوم عليها حجة صحيحة.

ثم يدرس أشهر كتب التفسير التي غلب عليها المأثور، ولا يكتفي بالتعريف بالمؤلف والكتاب، بل ينظر في الأسانيد والمرويات والإسرائيليات والقراءات واللغة ومقدار تدخل المفسر في الترجيح والنقد. ويمنح «جامع البيان» للطبري مكانة خاصة، فيعده المرجع الأول والأهم في التفسير بالمأثور لما جمعه من الروايات وما أضافه من نظر في الأقوال والترجيح بينها. ويعرض بعده تفاسير من هذا المسار، منها «بحر العلوم» للسمرقندي، وتفسير الثعلبي، و«معالم التنزيل» للبغوي، و«المحرر الوجيز» لابن عطية، وتفسير ابن كثير، و«الدر المنثور» للسيوطي، مبينًا أن إدراجها جميعًا في التفسير بالمأثور مرده إلى غلبة النقل والرواية عليها وإن لم تخل أكثرها من عمل الرأي، وأن «الدر المنثور» امتاز من بينها باقتصاره على جمع المأثور دون مزجه بتفسير اجتهادي.

ويفتح بعد ذلك باب التفسير بالرأي، فيجعل المراد بالرأي هنا الاجتهاد، لا مجرد القول الذي لا أصل له، ثم يناقش ما ورد عن العلماء من تشديد في القول في القرآن بالرأي وما ورد عن غيرهم من جواز الاجتهاد فيه. ويحلل الخلاف ليقرر أن الرأي قسمان: اجتهاد يجري على قوانين العربية ومناهجها، ويوافق الكتاب والسنة ويستوفي شروط التفسير، وهذا جائز؛ واجتهاد يهدر دلالة العربية والأدلة الشرعية ولا يستوفي أدوات المفسر، وهذا هو الرأي المذموم الذي تتوجه إليه نصوص المنع. ومن ثم لا يجعل التزام المأثور مانعًا من الاجتهاد، كما لا يفتح باب التفسير لكل من أراد الكلام في القرآن دون أهلية.

ويفصل الأدوات التي لا يستغني عنها المفسر، فيدخل فيها العلم باللغة والنحو والصرف والاشتقاق والبلاغة والقراءات وأصول الدين وأصول الفقه وأسباب النزول والناسخ والمنسوخ والحديث، مع المعرفة بما يفسر القرآن بعضه بعضًا والقدرة على الاستنباط. ويربط سلامة التفسير كذلك بصحة القصد والتجرد من الهوى؛ لأن امتلاك الأدوات مع إخضاع النص لعقيدة مقررة سلفًا يمكن أن يحول التفسير من بحث عن الدلالة إلى محاولة لاستنطاق القرآن بما لا يدل عليه.

ويختار لتمثيل التفسير بالرأي الجائز عشرة كتب تختلف ميولها العلمية، هي «مفاتيح الغيب» للفخر الرازي، و«أنوار التنزيل وأسرار التأويل» للبيضاوي، و«مدارك التنزيل وحقائق التأويل» للنسفي، و«لباب التأويل في معاني التنزيل» للخازن، و«البحر المحيط» لأبي حيان، و«غرائب القرآن ورغائب الفرقان» للنيسابوري، و«تفسير الجلالين» للمحلي والسيوطي، و«السراج المنير» للخطيب الشربيني، و«إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم» لأبي السعود، و«روح المعاني» للألوسي. ويؤكد أن جمعها في قسم واحد لا يعني تماثلها؛ فبعضها تغلب عليه الصناعة النحوية، وبعضها المباحث الكلامية والفلسفية، وبعضها الرواية والقصص، وبعضها البلاغة، وإنما يجمعها وقوع اجتهاد أصحابها داخل دائرة التفسير بالرأي الذي قبله.
ويحلل هذه الكتب واحدًا واحدًا من داخل طريقة مؤلفه، فيلفت مثلًا إلى اتساع «مفاتيح الغيب» في العلوم العقلية والكلامية والفلسفية وما يجره ذلك من استطراد، وإلى اعتماد البيضاوي في «أنوار التنزيل» على ما سبقه، ولا سيما «الكشاف»، مع طرح جانب من الاعتزال وتنقية كثير من مواضعه، وإلى اختصار النسفي وعنايته بالمذهب الحنفي والعقيدة السنية، وإلى كثرة الأخبار والقصص في الخازن، وإلى بروز النحو واللغة والقراءات في «البحر المحيط»، وإلى ما يمتزج في «غرائب القرآن» من علوم ومعارف وإشارات، وإلى شدة إيجاز «الجلالين»، والعناية البلاغية في أبي السعود، والسعة الجامعة في «روح المعاني». ولا يحاكم هذه المؤلفات بمجرد شهرتها، بل يبين ما لها وما عليها ويحدد للطالب طبيعة المادة التي سيواجهها في كل واحد منها.

