اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:
أسرع موقع لقراءة وتحميل الكتب الإسلامية بشتى أقسامها PDF بروابط مجانية ومباشرة وسريعة
يجمع عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي في كتابه «آداب الشافعي ومناقبه» أخبارًا مسندة تكشف شخصية الإمام محمد بن إدريس الشافعي من جهات متشابكة: نشأته في طلب العلم، وتكوينه الفقهي، وصلته بالحديث، ومنهجه في الاستدلال والمناظرة، وورعه وعبادته وسخاؤه، وفصاحته ومعرفته باللغة والأنساب، ثم أقواله وآدابه وطائفة من مسائله الفقهية التي لم تدخل في كتبه. ولذلك لا تقتصر مادته على مناقب الثناء، بل تحفظ جانبًا مهمًّا من علم الشافعي وطريقته في النظر والتعليم والحياة.
ويفتتح ابن أبي حاتم بأخبار مولد الشافعي وبدايات طلبه، وفي الروايات التي يسوقها اختلاف في موضع ولادته، ثم تتفق على انتقاله صغيرًا إلى مكة ونشأته فيها. ويصور ما لقيه في أول أمره من قلة ذات اليد؛ فكان يحفظ ما يسمعه من العلماء ويكتب الحديث والمسألة على العظام والأكتاف لعدم قدرته على شراء ما يكتب فيه. ومن هذه البداية ينتقل إلى حفظه «الموطأ» وقراءته على مالك، وإلى اتصاله بمحمد بن الحسن ودراسته كتبه، وما بذله من مال وجهد في تحصيل العلم والنظر في مذاهب الفقهاء.
ويظهر الشافعي في هذه الأخبار شديدَ التعلّق بالطلب لا يستكبر عن أخذ الفائدة ممن وجدها عنده؛ حتى يعلق ابن أبي حاتم على كتابته الحديث عمن كان في سنه أو أصغر منه بأن حمله على ذلك حرصه على تحصيل الصحيح من العلم. ويورد كذلك ما يدل على سعة مطالعته وشدة اشتغاله، وما كان يكتبه إذا خطر له معنى في حديث أو مسألة ولو في أثناء الليل، حتى غدا التفكر والكتابة جزءًا من عادته العلمية.
ثم يجمع شهادات أهل العلم في فقهه ومكانته؛ فينقل عن مسلم بن خالد الزنجي الإذن له بالفُتيا وهو في سن مبكرة، وعن أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه والحميدي وغيرهم ما يدل على ما رأوه فيه من فهم الكتاب والسنة وقوة البيان والاستنباط. وتظهر منزلة الشافعي عند أصحاب الحديث خاصة في الأخبار التي تصف كيف وجدوا عنده سبيلًا للجمع بين معرفة الأثر وفقهه، وكيف دلّهم على وجوه الاحتجاج في مواجهة المسائل التي كان يعرضها أهل الرأي.
ويكشف الكتاب أن مركز منهجه العلمي كان الاحتكام إلى النص والحجة؛ فيكرر الشافعي أن الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم مقدَّم على قوله، وينهى أصحابه عن تقليده إذا ظهر لهم خلافه. ويقرر في أصول العلم أن الأصل قرآن أو سنة، ثم القياس عليهما عند عدم النص، ويظهر هذا الأصل عمليًّا في مناقشاته الفقهية؛ إذ لا يكتفي بنقل الحكم، بل يعود إلى الآية أو الحديث، ويفحص دلالة اللفظ، ويقارن النظائر، ويختبر لوازم الأقوال.
ويتصل بذلك عنايته بنقد الحديث ومعرفة طرقه ورجاله وعلله؛ فيورد ابن أبي حاتم بابًا في علل الحديث، ويحفظ عنه تصحيح بعض الأسانيد وتخطئة بعضها، والتنبيه على الانقطاع أو الغلط في أسماء الرواة وطبقاتهم. كما يبرز تواضعه في هذا الفن حين يقر لأحمد بن حنبل وأصحاب الحديث بمزيد معرفتهم بالرجال، ويطلب منهم أن ينبهوه إلى الحديث الصحيح أينما كان ليذهب إليه ويأخذ به.
ويخص ابن أبي حاتم بابًا لتواضع الشافعي وخضوعه للحق ونصحه للعلماء، فتظهر فيه صورة المناظرة التي لا غرض لها في إسقاط الخصم. فقد كان يكره أن يخطئ من يناظره، ويتمنى أن ينتشر العلم الذي عنده من غير أن يُنسب إليه، ويجعل النصيحة أساس المجادلة. وهذا المعنى يفسر جانبًا من موقفه من كتبه نفسها؛ فالمقصود عنده أن يصل العلم وينتفع به الناس، لا أن يبقى اسم صاحبه متعلقًا بكل فائدة أخذوها عنه.
ولا يفصل هذا التواضع عن دقة التلقي؛ فيشدد على السؤال عن الحجة ومصدرها، ويشبّه من يحمل العلم جُزافًا من غير تمييز بمن يجمع حطبًا في الليل قد تكون في حزمته أفعى لا يشعر بها. كما يحفظ الكتاب جملة من آرائه في السماع والرواية، وما يقال إذا قرأ المحدّث على الطالب أو قرأ الطالب عليه، وتحفظه في الإجازة، مما يجعل الكتاب شاهدًا على جانب من آداب التحمل العلمي في عصره.
