
نبذة عن الكتاب:
يميّز طه جابر العلواني في كتابه «أدب الاختلاف في الإسلام» بين اختلاف تقتضيه طبيعة الاجتهاد وتفاوت الأفهام، فيغني النظر ويفتح للفقه أكثر من وجه معتبر، وبين خلاف يستولي عليه الهوى والتعصب فيتحول إلى جدال وشقاق وتمزيق لوحدة المسلمين. ومن هذه التفرقة يبني الكتاب معالجته؛ فلا يطلب إلغاء كل اختلاف، وهو أمر لا تستقيم به طبيعة البشر ولا واقع الاجتهاد، وإنما يبحث عن حدوده المشروعة وأسبابه الموضوعية والآداب التي تمنع الرأي المخالف من أن يصير خصومة في الدين أو قطيعة بين أهله.
ويبدأ بتحديد المصطلحات التي يكثر الخلط بينها، فيتناول الاختلاف والخلاف، ثم الجدل وعلم الجدل، وينتهي إلى الشقاق بوصفه المرحلة التي تغلب فيها إرادة الانتصار للنفس على طلب الحق. ثم يقسم دوافع الاختلاف إلى خلاف يمليه الهوى وحب الذات، وخلاف يفرضه الحق ولا يجوز التنازل عنه، وخلاف يقع في الفروع الاجتهادية التي تحتمل أكثر من وجه. وهذا القسم الأخير هو موضع العناية الكبرى في الكتاب؛ لأن الهوى قد يختلط فيه بالتقوى، والظن بالعلم، والمرجوح بالراجح، فلا يحفظه من الانقلاب إلى نزاع إلا قواعد تضبط النظر وآداب تضبط صاحبه.
ويتتبع بعد ذلك تاريخ الاختلاف منذ عصر النبوة، فيعرض نماذج اختلف فيها الصحابة رضي الله عنهم لاختلاف فهمهم للنص، وفي مقدمتها أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه ألا يصلوا العصر إلا في بني قريظة، فحمله فريق على ظاهر لفظه، وفهم آخرون منه الحث على الإسراع، ولم يعنّف النبي صلى الله عليه وسلم أحد الفريقين. ومن هذا المثال وأمثاله يبرز مساحة الاجتهاد في فهم النص لمن امتلك آلته، كما يفرق بين أخذ مشروع بالظاهر وبين استنباط لمعنى يحتمله الدليل.
ومن هنا يخصص جانبًا للتأويل، فيقسمه إلى قريب يمكن الوصول إليه بأدنى تأمل، وبعيد يحتاج إلى نظر أدق مع بقاء احتمال اللفظ له، ومستبعَد لا يسنده اللفظ ولا تشهد له دلالة معتبرة. ويضع للتأويل قيودًا تتصل باللغة وسياق النص وسائر الأدلة وقواعد الشريعة، ويحذر من التأويل الصادر عن غير أهله، أو القائم على الهوى، أو المناقض للنصوص والأصول المقررة. وفي مقابل الاجتهاد المؤهل يورد نماذج من الفتوى بغير علم ليؤكد أن اتساع مجال النظر لا يعني إباحة القول في الشرع لكل أحد، وأن الجاهل وظيفته السؤال لا اقتحام الفتوى.
ثم يستخلص من عصر النبوة جملة من آداب الاختلاف: تقليل المسائل التي لا حاجة إليها، ورد المتنازع فيه إلى الكتاب والسنة، وسرعة الخضوع للدليل، واحتمال أن يكون الصواب مع المخالف في المسائل الاجتهادية، واجتناب الهوى، وانتقاء طيب الكلام، وحسن الاستماع، والبعد عن المماراة. فالخلاف في الفهم لم يكن يقتضي عند الصحابة رضي الله عنهم خصومة في القلوب؛ إذ كانت الحقيقة هي المقصودة، ولم يكن ظهورها على لسان أحدهم دون الآخر خسارة لأحد.