ثم يخصص قسمًا واسعًا لما يسميه التفسير بالرأي المذموم، ويربط ظهوره بتحول المذاهب والفرق إلى أطر عقدية سابقة على النظر في النص، بحيث يصبح المقصود في كثير من الأحيان العثور في الآيات على ما يؤيد أصلًا مذهبيًا مقررًا. ويبدأ بالمعتزلة، فيشرح أثر أصولهم الكلامية في تفسير آيات الصفات والرؤية والقدر وغيرها، ويتناول قدرتهم اللغوية والبلاغية والجدلية، ثم يدرس أشهر ما يمثل اتجاههم، وفي مقدمته «الكشاف» للزمخشري، فيفرق بين قيمته الكبيرة في اللغة والبيان ودقائق النظم وبين ما بث فيه من تقرير للمذهب الاعتزالي.

ويتوسع في تفسير الإمامية الإثني عشرية، فيعرض أثر اعتقاد الإمامة والعصمة والرجعة والظاهر والباطن وغيرها في توجيه عدد من الآيات، ويبين تفاوت تفاسيرهم بين الاعتدال والغلو بدل معاملتها بوصفها مرتبة واحدة. ولهذا يختار كتبًا تمثل درجات ومناهج مختلفة، فيتناول «مرآة الأنوار ومشكاة الأسرار»، والتفسير المنسوب إلى الحسن العسكري، و«مجمع البيان» للطبرسي بوصفه ممثلًا لاتجاه أكثر اعتدالًا وذا عناية بالجدل، و«الصافي» لملا محسن الكاشاني ممثلًا للاتجاه المتطرف، وتفسير عبد الله العلوي، و«بيان السعادة في مقامات العبادة» الذي يجمع عند صاحبه بين النزعة الإمامية والصوفية الفلسفية.

ويمضي إلى الباطنية الإسماعيلية، فيجعل أساس طريقتهم إهدار استقلال الظاهر القرآني لصالح معان باطنية يربطونها ببنائهم العقدي، ثم يصل هذا الاتجاه بالبابية والبهائية بوصفهما امتدادًا حديثًا لفكرة التأويل الباطني في الكتاب. ويعرض نماذج من تأويلاتهم لبيان المسافة بين الدلالة العربية للنص وبين المعاني التي يحملونه عليها. كما يبحث التفسير عند الزيدية والخوارج والإباضية، ويقف عند ما وصل إليه من كتبهم بدل الادعاء بالإحاطة بما لم تقع عليه يده؛ فيذكر في الزيدية «فتح القدير» للشوكاني مع تنبيهه إلى أنه لا يمثل التفسير الزيدي تمثيلًا كاملًا، ويعرض في الإباضية تفسير «هميان الزاد إلى دار المعاد» لمحمد بن يوسف إطفيش.

ويفصل التفسير الصوفي إلى مسارين يختلفان في الأساس والطريقة: تفسير صوفي نظري يقوم على أفكار فلسفية وعرفانية سابقة يسعى صاحبه إلى إيجاد شواهد قرآنية لها، وتفسير إشاري ينطلق من معنى ظاهر معتبر ثم يستنبط وراءه إشارة يدعي المفسر انكشافها له من غير أن يبطل ظاهر الآية. ويضع لقبول التفسير الإشاري ضوابط تمنع تحوله إلى تأويل باطني، من أهمها ألا يناقض ظاهر النظم، وأن يكون له شاهد شرعي يؤيده، وألا يعارض دليلًا شرعيًا أو عقليًا، وألا يدعي أن الإشارة وحدها هي المراد دون الظاهر.

ويتناول نماذج التفاسير الصوفية وأصحابها، ويقف طويلًا عند التأويلات المتأثرة بوحدة الوجود وما يقاربها، كما يناقش التفسير المشهور المنسوب إلى محيي الدين ابن عربي ويذهب إلى أنه لعبد الرزاق القاشاني، مع التمييز بين هذا الكتاب وبين ما ثبت من تفسيرات ابن عربي المتفرقة. ويبحث عددًا من المؤلفات الصوفية ليظهر مقدار اقتراب كل منها من التفسير الإشاري المنضبط أو انتقاله إلى بناء المعنى القرآني على أصول صوفية نظرية.

