يعالج سعيد بن علي بن وهف القحطاني في هذا الكتاب الخشوع من جوانبه الإيمانية والفقهية والسلوكية والتطبيقية، ويقسم مادته إلى 21 مبحثًا تبدأ بالمفهوم والفروق والفضائل والحكم وتنتهي بأسباب تحصيل الخشوع وآدابه العملية. ويعرّف الخشوع بعد استعراض دلالاته اللغوية بأنه لين القلب وخضوعه ورقته وسكونه وحضوره عند طاعة الله تعالى، بحيث تتبع الجوارح القلب ظاهرًا وباطنًا، ثم يميز بين خشوع الإيمان النابع من تعظيم الله تعالى وإجلاله ومحبته وخوفه والحياء منه، وخشوع النفاق الذي يظهر في هيئة الجسد تصنعًا مع غفلة القلب. ويصل الخشوع بالعلم النافع والعمل الصالح، مستدلًا بالآثار التي تصف ذهاب الخشوع بأنه من أوائل ما يفقد من العلم، ويعرض فضائله من مغفرة الذنوب وتكفير السيئات والفلاح والسعادة ودخول الجنة وما أعده الله تعالى للخاشعين من الأجر، ويؤكد أن الثواب في الصلاة يتفاوت بمقدار حضور القلب وفهم المصلي لما يقول ويفعل. ثم يفصل الفروق بين الخشوع والوجل والقنوت والسكينة والإخبات والطمأنينة، فيقرب دلالاتها مع إبراز خصوصية الخشوع بحضور القلب وسكون الظاهر والباطن حال العبادة، ويقرر وجوب الخشوع في الصلاة، ويربطه بإقامتها الكاملة؛ لأن إقامة الصلاة تشمل إتمام شروطها وأركانها وواجباتها والطمأنينة فيها، والعجلة والنقر يناقضان السكون الذي يثمر الخشوع. ويبحث الوسوسة وما تفعله بالقلب أثناء الصلاة، ثم يحذر من تضييع الخشوع وما يجر إليه من نقص الركوع والسجود والطمأنينة وسرقة الصلاة، ويقابل ذلك بصورة الصلاة التي تصبح قرة للعين وراحة للقلب لما فيها من المناجاة والإقبال على الله تعالى، مستشهدًا بقول النبي صلى الله عليه وسلم في جعل قرة عينه في الصلاة. ويقسم المصلين إلى 5 مراتب: مفرط يضيّع الحدود والأركان، ومحافظ على الظاهر مستسلم للوساوس، ومجاهد لها، ومصل يستغرق قلبه في إحكام الصلاة وحقوقها، ثم من يضع قلبه بين يدي الله تعالى ممتلئًا بمحبته وتعظيمه ومراقبته، وهي أعلى المراتب. ويعقب ذلك بنماذج من خشوع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم الصحابة رضي الله عنهم كأبي بكر وعبد الله بن الزبير وغيرهما، والتابعين ومن بعدهم كعروة بن الزبير وعامر بن عبد قيس وعلي بن الحسين ومسلم بن يسار وحاتم الأصم والبخاري، ويورد أخبار بكائهم وسكونهم واستغراقهم في الصلاة لتقريب المعنى العملي للخشوع. ويخصص مبحثًا لتأثير القرآن في القلوب داخل الصلاة وخارجها، فيتتبع البكاء والتأثر والتدبر في القرآن عند النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله عنهم والسلف، ويربط قوة هذا التأثر بمعرفة الله تعالى ومعرفة ما أخبر به من الآخرة.
ويزداد الجانب العملي وضوحًا حين يقسم الخشوع الكامل إلى 3 درجات: أن يقرأ المصلي الأذكار والآيات مستحضرًا معانيها، ثم أن يستحضرها ويتأثر بها، ثم أن يبلغ تأثره بالمعاني مبلغًا تستحضر فيه حقائق الوعد والوعيد والجنة والنار بالقلب حتى تدفعه الآيات إلى السؤال والاستعاذة والتسبيح بحسب معانيها. ويذكر من فوائد الخشوع أنه يجعل الصلاة محبوبة يسيرة، ويقوي أثرها في النهي عن الفحشاء والمنكر، ويورث البكاء من خشية الله تعالى، ويزيد الإيمان، ويعين على تكفير السيئات وإتمام العبادة، حتى يصل إلى التلذذ بالصلاة وحلاوة المناجاة وراحة القلب بها. ثم يخصص المبحث الأخير لـ53 سببًا تزيل الغفلة وتجلب الخشوع، ويبدأها بمعرفة الله تعالى وعلاج قسوة القلب والابتعاد عن الوسوسة، ثم متابعة المؤذن والتزام آداب المشي إلى الصلاة، ويتوسع في إزالة الملهيات الحسية: ترك الالتفات ورفع البصر والعبث بالجوارح وتشبيك الأصابع وفرقعتها، وعدم الصلاة بحضرة الطعام أو مع مدافعة الأخبثين أو عند غلبة النوم، واتخاذ السترة والدنو منها، وضبط النظر والحركات وهيئة المصلي حتى تتجه الجوارح كلها إلى العبادة. وبعد الأسباب المتعلقة بالهيئة ينتقل إلى ما يوقظ القلب نفسه؛ فيذكر علم المصلي بأنه يناجي الله تعالى وأن الله يجيبه، والاستعاذة من الشيطان، وتدبر القرآن وتحسين تلاوته، والمحافظة على سنن الصلاة القولية والفعلية، وذكر الموت، والحذر من الغفلة، وسؤال الله تعالى الخشوع، واستحضار أن نصيب العبد من صلاته متعلق بما عقل منها، وتأمل خشوع النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين، ومعرفة ما جاء في الترغيب في الخشوع والتحذير من تركه. وتتكامل هذه الأسباب بفهم معاني أفعال الصلاة وأقوالها، والتنويع في أدعية الاستفتاح والقراءة والأذكار حتى لا تتحول الصلاة إلى ألفاظ معتادة، والاجتهاد في الدعاء في مواضعه، وإحسان الطهور، والمحافظة على صفة الصلاة كاملة، ثم دوام الأذكار بعد الفرائض والسنن الرواتب قبلها وبعدها. ويشرح في آخر هذه الأسباب أن الرواتب القبلية تهيئ القلب للفريضة وتوقظه للخشوع، وأن الرواتب البعدية تجبر ما يقع في الصلاة من نقص وخلل، فتتصل وسائل الخشوع عنده بما يسبق الصلاة وما يجري داخلها وما يتبعها، ويصبح تحصيله مجاهدة مستمرة تجمع معرفة الله تعالى، وحضور القلب، وتدبر الأقوال والأفعال، وإبعاد الشواغل، والاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في أداء الصلاة كاملة بطمأنينة وإقبال.