يعالج وحيد عبد السلام بالي في «الأمور الميسرة لقيام الليل» مشكلةً عمليةً حددها منذ المقدمة: أناس يحبون قيام الليل ويعرفون فضله، لكنهم لا يثبتون عليه؛ يقومون مرة ويفوتهم مرات، ثم يندمون على ما ضاع منهم. ولذلك لا يقتصر على الترغيب في التهجد، بل يبدأ بإحياء الدافع إليه، ثم يتتبع العوائق التي تصرف عنه، قبل أن يصل إلى الوسائل الظاهرة والباطنة التي تعين على المواظبة عليه. فيجمع أولًا الآيات والأحاديث والآثار الواردة في فضل قيام الليل، فيذكر وصف المتقين بقلة الهجوع والاستغفار بالأسحار، وتجافي جنوب المؤمنين عن المضاجع، وبيات عباد الرحمن سجدًا وقيامًا، وقيام النبي صلى الله عليه وسلم حتى تتورم قدماه، ثم يورد ما جاء في أن صلاة الليل من أسباب دخول الجنة، وأنها أفضل الصلاة بعد الفريضة، وأن في الليل ساعةً يرجى فيها إجابة الدعاء، وأن قيامه دأب الصالحين وقربة إلى الله تعالى ومكفرة للسيئات، وأن شرف المؤمن في قيامه بالليل. ويعقب ذلك ببيان ما يفعله الشيطان لصرف الإنسان عنه، فيشرح حديث العقد الثلاث التي يعقدها على قافية رأس النائم، وأن الذكر عند الاستيقاظ ثم الوضوء ثم الصلاة تحلها وتورث النشاط وطيب النفس، ثم يذكر وسائل التحصن قبل النوم: الوضوء، والوتر لمن خشي عدم الاستيقاظ، وقراءة المعوذتين، وآخر آيتين من سورة البقرة، وآية الكرسي، وشيء من القرآن، والتسبيح والتحميد والتكبير، والنوم على الجانب الأيمن، وأذكار النوم، والاستمرار في ذكر الله تعالى حتى يغلب النوم. ويورد في المقابل حديث من نام حتى أصبح وأن الشيطان بال في أذنه، ثم ينتقل إلى «أحب القيام إلى الله»، فيشرح قيام داود عليه السلام بالنوم نصف الليل وقيام ثلثه ثم نوم سدسه، ويبين أن أقل قيام الليل يتحقق بركعتين بعد العشاء، ويحث الزوجين على إيقاظ أحدهما الآخر. وبعد ذلك يعرض نماذج من اجتهاد السلف في التهجد؛ من قيام عائشة رضي الله عنها وزينب رضي الله عنها، وأبي بكر وعمر وأبي هريرة رضي الله عنهم، إلى أخبار الحسن بن صالح وأبي سليمان الداراني ومحمد بن واسع وأبي إسحاق الشيرازي ومالك بن دينار وأبي حنيفة، مستعملًا هذه الأخبار لإظهار اختلاف مقادير القيام مع اجتماعهم على المحافظة عليه.
ويفصل المؤلف بعد ذلك أسباب تميز عبادة الليل، فيجعلها أقرب إلى الإخلاص لبعدها عن أعين الناس، وأشق على النفس فتكون فيها المجاهدة أكبر، وأجمع للقلب على التدبر لقلة الشواغل، ويعد الليل وقتًا فاضلًا للرحمة والمناجاة، ثم يذكر من فوائد القيام تيسير أهوال الآخرة على العبد، وصفاء الروح وبهاء الوجه، وما يراه من أسباب الفتح والتوفيق في العلم والعمل. ويضع قبل الوسائل العملية جملةً من آداب قيام الليل: الوضوء قبل النوم مع نية القيام، واحتساب النوم للاستعانة به على الطاعة، وذكر الله تعالى عند الاستيقاظ، والسواك، والتوسط بين الجهر والإسرار في القراءة، واستحضار فضل الثلث الأخير، والتدبر في القراءة والذكر، وافتتاح القيام بركعتين خفيفتين. ثم يأتي القسم الذي يحمل الكتاب اسمه، فيقسم «الأمور الميسرة لقيام الليل» إلى ظاهرة وباطنة. فمن الظاهرة: تقليل الطعام والشراب وعدم بلوغ الشبع الذي يجلب ثقل البدن وكثرة النوم، وعدم إنهاك النفس نهارًا بما يعجزها ليلًا، والاستعانة بالقيلولة، وترك المعاصي التي يربط بينها وبين الحرمان من التوفيق للقيام، والابتعاد عن الترف الزائد في الفراش، وتقليل فضول النظر والكلام، والإكثار من ذكر الله تعالى، وتحري الحلال والبعد عن الحرام. أما الأمور الباطنة فتبدأ بسلامة القلب من الحقد والبدع واستغراقه في هموم الدنيا، ثم وجود خوف من الآخرة يطرد الغفلة، واستحضار فضل قيام الليل حتى يحمل الشوق إلى الثواب على تحمل المشقة، وتذكر لذة المناجاة والوقوف بين يدي الله تعالى، وقصر الأمل الذي يدفع إلى المبادرة بالعمل، وأخيرًا تذكر الموت والقبر وظلمته؛ فينتهي الكتاب لا عند برنامج زمني محدد لعدد الركعات والساعات، بل عند معالجة أصل الكسل والغفلة من داخل النفس وخارجها، بحيث يصبح قيام الليل ثمرةً لتنظيم الطعام والنوم والنهار، وصيانة الجوارح، وإصلاح القلب، واستحضار قصر الحياة.