ويربط ظهور التفسير الفلسفي بحركة ترجمة الفلسفات إلى العربية في العصر العباسي، ثم بدخول مفاهيمها في التفكير الإسلامي ومحاولة بعض الفلاسفة إيجاد توافق بينها وبين النصوص الدينية. ولا يجد لهذا الاتجاه تفسيرًا كاملًا للقرآن، وإنما شروحًا متناثرة في كتب الفلاسفة ورسائلهم، ويجعل ابن سينا أبرز من يمثل ذلك بما وصل من تفسيره لآية النور وسورة الإخلاص والمعوذتين وآيات أخرى. ويعرض نماذج يفسر فيها الألفاظ القرآنية بالقوى النفسية والعقول والمبادئ الفلسفية، ثم ينتقد تحويل الحقائق القرآنية إلى رموز لحقائق فلسفية مضمرة لا يدل عليها ظاهر الخطاب.

ويخصص للتفسير الفقهي فصلًا يتعقب نشأته من التعامل الأول مع آيات الأحكام في عصر النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله عنهم، ثم ازدياد الاجتهاد مع ظهور الحوادث، فكان الصحابة رضي الله عنهم يرجعون إلى القرآن ثم السنة ثم يجتهدون في ضوء أصولهما فيما لا نص فيه. ومع تشكل المذاهب الفقهية أصبح للمذهب أثر أوضح في طريقة تفسير آيات الأحكام، وصنف الفقهاء كتبًا مستقلة تجمع هذه الآيات وتستنبط منها الأحكام وتناقش دلالاتها ومذاهب العلماء فيها.

ويظهر من دراسته للتفسير الفقهي أن المؤلفات لا تسير على طريقة واحدة؛ فمنها ما يفسر آيات الأحكام انطلاقًا من أصول مذهب صاحبه ويدافع عن فروعه، ومنها ما يوسع دائرة المقارنة بين الفقهاء ومآخذهم. ويعرض نماذج من المصنفات المذهبية في آيات الأحكام، فيقف عند كتب للحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة والزيدية، وينظر في مقدار تعصب كل مؤلف لمذهبه، وطريقته في مناقشة المخالف، ومدى عنايته بالحديث واللغة والأصول والترجيح، ليبين كيف أصبح الفقه أحد الألوان القوية التي صبغت التفسير بعد استقرار المذاهب.

ويعالج التفسير العلمي من جهة أصوله القديمة وتجدد الدعوة إليه، ويعرض الاتجاه الذي يبحث في القرآن عن أصول العلوم الطبيعية والكونية ويحاول ربط الآيات بالنظريات والمكتشفات، في مقابل اتجاه يرفض تحميل النص القرآني تفصيلات العلوم المتغيرة. ويعرض حجج الفريقين ومواقف علماء متقدمين ومتأخرين، ثم يدرس في العصر الحديث «الجواهر في تفسير القرآن الكريم» لطنطاوي جوهري بوصفه أبرز نموذج للتوسع في هذا المسلك، بما أدخله صاحبه في تفسيره من علوم الكون والطبيعة والصور والمباحث العلمية.

ولا يسوي بين الاستفادة من حقيقة علمية ثابتة توافق ظاهر الآية وبين جر النص إلى نظرية قابلة للتغير؛ إذ ينقل في خاتمة بحثه تقريرًا بأن الآية لا ينبغي أن تجر إلى العلوم ولا العلوم إلى الآية، وإنما يمكن الاستفادة من الحقيقة العلمية الثابتة إذا اتفق معها ظاهر النص. ومن ثم يكشف عن الخطر الذي ينشأ حين تربط دلالة القرآن بنظرية مؤقتة ثم تتغير تلك النظرية، فضلًا عن أن جعل الكتاب كتابًا تفصيليًا في علوم الطبيعة يحرف التفسير عن الغاية الأساسية للقرآن في الهداية.

ويختم الكتاب برصد الاتجاهات التي غلبت على التفسير في العصر الحديث، فيجمعها في أربعة ألوان كبرى: العلمي، والمذهبي، والإلحادي، والأدبي الاجتماعي. ويرى استمرار اللون المذهبي ما دامت الفرق والمذاهب قائمة وتنتج تفاسير تتأثر بأصولها، فيذكر استمرار التفاسير الإمامية والإباضية والبهائية وغيرها، كما يتتبع بقاء أثر بعض الأصول الاعتزالية في كتابات حديثة وإن لم تبق المعتزلة بالضرورة جماعة منظمة على صورتها القديمة.