ويمتد هذا النظر إلى عصر الخلافة الراشدة، فيعرض اختلاف الصحابة رضي الله عنهم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم في مسائل جسيمة، ويبين كيف كان النص الصحيح ينهي النزاع حين يظهر، وكيف بقيت الأخوة الإسلامية فوق مسائل الاجتهاد. ويقرر أن من سمات تلك المرحلة تحاشي الخلاف ما أمكن، والرجوع عن الخطأ من غير حرج، واحترام مراتب أهل العلم والفضل، والنظر إلى الاستدراك بوصفه معونةً يقدمها العالم لأخيه، مع بقاء مسائل الاعتقاد الأساسية خارج دائرة الاجتهاد الفقهي الذي كان يجري بينهم.
ومع تفرق الصحابة رضي الله عنهم في الأمصار حمل تلاميذهم من التابعين مناهجهم في الفقه والاستنباط، فبرزت بيئات علمية مختلفة، وفي مقدمتها مدرسة المدينة ومدرسة العراق. وكان اتساع الروايات والأحداث وتفاوت ما بلغ علماء كل بلد من السنن من أسباب اختلاف طرائقهم؛ فأهل المدينة اتسع عندهم الاعتماد على الآثار الموروثة، بينما توسع العراقيون في البحث عن علل الأحكام والقياس على المنصوص حين غاب الأثر، لمواجهة وقائع متجددة لا تتناهى. ويصل المؤلف هذا التطور أيضًا بالاضطرابات السياسية التي أعقبت مقتل عثمان رضي الله عنه، وما صاحبها من ظهور الفرق والوضع في الحديث والتحفظ في قبول الروايات، وهي عوامل تركت أثرها في مناهج النظر الفقهي.
ويخصص الفصل الثالث لاختلاف مناهج الأئمة في الاستنباط، فلا يعرض المذاهب الفقهية على أنها أقوال متعارضة فحسب، بل يكشف الأصول التي أنتجت ذلك التفاوت. فأبو حنيفة يقدم الكتاب ثم السنة الصحيحة ثم أقوال الصحابة رضي الله عنهم، ويجتهد بعد ذلك مع اعتماد واسع للقياس والاستحسان وفق أصول مدرسته. ومالك يضم إلى الكتاب والسنة الإجماع والقياس وعمل أهل المدينة وسد الذرائع والمصالح المرسلة والاستحسان وقول الصحابي ومراعاة الخلاف وغيرها. أما الشافعي فيشدد على أصلية الكتاب والسنة وصحة الخبر، ويجعل القياس تابعًا لهما، ويرفض الاحتجاج بالاستحسان والمصالح المرسلة وعمل أهل المدينة على الوجه الذي اعتمده غيره. ويقترب أحمد بن حنبل من منهج الشافعي مع تقديمه فتاوى الصحابة رضي الله عنهم والحديث المرسل والضعيف بشروطه على القياس، بينما يقوم المذهب الظاهري على التمسك بظواهر النصوص والتضييق الشديد في القياس والرأي والاستحسان.
ولا يقف عند وصف تلك المناهج، بل ينتقل إلى تفسير أسباب اختلاف النتائج الفقهية. فيرد قسمًا منها إلى اللغة وما تحتمله الألفاظ من اشتراك بين معانٍ متعددة، أو حقيقة ومجاز، وما يعرض لصيغ الأمر والنهي، والعموم والخصوص، والإطلاق والتقييد، والإجمال والبيان، واختلاف القراءات وما يترتب عليه من اختلاف الفهم. فالاختلاف في حكم واحد قد يكون وراءه اختلاف دقيق في تعيين مدلول لفظ أو في تحديد جهة دلالة تركيب، لا مجرد ميل فقهي سابق يبحث له صاحبه عن مسوغ.
