يربط خالد بن حامد الحازمي في «التربية الإبداعية في منظور التربية الإسلامية» بين نهضة الأمة وبين تربية العقل القادر على الابتكار والإتقان والتطوير، واضعًا الإبداع داخل مسؤولية أخلاقية وشرعية تحدد وجهة المعرفة والاختراع وآثارهما في الإنسان والمجتمع. ويبدأ من حاجة الأمة إلى القوة في الاقتصاد والصناعة والزراعة والطب والإدارة وغيرها، ويرى أن هذه القوة تحتاج إلى تنمية الجانب الإبداعي إلى جانب التربية العقدية والتعبدية والخلقية، لأن القدرة العقلية إذا وجدت التوجيه الصحيح أمكن أن تتحول إلى إنتاج نافع، أما المعرفة والمهارة حين تنفصلان عن الضوابط فقد تسخران في وسائل الإفساد والتدمير. ويخصص المبحث الأول لـ«الإبداع في منظور التربية الإسلامية»، فيعرفه بالاختراع والابتكار والإتيان بالجديد، ويوسع مجالاته لتشمل التقنية والإدارة والاقتصاد والمهن والبحث العلمي وحل المشكلات، ثم يسوق نماذج يراها دالة على حضور الإبداع في التاريخ الإسلامي: نشأة علوم كأصول الفقه والعروض والإعراب، وما يذكره من منجزات المسلمين في الصيدلة والتشريح والرياضيات، ومشورة الحباب بن المنذر رضي الله عنه في بدر، واقتراح سلمان الفارسي رضي الله عنه حفر الخندق، وصناعة المنبر، وتوجيه المواهب الشعرية عند حسان بن ثابت وكعب بن مالك وعبد الله بن رواحة رضي الله عنهم. ويستخلص من هذه النماذج قيمة اكتشاف استعدادات المتعلم وميوله، وتمكينه من المجال الذي يستطيع أن يتفوق فيه، مع توجيه مواهبه إلى ما ينفع. ثم يرسم للإبداع حدودًا واضحة؛ فمجال الدين مكتمل بأحكامه، بينما تتسع ميادين العلوم والمهن والوسائل للاختراع والتحسين، شريطة مراعاة الجانب الشرعي والخلقي. ومن هنا يناقش التوازن بين التوسع في التخصصات العلمية والتطبيقية وبين توجيه أصحابها أخلاقيًا، مستشهدًا بالأسلحة المدمرة والهندسة الوراثية مثالًا لما يمكن أن يفضي إليه التفوق العلمي إذا فقد وجهته. ويحدد بعد ذلك معوقات الإبداع في قلة العلم أو فساد المعلومة، والاعتماد على الآخرين، والاكتفاء بالمتاح مع إمكان الوصول إلى الأفضل، وضعف الإتقان، والاستغراق في الملذات، وغياب التشجيع، وإهمال الموهوبين، ثم يجعل من ثمار التربية الإبداعية الابتكار والتطوير وترتيب الأولويات وحسن الاختيار وتحقيق المنهج العلمي القائم على الدليل، والاستنارة بالشرع في توجيه الجهد البشري، والتحرر من التقليد غير البصير.
ويجعل الحازمي العقل محور النصف الثاني من البحث؛ ففي المبحث الثاني يفرق بين «عقل الإدراك» الذي تحصل به معرفة الأشياء والتمييز بينها، و«عقل الرشد» الذي يقترن فيه العلم بالعمل وقبول الحق، ثم يبحث موضع العقل وعلاقته بالقلب والدماغ، ويميز بين العقل الفطري الغريزي والعقل المكتسب الذي تنميه الخبرة والتعلم والدربة، وهو المجال الذي تستطيع التربية أن تؤثر فيه من خلال المناهج وطرائق التدريس المحركة للتفكير. وتظهر أهمية العقل في كونه مناط التكليف، ومن الضروريات التي حافظت عليها الشريعة، وأداة الإدراك والتعلم والنقد والتمييز، ثم يعرض المؤلف مواقف الناس منه: من رفع العقل والهوى حتى جعلهما حاكمين على الوحي، ومن أهمل التفكير والتدبر، ومن وضع العقل في مجاله مع تقديم الشرع والاستنارة به، وهو المسار الذي يتبناه في بناء التربية العقلية. ويحول المبحث الثالث هذه التصورات إلى وسائل تربوية عملية؛ فيبدأ بحفظ العقل من الانحراف عبر التمسك بالقرآن والسنة، والتحقق بالدليل، ومقاومة البدع والشبه والمسكرات والمخدرات، ومعرفة حدود القدرة العقلية، واحتضان المواهب العلمية وتوجيهها. وبعد الحفظ تأتي التنمية من خلال 10 وسائل تتدرج من تدبر آيات القرآن، والتأمل في الآيات الكونية، والنظر في عواقب الأفعال، وتنمية النقد والتمييز، ودراسة التاريخ لاستخراج السنن والعبر، وتفسير الأحداث في ضوء المرجعية الشرعية، إلى تدريب المتعلم على الاستقلال عن الاتكالية، وطلب العلم واستخدام الاستقراء والانتقال من الكلي إلى الجزئي والقياس والحفظ المصحوب بالفهم، ثم الحوار والمناقشة وضرب الأمثال؛ ويرى أن هذه الأساليب توسع الأفق وتدرب على الاستنباط والتحليل وربط الأسباب بالنتائج، في حين أن فرض الآراء والمعلومات بالقهر يضعف حسن التفكير. ويضع في نهاية هذا البناء 3 مجموعات من المفسدات: فكرية تشمل الشبه والتصورات التي يراها منحرفة وما يشغل العقل عن المعرفة النافعة، وحسية تشمل الخمور والمخدرات والمسكرات، ثم المعاصي واتباع الهوى بما يستنزف التفكير في الشهوات والحسد ومراقبة الآخرين. وتعيد الخاتمة جمع عناصر البحث في علاقة واحدة: الإبداع يحتاج إلى عقل محفوظ من أسباب الفساد، نامٍ بالتعلم والتدبر والتجربة والحوار، وموجه في إنتاجه بمرجعية شرعية؛ ولذلك يحمل المؤلف المدرسة والأسرة وسائر البيئات التربوية مسؤولية بناء الإنسان القادر على الجمع بين العبودية لله تعالى وعمارة الكون بالعلم والعمل النافع.