يعرض ابن كثير في هذا الكتاب دلائل نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقسمها إلى دلائل معنوية وأخرى حسية؛ فيجعل القرآن في مقدمة الدلائل المعنوية، ويتكلم على إعجازه وتحدي الإنس والجن أن يأتوا بمثله أو بعشر سور أو بسورة منه، وعلى ما اشتمل عليه من فصاحة وبلاغة ونظم، وأخبار الأمم الماضية، والإخبار بما سيقع، والأحكام التي وصفها بالصدق في الخبر والعدل في الأمر والنهي. ويلحق بذلك أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته وأقواله وأفعاله وشريعته وما ظهر في أمته من دلائل صدقه. ثم ينتقل إلى المعجزات الحسية، فيبدأ بالسماوية، وفي مقدمتها انشقاق القمر، ويورد طرق الأخبار الواردة فيه عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم، ثم يذكر ما يتصل بالاستسقاء ونزول المطر بدعائه صلى الله عليه وسلم، قبل أن ينتقل إلى المعجزات الأرضية المتعلقة بالجمادات والحيوانات؛ كنبع الماء من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم، وتكثير الماء والطعام، وانقياد الشجر له، وحنين الجذع، وما ظهر من البركة في بعض الآبار والأطعمة، وما وقع في طريق الهجرة من خبر أم معبد رضي الله عنها وشاتها.
ويعتني ابن كثير بإثبات المعجزة من جهة الرواية، فيسوق للخبر طرقه المختلفة، ويذكر مَن رواه من الصحابة رضي الله عنهم ومَن أخرجه من أصحاب الحديث، ويقارن الأسانيد والألفاظ، ويحكم على بعض الطرق بالصحة أو الجودة أو الغرابة والضعف، فلا يقبل كل ما رُوي في الباب لمجرد موافقته لموضوعه. ويظهر ذلك في خبر رد الشمس، إذ ناقش تصحيح بعض أهل العلم له وردّه، واحتج بأن أمرًا بهذه الشهرة لو صح لنُقل نقلًا يليق به، كما فرّق في خبر حنين الجذع بين أصل الحنين الذي عدّ طرقه مفيدة للقطع، وبين بعض الزيادات التي لم يثبت إسنادها عنده. ويتوسع بعد المعجزات المشاهدة في إخباره صلى الله عليه وسلم بالمغيبات التي وقعت بعده؛ فيورد أخبارًا عن الفتن والخوارج، ومقتل علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وسيادة الحسن بن علي رضي الله عنه، وغزو البحر، وما وقع في الدول والوقائع اللاحقة، ثم يعقد أبوابًا للموازنة بين ما أُعطيه صلى الله عليه وسلم وما أُعطي الأنبياء قبله، فيذكر نوحًا عليه السلام وإبراهيم عليه السلام وموسى عليه السلام وداود عليه السلام وسليمان عليه السلام وعيسى عليه السلام وغيرهم، وينتهي بما تيسر له من الأخبار الغيبية التي تحقق وقوعها إلى زمنه، معدًّا تحققها من دلائل النبوة.