ويرد قسمًا آخر إلى رواية السنن؛ فقد يبلغ الحديث مجتهدًا ولا يبلغ غيره، أو يصح عند أحدهما ولا يثبت عند الآخر لاختلاف شروط القبول، أو يصل بلفظ مغاير، أو مقترنًا بسبب وروده عند واحد دون الثاني، أو يطلع بعضهم على ناسخ أو مخصص أو مقيد لا يعرفه الآخر، أو يختلفون في الجمع بين الأخبار وترجيح بعضها على بعض. ثم يضيف اختلاف القواعد الأصولية نفسها، مثل حجية قول الصحابي، والمصالح المرسلة، والاستحسان، والاستصحاب، وسد الذرائع، والعرف والعادة، وغيرها من الأدلة المختلف فيها.
وعلى هذا الأساس يفرق بين «الاختلاف» المعتبر و«الخلاف» المذموم بشرطين واضحين: أن يمتلك كل قول دليلًا يصح الاحتجاج به، وألا يؤدي الأخذ به إلى محال أو باطل. فإذا تحقق الشرطان كان الاختلاف ثمرة للنظر والاجتهاد، أما إذا فقد أحدهما تحولت المسألة إلى تعصب وعناد لا إلى تعدد علمي مشروع. وبذلك ينقل المؤلف الحكم على الأقوال من مجرد كونها مخالفة إلى النظر في مستندها ومنهج بنائها.
ويجعل الفصل الخامس تطبيقًا عمليًا لأدب الأئمة في إدارة هذا النوع من الاختلاف. فيورد أن اختلافهم في مسائل الطهارة والقنوت والبسملة وغيرها لم يمنع بعضهم من الصلاة خلف بعض، حتى صلى علماء خلف أئمة يخالفونهم في حكم ما يرونه ناقضًا للوضوء. ويذكر ترك الشافعي القنوت قرب قبر أبي حنيفة مراعاةً له، ورفض مالك حمل جميع المسلمين على «الموطأ» حين أراد الخليفة توحيد الناس عليه، إدراكًا منه أن أهل الأمصار قد وصلتهم سنن وآثار واختاروا بناء عليها أقوالًا أخرى.
ويبرز كذلك رسالة الليث بن سعد إلى مالك بوصفها نموذجًا لاجتماع المخالفة العلمية مع حفظ قدر المخالف؛ فقد ناقش الليث حجية عمل أهل المدينة وخالف مالكًا في مسائل متعددة، لكنه صان في رسالته مكانة علماء المدينة وفضل مالك ومن خالفه. ويعرض ما كان بين أحمد بن حنبل والشافعي من اعتراف كل واحد منهما بفضل الآخر؛ فأحمد يكثر الدعاء للشافعي ويستفيد من فقهه، والشافعي يقر لأحمد بتقدمه في الحديث والرجال. فالمخالفة عند هؤلاء لم تكن تستلزم إسقاط العالم ولا إهدار علمه، بل قد يختلف الرجل مع صاحبه في أصل من أصول الاستنباط ويبقى له حافظًا لفضله.
ويتغير وجه الكتاب حين يصل إلى ما بعد القرون الأولى؛ إذ ينتقل من وصف اختلاف المجتهدين إلى نقد التعصب الذي صاحب شيوع التقليد. ويربط المؤلف هذا التحول بتراجع الاجتهاد، وانفصال القيادة العلمية عن القيادة السياسية، وإقبال طائفة من المتفقهة على مناظرات ترضي أصحاب السلطان أو تحقق الجاه، ثم تضخم الخلافيات حتى أصبح الدفاع عن المذهب غايةً في ذاته. ومع ضعف سلطان التقوى ظهرت صور أخرى من الخلل، منها تتبع الرخص من مذاهب متفرقة لتحقيق الهوى، أو اختيار أشد الأقوال ظنًا أن التشديد هو الدين، بينما وظيفة المفتي عنده تبليغ حكم الشرع لا صناعة التيسير ولا التشديد من عند نفسه.
