يتناول عبد الملك بن محمد بن عبد الرحمن القاسم في هذا الكتاب تعلُّق الإنسان بالحياة الدنيا وما يورثه طول الأمل والحرص على المال من غفلة عن الموت والحساب، مستعينًا بآيات القرآن الكريم والأحاديث وأقوال الصحابة رضي الله عنهم والسلف وأخبار الزهاد والحكماء والأشعار التي تصور سرعة انقضاء العمر وتقلب الأحوال. ويقرر منذ المدخل أن الدنيا دار ممر والآخرة دار مقر، وأن صورتها الأقرب هي صورة المسافر الذي يستريح قليلًا في ظل شجرة ثم يتركها، ومن هنا تتكرر في الكتاب معاني الغربة والسفر والزاد وقصر الأمل؛ فالإنسان تسوقه الأيام إلى أجله وإن ظن أنه مقيم، وكل يوم يمضي ينقص من عمره ولا يعود. ولا يدعو المؤلف إلى ترك المال والعمل أو إهمال حاجات الحياة، بل يفرق بوضوح بين التعلق بالدنيا وبين الانتفاع بها؛ فجمع المال من الحلال وإنفاقه في الحلال عبادة، والدنيا تمد الإنسان بما يحفظ بدنه ويعينه على السير إلى الله تعالى، والمذموم أن يتجاوز حاجته إلى الشره أو يجعل المال غاية تشغله عن المقصود. ولهذا يضرب مثل الراحلة التي يحتاج المسافر إلى إطعامها لتبلغه غايته، لكن من انشغل بعلفها وزينتها حتى رحلت القافلة عنه ضيع السفر كله، ويجعل الطريق المعتدل أن يأخذ الإنسان من الدنيا ما يصلحه ويستعين به على الآخرة. ويؤكد هذه الموازنة بأخبار من جمعوا بين التجارة والزهد؛ فابن المبارك يعلل اشتغاله بالبضائع بأنه يصون بها وجهه ويكرم عرضه ويستعين بها على طاعة ربه، ويذكر المؤلف وجوهًا نافعة للمال من الصدقة وإغاثة الملهوف ورعاية الأرامل وكفالة الأيتام. ولذلك لا يكون الزهد عنده فقرًا مقصودًا لذاته، وإنما قصر للأمل، وقناعة بما قسم الله تعالى، وخفة تعلق بما في أيدي الناس، وتقديم الآخرة على الدنيا؛ فالإنسان قد يملك المال ولا يكون المال مالكًا لقلبه، وقد يحرم منه ويبقى قلبه معلقًا به. ويعرض في هذا السياق أقوالًا تصف الدنيا بأنها ككفتي ميزان مع الآخرة، وأن زيادة التعلق بإحداهما تضعف الأخرى، كما يكرر التنبيه إلى أن الشقاء لا يرتبط بقلة المال ولا السعادة بكثرته، ويقارن بين رجل ثري أثقلته هموم ماله ومؤذن محدود الحال يعيش راضيًا بنعمة الله تعالى وأهله، ليجعل القناعة والغنى القلبي أصدق من كثرة الممتلكات في قياس راحة النفس. وتتحول هذه المعاني إلى نقد مباشر لمظاهر التنافس على الدنيا: الفرح بزيادة المال والحزن على نقصه أكثر من الفرح بزيادة الدين أو الحزن على نقصه، والانشغال بالسعي والشراء والجمع مع التهاون في الصلاة والخشوع ومواسم الطاعة، وتعظيم أصحاب المال وإهمال أهل الصلاح، وقطع الأرحام والخصومات وأكل الحقوق من أجل حطام ينتهي كله عند القبر. وفي مقابل هذا الانكباب يستحضر الكتاب نماذج ممن كانت عبادتهم واستعدادهم للموت على حال لو قيل لأحدهم إن القيامة غدًا لما وجد ما يزيده في عمله، ليعيد توجيه معنى النجاح من كثرة ما يملكه الإنسان إلى مقدار ما يقدمه أمامه.
ويمضي الكتاب في تعميق معنى الرحيل باستحضار الموت بوصفه الكاشف الأكبر لحقيقة الدنيا؛ فالأعمار مراحل يقطعها الإنسان بأنفاسه، والموت متوجه إليه والدنيا تطوى من ورائه، ومن تأمل هذا السفر احتاج إلى زاد التقوى والعمل الصالح ورد المظالم والتوبة قبل أن ينقطع زمن العمل. ويكثر القاسم من صور انقلاب الغنى والملك والفقر والصحة والمرض، ويورد قصة فخر الدولة الذي خلّف أموالًا وجواهر وأمتعة ضخمة ثم لم يوجد عند موته كفن حاضر له، لتظهر المفارقة بين ما يجمعه الإنسان وما يصحبه فعلًا عند مفارقته الدنيا. كما يستحضر تقلّب بيوت الملك والعز إلى الذل والحزن، وقصة هند بنت النعمان وأختها وما شهدتاه من انتقال أهلهما من أعز الناس إلى حال يرثى لها، ليجعل تبدل الأحوال شاهدًا عمليًا على عنوان الكتاب نفسه: فما يبدو ثابتًا يمكن أن يزول في يوم واحد. وتتكرر المقارنة بين من ينفق دنياه في آخرته ومن ينفق آخرته في دنياه؛ فأبو عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل رضي الله عنهما يوزعان ما وصل إليهما من المال على المحتاجين حتى لا يكاد يبقى منه شيء، ويعقب المؤلف بأن من ثمرات خفة التعلق بالدنيا الراحة عند الموت والسلامة من الحقوق والتبعات. وينبه كذلك إلى أن حب الدنيا قد يظهر في مقاييس الناس ومعاملاتهم، وفي شدة أسفهم على المال دون العمر، بينما ينقص العمر ليلًا ونهارًا ولا يثير في النفس ما يثيره نقصان الأموال. ويقابل هذا بذكر الموت والوقوف بين يدي الله تعالى، وباستحضار الجنة والنار؛ فكلما كان الرجاء في الجنة والخوف من النار حاضرًا قويت الهمة في الطاعة وخف سلطان الشهوة، ويورد عن مالك بن دينار أن أطيب ما يفوته أهل الدنيا إذا انغمسوا فيها هو معرفة الله تعالى. ولا ينحصر العلاج في الخوف، إذ يحضر الرجاء في رحمة الله تعالى في آخر الكتاب بعد مشاهد التقصير والموت والحساب؛ فيذكر من المعاني أن العبد يعمل ويجاهد نفسه ثم يرجو رحمة أرحم الراحمين، ويورد قول يحيى بن معاذ: «إن غفرت فخير راحم، وإن عذبت فغير ظالم»، بعد أن ساق تحذير سفيان الثوري من حسرة من ملك المال فلم يتصدق به ثم ورثه غيره فتصدق منه، ومن العالم الذي لم ينتفع بعلمه فانتفع به غيره. ويستقر مقصد الكتاب عند إعادة تعريف قيمة الدنيا نفسها: فهي مذمومة حين تستعبد القلب وتصد عن الله تعالى، ومحمودة حين تكون مزرعة للآخرة وموسمًا للطاعات ووسيلة إلى الصدقة والعلم والعبادة؛ ولذلك يصفها في موضع بأنها «دار صدق لمن صادقها، ودار نجاة لمن فهم عنها، ودار غنى لمن تزود منها»، فلا يقع الخلل في وجود الدنيا وإنما في الوجهة التي يتخذها الإنسان فيها. وتأتي الخاتمة القرآنية بمثل الحياة الدنيا كماء أنزل من السماء فاختلط به نبات الأرض ثم صار هشيمًا تذروه الرياح، فتجمع صورة الزوال السريع ما توزعت فيه أخبار الكتاب وأشعاره ومواعظه: العمر قصير، والمال عارية، والنعمة متقلبة، والعمل هو الزاد الباقي، ومن وعى ذلك أخذ من الدنيا ما يعينه على الطاعة واستعد بها للدار التي لا ينقطع نعيمها.