يُدافع ابن الحاج القَناوي القِفطي في هذا الكتاب عن مذهب أهل السُّنَّة كما يقرره في القَدَر وخلق أفعال العباد، وقد صنفه جوابًا عن طلبٍ في جمع الآيات القرآنية الدالة على أن أفعال العباد داخلة في مشيئة الله تعالى وإرادته وخلقه، وأن نصيب الإنسان منها هو الاكتساب والمحاولة والنِّسبة، مع كون القدرة والتيسير والتوفيق والهداية بيد الله تعالى. ومن هذا الأصل ينطلق إلى تقرير أن ما يقع في العالم من خير وشر، وطاعة ومعصية، وإيمان وكفر، وهداية وضلال، لا يخرج عن علم الله تعالى وقدرته ومشيئته، مستدلًا بالآيات ومناقشًا تأويلات القَدَرية والمعتزلة والإمامية التي تخالف هذا الأصل عنده.
ويجعل المؤلف القرآن الكريم عمدةَ احتجاجه، فيتتبع آيات المشيئة والهداية والضلال والتوفيق وخلق الأعمال في سُوَر متعددة، ويقابل بين دلالاتها وبين اعتراضات مخالفيه. فيستدل بقوله تعالى: «وما تشاؤون إلا أن يشاء الله»، وبالآيات التي تُعلّق الإيمان والهداية بالمشيئة، ويحتج بأقوال الأنبياء عليهم السلام؛ كقول نوح عليه السلام في إرادة الله تعالى أن يُغوي قومه، وقول إبراهيم عليه السلام في افتقاره إلى الهداية، وقول موسى عليه السلام: «تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء». ويخصّص مساحةً للتمييز بين الأمر والإرادة، فيرفض جعلهما شيئًا واحدًا، ويستدل بقصة أمر إبراهيم عليه السلام بذبح ابنه مع عدم وقوع الذبح على أن المأمور به قد لا يكون هو المراد وقوعه، ومنها استمد عنوان كتابه الذي أراد به إفحام مناظريه في هذه المسألة.
ويفصّل في مسألة خَلْق أفعال العباد والكَسْب ليتجنب ما يراه طرفي الجبر والقَدَر، فيصف مذهبه بأنه طريق وسط بين المجبِرة والقَدَرية. ويفرق بين الحركة الاضطرارية، كارتعاش اليد، والحركة الاختيارية التي تصحبها إرادة الإنسان ومحاولته؛ فكلتاهما مخلوقة لله تعالى، غير أن الثانية تُنسب إلى العبد فعلًا وعملًا وكسبًا لاقترانها باختياره وقدرته الحادثة. ويقرر لذلك أن ما يكتسبه الإنسان «خلقٌ لله» و«كسبٌ للإنسان»، وأن الله تعالى يجري عادته بأن يخلق القدرة والفعل عند محاولة العبد واختياره. ويعضد ذلك بأمثلة حسية، وبالاستدلال بأن الإنسان لا يحيط بتفاصيل حركته وأجزائها وكيفياتها إحاطةَ الخالق بها، فيجعل قصور علمه بالفعل دليلًا على أنه ليس خالقه على الحقيقة.
ويتصل بهذه المسألة بحثُ العدل الإلهي والثواب والعقاب؛ فيرفض قياس تصرف الله تعالى في خلقه على تصرف المخلوق في ملك غيره، ويقرر أن الظلم لا يتصور في حق الله تعالى لأنه مالك الخلق جميعًا، ثم يناقش احتجاج المخالفين بالحكمة والعدل وما يثيرونه من أسئلة حول الهداية والإضلال والتكليف. ويختم بتقرير تكليفين متلازمين: أولهما الإيمان بنفوذ القَدَر وأن ما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه، وثانيهما التزام أوامر الشريعة ونواهيها وعدم اتخاذ القَدَر ذريعةً لترك الطاعة أو اقتحام المعصية؛ فلا يُبطِل الإيمان بالقَدَر العملَ والتكليف، ولا يفضي العمل بالأسباب إلى توهم خروج شيء عن المشيئة. ثم يختم الكتاب بدعاء يجمع بين الاعتراف بجريان المقادير، ونفي الاحتجاج بها على المعصية، وسؤال الله تعالى الإعانة على الطاعة والمغفرة؛ وبذلك يجمع المصنَّف بين الاستدلال القرآني، والجدل الكلامي، والمناظرات والأمثلة، وتحرير مفهوم الكَسْب لإثبات شمول المشيئة وخلق الأفعال مع إبقاء معنى الاختيار والتكليف.