ويرى في إلزام الناس بالتقليد محاولة تاريخية للوقاية من اجتهاد غير المؤهلين ومن فتاوى المتقربين إلى السلطان، لكنها انتهت إلى آثار بعيدة المدى؛ فقد انصرف جانب من الدرس عن الكتاب والسنة إلى حفظ الأقوال والتخريج عليها والجدل عنها، وضعفت حركة الاجتهاد، وازدادت المسافة بين الفقه وواقع الناس. ثم يصل هذا المسار بواقع الأمة في عصورها المتأخرة، حيث اجتمع ضعف التعليم الشرعي وضياع الرؤية الكلية مع أثر التعليم الذي أقامه الاستعمار، فنشأت أجيال تتلقى أجزاءً متفرقة من الإسلام ولا تملك أدوات جمعها في تصور متكامل.
ويطبق تشخيصه على الخلافات المعاصرة بين المنتسبين إلى الاتجاهات الإسلامية؛ فينتقد انتقال الخلاف إلى تبادل أحكام التكفير والتفسيق والتبديع والاتهامات، مع أن كثيرًا ممن يتصدرون هذه المنازعات لا يملكون أدوات الاجتهاد الذي ملكها الأئمة السابقون. كما ينتقد من يزعم الاستغناء عن التقليد لمجرد الرجوع إلى بعض كتب الحديث، ثم يقلد أصحاب تلك الكتب في تصحيح الأخبار وتضعيفها وفهم دلالاتها، من غير دراسة منهجية للغة وأصول الاستنباط وعلوم القرآن والسنة.
ولذلك يقترح في «سبيل النجاة» إعادة بناء التكوين العلمي نفسه: اختيار النابهين من أبناء الأمة وتعليمهم علوم الشريعة على أيدي علماء يجمعون بين المعرفة والتقوى وفهم المقاصد والكليات، مع الإفادة من المتخصصين في العلوم المعاصرة. ويطالب بإصلاح مسار الفكر الإسلامي حتى يفهم الإسلام من خلال غاياته وقواعده الكبرى ومراتب أحكامه، بدل تفتيته إلى مسائل منفصلة يتضخم بعضها حتى يحجب ما هو أولى منه. ويشدد على أن التعامل المباشر مع النصوص لا يستقيم بقراءة كتاب أو كتابين، بل يحتاج إلى العربية وعلوم الكتاب والسنة والناسخ والمنسوخ والعام والخاص والمطلق والمقيد وضوابط الاستنباط، في دراسة منهجية يقودها أهل الاختصاص.
وفي خاتمته يعيد ترتيب الأولويات التي ينبغي أن تحكم المختلفين: فهم جزئيات الشريعة في ضوء كلياتها ومقاصدها ومصالح العباد، والتمييز بين القطعي والظني في الثبوت والدلالة، وعدم الإنكار في المسائل التي يحتمل النص فيها أكثر من فهم معتبر، وحفظ أخوة الإسلام من أن تهدمها الفروع الاجتهادية. ويستشهد بسيرة السلف في ترك بعض ما يعدونه أفضل مراعاةً للائتلاف، من غير أن يجعل الحرص على الوحدة ذريعةً للتساهل في أصول الاعتقاد التي لا تدخل أصلًا في هذا الباب.
ويضيف إلى ذلك مراعاة تفاوت الناس في القدرة ومراتب العمل، ومعرفة الأسباب الحقيقية التي اختلف من أجلها الفقهاء السابقون، وإدراك أن مقصدهم كان طلب الحق لا الانتصار لأسمائهم ومذاهبهم. وينتهي إلى أصل يهيمن على ما قبله كله: تقوى الله تعالى في الوفاق والخلاف، والتجرد من الهوى، وفقه الدين، والحذر من أن تتحول المسائل التي وسع فيها الاجتهاد إلى أسباب لتبديد قوة الأمة. فالكتاب لا يجعل حسن الاختلاف مهارةً في المناظرة وحدها، بل خُلُقًا علميًا وإيمانيًا يبدأ بصحة النظر، ويظهر في إنصاف المخالف، وينتهي بحفظ الحق وحفظ الأخوة معًا.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:













