يعرض ابن كثير في «السيرة النبوية» حياة النبي محمد صلى الله عليه وسلم في سياق يبدأ من البيئة العربية التي سبقت مولده، فيذكر أخبار العرب وأنسابهم وأقسامهم، وقريشًا وأحوال مكة وما اتصل بالجاهلية من وقائع وأخبار، ثم ينتقل إلى نسب النبي صلى الله عليه وسلم ومولده ونشأته وما سبق البعثة من أحداث. ويعرض بعد ذلك بدء الوحي والبعثة، وأوائل المؤمنين، والجهر بالدعوة وما لقيه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم من قريش، والهجرة إلى الحبشة، والإسراء والمعراج، وعرض الإسلام على القبائل وبيعة العقبة، ثم الهجرة إلى المدينة. وتتسع السيرة في العهد المدني لتفصيل الغزوات والسرايا والوقائع، وفي مقدمتها بدر وأحد والخندق، ثم الحديبية وخيبر وفتح مكة وحنين وتبوك، وما تخلل ذلك من العهود والرسائل والوفود وانتشار الدعوة، حتى حجة الوداع ومرض النبي صلى الله عليه وسلم ووفاته، مع ذكر ما يتصل بكل مرحلة من الأشخاص والأماكن والأحداث والروايات المختلفة فيها.
ويغلب على صنيع ابن كثير منهج المحدِّث؛ فلا يكتفي بأخبار أصحاب المغازي والسير، بل يضم إليها الأحاديث المسندة من دواوين السنة، ويكثر من النقل عن أحمد والبخاري ومسلم والبيهقي وأبي نعيم، إلى جانب ابن إسحاق وموسى بن عقبة وغيرهما. ويجمع طرق الخبر الواحد، ويقارن بين ألفاظ الروايات وتواريخ الوقائع، وينبه على الاختلاف بين أهل المغازي، وقد يحكم على الإسناد أو الحديث بالصحة أو الحسن أو الضعف أو الغرابة، ويبين تفرد بعض الرواة أو ما في الخبر من نكارة، كما يستشهد بالآيات والآثار والأشعار في مواضعها. ومن ثم لا تأتي السيرة سردًا زمنيًا مجردًا، بل تمتزج فيها رواية الحدث بنقد مادته الحديثية؛ فيعرض ابن كثير الأقوال المختلفة في تاريخ المولد مثلًا ويذكر مستنداتها، ويفصّل في وقائع بدر بأحاديثها وأعداد مَن شهدها، ويسوق في أحداث العهد المدني الروايات المتعددة للواقعة الواحدة ويعقب عليها، محافظًا على الصلة بين أحداث السيرة ومصادرها النقلية حتى نهاية حياة النبي صلى الله عليه وسلم.