يتحدث صالح بن غانم السدلان في هذا الكتاب عن التوبة بوصفها رجوعًا كاملًا عن طريق المعصية إلى طاعة الله تعالى، فيبدأ بتحديد معناها اللغوي والشرعي؛ فهي ترك الذنب مخافة الله تعالى واستشعارًا لقبحه، مع الندم والعزم على عدم العودة وتدارك ما يمكن تداركه، ثم يبين أن حقيقتها تتجاوز مجرد الامتناع عن الفعل إلى تحول داخلي يظهر في القلب والجوارح: ندم وإنابة، وإقلاع عن الذنب، وإقبال على الطاعة والعمل الصالح. ويتتبع معاني التوبة في القرآن الكريم من الندم والتجاوز والرجوع، ثم يعرض فضلها وما تفتحه للمذنب من الرجاء والمغفرة والجنة، وما يربطه بالاستغفار من البركات والخيرات، مؤكدًا أن باب الرجوع إلى الله تعالى لا ينبغي أن يحجبه اليأس مهما عظم الذنب. ويشدد على وجوب المبادرة بالتوبة فور وقوع المعصية، حتى إنه يعد تأخيرها ذنبًا آخر يحتاج إلى توبة، لأن التسويف قد يستمر إلى حضور الموت حين تتحول التوبة إلى اضطرار بعد زوال إمكان الاختيار والعمل، كما ينتهي وقت قبولها العام بطلوع الشمس من مغربها. ثم يفصل شروط التوبة فيجعلها قائمة على الإخلاص لله تعالى وموافقة السنة، والإقلاع عن المعصية، والندم عليها، والعزم الجازم على عدم العودة، وترك الإصرار، وإثبات الرجوع بالعمل الصالح، والاستمرار عليه، ووقوع التوبة في زمن القبول، مع رد حقوق الناس أو التحلل منها بحسب نوع الحق. ويوسع مفهوم التوبة لتشمل التقصير في الحسنات وترك ما ينبغي للعبد أن يفعله من الطاعات، بل يذكر مرتبة أدق هي خوف الصالح من نقص عمله أو عدم قبوله بعد أدائه. وبعد ذلك يميز بين الذنوب المتعلقة بحق الله تعالى والذنوب المتعلقة بحقوق الآدميين؛ فما أمكن استدراكه من واجب وجب تداركه، وما كان متعلقًا بمال أو مظلمة لم يكف فيه الندم وحده، بل يحتاج إلى رد الحق إلى صاحبه أو معالجة أثره على الوجه الممكن.
ويتجه القسم الآخر من الكتاب إلى تطبيق هذه القواعد على أجناس الذنوب ومسالك الثبات بعد التوبة؛ فيعرض التوبة من الشرك والكفر والنفاق والفسوق والبدع والزنا والقذف والربا والظلم، مبينًا أن لكل ذنب مقتضى يناسبه من تصحيح الاعتقاد أو الإقلاع أو رد المال أو إصلاح الضرر، مع تأكيد خاص على حقوق العباد وما تستلزمه من أداء المظالم. ثم يبحث وسائل إزالة تعلق القلب بالذنب، فيجمع بينها العلم الذي يبدد الجهل، والصبر الذي يقاوم غلبة الشهوة، والاعتصام بالله تعالى وبالقرآن، واستحضار عواقب المعصية والحساب والموت، وتحري الحلال، ومفارقة قرناء السوء، والاستعاذة من الشيطان، وملازمة الاستغفار، وضبط فضول النظر والكلام والطعام، وإتباع السيئة بالحسنة. ويناقش كذلك توبة من أصبح عاجزًا عن ممارسة المعصية، فيصححها إذا انصرف قلبه عن إرادتها ونفر منها ولم يبق متمنيًا لها لو عادت إليه القدرة. ثم يذكر وسائل تعين على دوام التوبة، مثل تدارك العبادات، ومحاسبة النفس، وصدق النية، ومفارقة مواطن الذنب، وصحبة الصالحين، ورد المظالم، والعمل الصالح، ويقابلها بأسباب تصرف الإنسان عنها، منها الاتكال على سعة رحمة الله تعالى مع الإصرار، ولذة الشهوة العاجلة، والتسويف، والانشغال بالمال، والغفلة، والجهل، واستصغار الذنب. ويضع للتائب الصادق علامات عملية، من أبرزها الإقلاع الحقيقي، وتدارك ما فات، وشدة الندم، وتحسن حاله بعد الرجوع، واستمرار الخوف من الله تعالى، وتذكر قرب الموت، ومحبة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين. ثم يفرق بين التوبة الخاصة من ذنب بعينه والتوبة العامة التي تستوعب جميع الذنوب، ويصور «التوبة التامة» في صورة رجوع يشمل القلب وكل جارحة؛ فللعين والسمع واليد وسائر الأعضاء نصيبها من الكف عن الحرام والتحول إلى الطاعة، مع أداء الفرائض ورد المظالم. وفي المسائل الأخيرة يناقش رجوع التائب إلى الذنب، ويرجح أن التوبة الصحيحة تمحو الإثم السابق، فإذا عاد المرء إلى المعصية كان عليه إثم جديد يحتاج إلى توبة جديدة، ثم يقسم التائبين إلى 4 مراتب تبدأ بمن يستقيم على توبته حتى الموت، وتمر بمن يزل ثم يجدد ندمه، وتنتهي بمن تستولي عليه الشهوة حتى تضعف أو تنعدم إرادة الرجوع، ويختم بالدعاء بتزكية النفس والمغفرة والرحمة والثبات على الصراط المستقيم.