«الفصول في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم» تذكرة مختصرة وضعها ابن كثير في الأيام النبوية، قصد بها جمع ما تمس الحاجة إلى معرفته من نسب النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته وأعلام نبوته، مصرحًا بأنه يسوق ذلك «على سبيل الاختصار». وينقسم الكتاب إلى قسمين كبيرين؛ أولهما في سيرته صلى الله عليه وسلم وغزواته، ويبدأ بنسبه إلى عدنان وما قيل فيما وراءه، ثم ولادته ورضاعه ونشأته، وزواجه من خديجة رضي الله عنها، ومبعثه ونزول الوحي، والسابقين إلى الإسلام، وما لقيه المسلمون من الأذى، والهجرة إلى الحبشة، ومقاطعة بني هاشم وبني المطلب، وخروجه إلى الطائف، والإسراء والمعراج، وعرض نفسه على القبائل، وبيعتي العقبة، ثم الهجرة إلى المدينة واستقراره فيها والمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم وفرض الجهاد. وبعد ذلك يسير مع المغازي والبعوث على ترتيبها، فيذكر بدرًا وأحدًا والخندق وبني قريظة والحديبية وخيبر وفتح مكة وحنين وتبوك وغيرها، إلى حجة الوداع ومرض النبي صلى الله عليه وسلم ووفاته ودفنه. ولا يحول الاختصار دون ذكر ما يراه لازمًا لفهم الواقعة؛ فيثبت أعداد المشاركين، وأسماء القادة والشهداء، وما نزل من القرآن في بعض الأحداث، وما ترتب عليها من أحكام، وينقل اختلاف أهل المغازي في التواريخ والأعداد والتفاصيل، ثم يبين في مواضع كثيرة ما يراه صحيحًا أو مشهورًا، وما يعده ضعيفًا أو شاذًّا.
ويفرد ابن كثير القسم الثاني لأحوال النبي صلى الله عليه وسلم وشمائله وخصائصه، فيبدأ بحجه وعمره وعدد غزواته وبعوثه، ثم يعرض أعلام نبوته على سبيل الإجمال، ويجعل القرآن أعظمها، ويتناول طائفة من المعجزات والدلائل مع نقد ما يروى فيها؛ فيصرح أحيانًا بأن الخبر غريب أو منكر أو ضعيف، وقد يحكم على بعض المرويات بأنها لا تصح أو لا أصل لها، ويناقش علل أسانيدها وأحوال رواتها. ثم يجمع ما يتصل بحياته الخاصة من أولاده وأزواجه رضي الله عنهن ومواليه وخدمه وكتّاب الوحي ومؤذنيه ودوابه وسلاحه ورسله إلى الملوك، مع ترتيب بعض الأسماء بطريقة تسهّل معرفتها. ويتسع بعد ذلك في خصائص النبي صلى الله عليه وسلم وما اختص به في النبوة والرسالة والعبادات والمعاملات والنكاح والجهاد وغيرها من الأحكام، عارضًا أقوال الفقهاء ومستنداتها، ومناقشًا الأحاديث التي بُنيت عليها بعض تلك المسائل، فلا يثبت الخصيصة لمجرد ورود خبر فيها إذا لم يصح دليله. ويظهر في جميع ذلك منهجه الحديثي بوضوح؛ إذ لا يكتفي بسرد السيرة، بل يربط أخبارها بالقرآن والأحاديث والآثار، ويقارن بين الروايات، وينبه إلى مراتبها، ويستدرك على بعض أهل السير، فيقدم سيرة موجزة في حجمها، واسعة في تنوع مادتها بين التاريخ والمغازي والشمائل والدلائل والخصائص والأحكام.