يعرض سعيد بن علي بن وهف القحطاني في هذا الكتاب الأخلاق بوصفها صفات راسخة في النفس تظهر آثارها في السلوك، ويميز بين ما يكون منها فطريًا وما يكتسب بالتدريب والممارسة حتى يصير ملكة، ثم يرتب رسالته في 22 مبحثًا تجمع تعريف حسن الخلق وفضائله وطرق اكتسابه وفروعه، قبل تفصيل مجموعة من الأخلاق والصفات المتصلة بحياة المسلم والداعية. ويبين فضائله من كمال الإيمان، والقرب من النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة، وثقل الميزان، وبلوغ منزلة الصائم القائم، واجتماع خصال البر والخير، واستجلاب محبة الناس، والفوز بالجنة والنجاة من النار، كما يبرز أثر حسن الخلق في الدعوة إلى الله تعالى؛ فاللين والتواضع والصدق وحسن المعاملة تفتح القلوب، بينما تنفر الفظاظة والغلظة الناس ولو كان صاحبها يحمل علمًا نافعًا. ويجمع تحت حسن الخلق طائفة واسعة من الصفات كالحلم والأناة والكرم والعفو والرفق والصبر والعدل والصدق والإخلاص والرحمة والتواضع والشجاعة والأمانة، وينقل أن أصول الأخلاق الفاضلة ترجع إلى الصبر والعفة والشجاعة والعدل. ثم يشرح اكتساب الأخلاق بالمجاهدة والتدريب ومخالفة هوى النفس، وبصحبة الصالحين والعيش في البيئة التي تعين على الخير، لتتحول الممارسة المتكررة إلى طبع ثابت. ويبدأ تفصيل الفروع بالجود، فيرتبه في 10 مراتب تشمل الجود بالنفس والرياسة والراحة والعلم والجاه والبدن والعرض والصبر وحسن الخلق وترك التطلع إلى ما في أيدي الناس، ويكثر من الاستشهاد بجود النبي صلى الله عليه وسلم وتأليفه القلوب بالعطاء، ومن ذلك ما يورده عن صفوان بن أمية والمرأة صاحبة المزادتين. وبعده يتناول العدل في الولاية والقضاء والمعاملات والأسرة وحتى مع الخصوم، مستشهدًا بقصة المرأة المخزومية التي لم يقبل النبي صلى الله عليه وسلم الشفاعة في حدها، ثم التواضع وآثاره في رفعة صاحبه وقربه من الناس، والإخلاص بوصفه تصفية العمل لله تعالى من الرياء والسمعة، مع بيان مركزية النية وأن العمل لا يستقيم إلا بإخلاص القصد وصحة المتابعة. ويناقش الصدق باعتباره مصدر الثقة والطمأنينة بين الداعية والناس، ثم القدوة الحسنة التي تتطلب موافقة العمل للقول والاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، والعلم النافع الذي لا يكتمل بمجرد المعرفة حتى يصاحبه العمل والإخلاص والمتابعة.
ويتجه النصف الآخر من الكتاب إلى الصفات التي تضبط حسن التصرف في الناس والمواقف؛ فيبحث الحكمة بمعاني الإتقان والعلم ووضع الأمور في مواضعها، وينبه إلى أنها أوسع من مجرد اللين، فقد تكون بالرفق والحلم، أو بالموعظة التي تجمع الترغيب والترهيب، أو بالجدال الحسن القائم على الحجة، بحسب حال المخاطب وما يصلحه. ثم يتناول السلوك الحكيم بوصفه المظهر العملي للأخلاق، والاستقامة التي تجمع الثبات على الدين والطاعة، والخبرات والتجارب التي تنمي حسن التقدير ومعرفة أحوال الناس، ويطالب الداعية بأن يستفيد من التجربة المتكررة حتى يحسن اختيار الأسلوب والموقف. ويتبع ذلك بالسياسة الحكيمة في تأليف القلوب وحسن التدبير واختيار الوسيلة المناسبة، مستعرضًا نماذج من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم في استعمال المال والجاه والعفو والإحسان والصبر واللين بحسب المصلحة، ثم يخصص مبحثًا لإنزال الناس منازلهم، فيؤكد ضرورة معرفة عقولهم ومستوياتهم وطبائعهم وأحوالهم قبل مخاطبتهم حتى لا يكون الخطاب سببًا في نفورهم أو فتنتهم. وبعد ذلك يشرح الحلم بوصفه ضبط النفس عند الغضب مع القدرة، ويربطه بالعفو وكظم الغيظ، ويضعه مع العلم والأناة ضمن أركان الحكمة العملية، ثم يعرف الأناة بأنها التثبت والتصرف بين العجلة والتباطؤ، ويحث على التروي في الحكم واتخاذ المواقف. ويأتي الرفق واللين بمعنى لطف القول والفعل والأخذ بالأيسر وكثرة الاحتمال وعدم المبادرة إلى التعنيف، مع التمييز بين المداراة المشروعة والمداهنة المذمومة، ويورد لذلك مواقف تطبيقية، منها معالجة النبي صلى الله عليه وسلم للشاب الذي استأذنه في الزنا، ورفقه بمن بال في المسجد، وطريقته في الرد على اليهود، كما يعرض نموذج صلة بن أشيم في الإنكار بلطف بدل الشتم والإغلاظ. ثم يخص الصبر ببيان معناه في حبس النفس عن الجزع واللسان عن التشكي والجوارح عن التصرفات المذمومة، ويشير إلى مجالاته وضرورته لتحمل المشاق والثبات، قبل أن يختم موضوعات الكتاب بالرحمة، مركزًا على رحمة النبي صلى الله عليه وسلم بالإنس والجن والمؤمن والكافر والحيوان، وعلى الرحمة بالناس عامة بوصفها خلقًا جامعًا ينعكس في حسن المعاملة والعفو والرفق والرعاية، فتلتقي خاتمة الكتاب مع بدايته في أن حسن الخلق ليس صفة منفردة، بل منظومة من أعمال القلب والسلوك تتجسد في تعامل الإنسان مع ربه ومع نفسه ومع الناس.