ويخص اللون الإلحادي بصور من التأويل تجعل حرية الرأي ذريعة إلى إخراج الألفاظ القرآنية عن مدلولها بلا مستند معتبر، ويعرض نماذج مما كتب في العصر الحديث ممن اتخذوا التفسير وسيلة لبث أفكار لا تتفق مع أصول الإسلام. وينظر إلى هذا اللون بوصفه تجاوزًا للرأي التفسيري المختلف فيه إلى استعمال النص نفسه غطاءً لمعان سابقة لا تحتملها اللغة ولا السياق ولا أصول الشريعة، ولذلك يصله بمناقشته السابقة للتأويلات الباطنية التي تعطل الظاهر القرآني.

ويمنح اللون الأدبي الاجتماعي مساحة كبيرة بوصفه من أبرز الظواهر الحديثة، ويصفه بأنه يعيد مركز التفسير إلى هداية القرآن بدل إغراقه في اصطلاحات العلوم، فيبدأ بإظهار دقة التعبير القرآني وبلاغته، ثم يصوغ المعاني بأسلوب قريب جذاب، ويربطها بسنن الاجتماع والعمران وأحوال الناس ومشكلاتهم. ويجعل مدرسة الشيخ محمد عبده أبرز من حمل هذا الاتجاه، ثم يتناول محمد رشيد رضا ومحمد مصطفى المراغي بوصفهما من أهم رجاله الذين ساروا في طريقته مع اختلاف بينهم في بعض التطبيقات.

ويثني لهذه المدرسة على ابتعادها في جانب كبير من عملها عن إخضاع القرآن للتعصب المذهبي، وعلى موقفها الناقد من الإسرائيليات والأحاديث الضعيفة والموضوعة، وعلى إحجامها عن ملء مبهمات القرآن بتفصيلات لا تثبت، وعلى تقليلها من الاستطراد في اصطلاحات الفنون إلا بمقدار ما يخدم المعنى. كما يبرز عنايتها بسنن الاجتماع وإصلاح أحوال المسلمين ومناقشة مشكلات المجتمع والدفاع عن القرآن وإزالة الشبهات عنه، وعرض ذلك كله في أسلوب يجعل التفسير أوثق اتصالًا بحياة القارئ. وفي الوقت نفسه لا يعفي المدرسة من النقد، بل يفحص بعض مواقفها من الحديث والغيب والتأويل والعقل، ويفرق بين جوانب التجديد التي خدمت مقصد التفسير وجوانب أخرى لا يوافق عليها.
ويجعل محمد حسين الذهبي من «التفسير والمفسرون» في النهاية دراسة لتاريخ الفهم التفسيري بقدر ما هو دراسة للكتب؛ فانتقال التفسير من بيان قريب محدود في عصر النبوة إلى مدارس للرواية والاجتهاد، ثم إلى مؤلفات موسوعية تحمل آثار الفقه والكلام واللغة والفلسفة والتصوف والعلوم والمذاهب، يكشف كيف كان كل عصر يترك بصمته في تفسير القرآن. ولهذا لا يعامل كتب التفسير على أنها طبقة واحدة، بل يسأل في كل منها: من أين يستمد صاحبه مادته، وما الأدوات التي يكثر منها، وأين تظهر عقيدته أو مذهبه، وكيف يتعامل مع الروايات واللغة والقراءات والإسرائيليات والخلاف الفقهي والعقلي، وهل يقود العلم والمذهب إلى خدمة دلالة القرآن أم يتحولان إلى إطار سابق يراد حمل القرآن عليه.

وينتهي بذلك إلى رسم خريطة واسعة للتراث التفسيري؛ تبدأ بالتفسير النبوي والمأثور عن الصحابة رضي الله عنهم والتابعين، وتمر بمرحلة الرواية والتدوين وما أصاب النقل من وضع وإسرائيليات، ثم تفصل بين الاجتهاد المستوفي لآلة التفسير والرأي الذي يتجاوز العربية والشريعة، وتدرس المفسرين من خلال كتبهم الفعلية بدل الاقتصار على طبقات الأسماء، ثم تكشف أثر الفرق والعقائد والتصوف والفلسفة والفقه والعلوم في طرائق فهم القرآن، قبل أن تصل إلى محاولات العصر الحديث في التفسير العلمي والمذهبي والأدبي الاجتماعي وما صاحبه من اتجاهات أخرى. وبهذا يجمع الكتاب بين التأريخ للتفسير، وتصنيف اتجاهاته، وتحليل مناهج أشهر كتبه، ونقد ما دخل بعض هذه المناهج من مؤثرات أبعدتها بدرجات متفاوتة عن الغاية التي يجعلها أصلًا لعلم التفسير: الكشف عن معاني القرآن وهداياته على أساس اللغة والنقل الصحيح وأصول الشريعة والاجتهاد المنضبط.



إحصائيات الكتاب
قُرئ0مرةحُمِّل0مرة
يقرأه 0 الآنانضم معهم
يحمّله 0 الآنانضم معهم

محمد حسين الذهبي
محمد السيد حسين الذهبي: عالم أزهري وباحث متخصص في التفسير وعلوم القرآن، وُلد في 19 أكتوبر سنة 1915م الموافق 1333هـ بمدينة مطوبس في محافظة كفر الشيخ بمصر. حفظ القرآن الكريم في بلدته، ثم التحق بمعهد دسوق، ومنه إلى معهد الإسكندرية، ثم التحق بكلية الشريعة بالأزهر، وحصل على العالمية سنة 1939م وكان ترتيبه الأول، ثم حصل سنة 1946م على الدرجة العالمية بدرجة أستاذ في علوم القرآن من كلية أصول الدين، وكانت رسالته «التفسير والمفسرون»، التي أصبحت بعد نشرها من مؤلفاته المشهورة في علم التفسير. عمل بالتدريس في المعاهد الأزهرية، ثم دَرَّسَ في كلية أصول الدين وكلية الشريعة بالأزهر، وأُعير سنة 1968م إلى جامعة الكويت. وبعد عودته إلى مصر سنة 1971م عُين أستاذًا بكلية أصول الدين، ثم تولى عمادتها، وانتقل بعد ذلك إلى مجمع البحوث الإسلامية، فشغل منصب الأمين العام المساعد ثم الأمين العام. تولى وزارة الأوقاف وشؤون الأزهر في أبريل سنة 1975م، واستمر فيها حتى نوفمبر سنة 1976م. وشهدت مدة توليه الوزارة عددًا من الإجراءات التنظيمية والدعوية والاجتماعية؛ فأنشأ إدارة للمتابعة بمكتب الوزير، وعمل على إعادة تنظيم عدد من الإدارات والجهات التابعة للوزارة، واهتم بإدارة أموال الأوقاف واسترداد الأوقاف المعتدى عليها وتنظيم تأجير عماراتها، كما أُنشئت مؤسسات للقرض الحسن في عدد من المحافظات. واهتم خلال عمله الوزاري بشؤون الدعوة والأئمة؛ فمنع نقل الأئمة العاملين بقطاع الدعوة إلى وظائف أخرى، وشكّل لجانًا للتخطيط للتوعية الدينية في المحافظات وتنظيم قوافل التوعية، وأقر إعانات للعاملين في حقل الدعوة، وعمل على ضم عدد من المساجد إلى الوزارة، وتنظيم لوائح النذور، وإيفاد الدعاة إلى الخارج. عُرف الذهبي باشتغاله بالتفسير وعلوم القرآن والحديث، وخلّف عددًا من المؤلفات في هذه المجالات، من أشهرها «التفسير والمفسرون»، و«الإسرائيليات في التفسير والحديث»، و«الوحي والقرآن الكريم»، و«الاتجاهات المنحرفة في تفسير القرآن الكريم دوافعها ودفعها»، و«تفسير ابن عربي للقرآن حقيقته وخطره»، و«عناية المسلمين بالسنة»، و«مدخل لعلوم الحديث»، و«الإسلام والديانات السماوية»، وله كذلك «أثر إقامة الحدود في استقرار المجتمع»، ومقدمات في علم التفسير وعلوم القرآن وعلوم الحديث. اختُطف محمد حسين الذهبي سنة 1977م على يد أعضاء جماعة التكفير والهجرة، التي احتجزته رهينة وطالبت مقابل الإفراج عنه بإطلاق سراح عدد من المسجونين ودفع مبلغ مالي، ولما لم تُستجب مطالبها قتلته، فتوفي في 7 يوليو سنة 1977م الموافق 1397هـ.
عرض النبذة وكتب المؤلف
كتاب التفسير والمفسرون لمحمد حسين الذهبي PDF - مكتبة الكتب الإسلامية