ويعرض بعد ذلك ورعه وعبادته، فيروي عن كثرة تلاوته للقرآن، واجتهاده في رمضان، واحترازه في الأموال والمعاملات، وامتناعه عما يعتقد تحريمه ولو كان أمام أصحاب الجاه والمال. ويذكر زهده في الشبع لما يراه فيه من تثقيل البدن وإقساء القلب وإضعاف الفطنة والعبادة، كما يسوق أخبارًا تكشف شدة احتياطه في حقوق الناس؛ فلا يحمل إنسانًا تبعة مالية حتى يتبين عنده وجه استحقاقها.
ويعقب ذلك بسخائه وحسن خُلُقه، فتتتابع الأخبار عن إعانته أصحابه بالمال، وإكرامه جليسه، وبذله ما يصل إليه حتى لا يبقى معه إلا القليل. ويظهر أثر هذا الخُلُق في تلاميذه؛ إذ ينقل البويطي إلى الربيع وصية بالصبر للغرباء الذين يأتون لسماع كتب الشافعي، وحسن الخُلُق مع أهل الحلقة واحتمالهم، رابطًا ذلك بما كان يسمعه من أستاذه.
ويفرد المؤلف لفراسة الشافعي وفطنته بابًا، ويتصل به خبر رحلته في طلب كتب الفراسة وما اختبره بنفسه من بعض أوصافها. ثم ينتقل إلى معرفته باللغة وغريب الحديث والكلام، مستشهدًا بمن عدّه ممن تؤخذ عنهم العربية، ويورد تفسيراته لألفاظ لغوية وحديثية، وأسماء الشِّجاج وأسنان الإبل، فضلًا عن معرفته بأنساب قريش وبني هاشم. ولا تأتي هذه المعارف على هامش الفقه فحسب؛ فكثير منها يدخل مباشرة في فهم النصوص وتحقيق دلالاتها.
ويتسع الكتاب كذلك لأقوال الشافعي في العلماء والأمصار؛ فيحفظ كلامه في مالك وأهل المدينة، وسفيان بن عيينة وأهل مكة، وأهل العراق، وينقل ما عنده من معرفة بأخبار شيوخه واختلاف مناهجهم. كما يسوق قوله في الخلافة وبعض القضايا التاريخية والأنساب، فتتجاوز الترجمة حدود السيرة الشخصية إلى صورة من البيئة العلمية التي تحرك فيها الشافعي، والرجال والمدارس التي اتصل بها أو ناقشها.
ثم يخصص ابن أبي حاتم بابًا مستقلًا لـ«آداب الشافعي»، يجمع فيه كلمات ومواقف متفاوتة الموضوع تدل على نظرته إلى العقل والناس والمعاملة والنصيحة، وعلى صلته بتلاميذه وتقريبه لهم وثقته ببعضهم. ويبرز الربيع والبويطي في هذه الأخبار بوصفهما من خاصة أصحابه، حتى كان الشافعي يحيل بعض السائلين إلى البويطي ويقر جوابه، ويثني على خدمة الربيع ومحبتِه له. ويتخلل الباب شيء من شعر الشافعي ومحفوظاته وما جرى في حياته اليومية من مواقف صغيرة تحفظ تفاصيل شخصيته خارج مجلس الفقه والمناظرة.
ولا ينتهي الكتاب عند المناقب والآداب، بل يضم قسمًا كبيرًا بعنوان «مسائل الشافعي مما لم يُخرج من الكتب»، وهو من أثقل أقسامه مادةً علمية؛ إذ يجمع أجوبة وآراء في الوضوء والصلاة والصيام والمناسك، ثم الزكاة والسِّيَر والبيوع والعتق والنكاح والطلاق، فاللباس والأشربة والأضاحي والصيد والأطعمة والكفارات والفرائض، ثم الديات والضمان والرهون والعارية والمكاتَب والحدود والأحكام. وفي كثير من هذه المسائل لا يُنقل الحكم مجردًا، بل تظهر طريقة الشافعي في الاستدلال بالقرآن والسنة والقياس واللغة، وفي مراجعة قوله إذا بان له وجه أقوى.
ويختم الأصل المنسوب إلى ابن أبي حاتم بأقوال للشافعي في الطب، فينقل عنه تقسيمه العلم إلى علم للدين وعلم للدنيا، وجعله الفقه من الأول والطب من الثاني، ثم يورد عددًا من الملاحظات المتصلة بصحة البدن والدواء. وبعد تمام الكتاب أُلحق به نص من «صحيح ابن حبان» يجمع 3 كلمات للشافعي: تقديم الحديث الصحيح على قوله، وعدم محبته أن يخطئ من يناظره، وتمنيه أن يتعلم الناس كتبه من غير أن ينسبوها إليه.
وتتآزر هذه المواد لتظهر الشافعي عالمًا لا تنفصل عنده صناعة الفقه عن أخلاق الطلب؛ فإيثار الحديث الصحيح، والرجوع إلى الحجة، وعدم التعصب للقائل، والرغبة في إصابة المناظِر للحق، والتثبت في الرواية، كلها ليست مناقب منفصلة عن علمه، بل هي جزء من الطريقة التي مارس بها العلم نفسه. ومن هنا يصدق عنوان «آداب الشافعي ومناقبه» على الكتاب من جهتين: فهو يحفظ من شمائله وعبادته وسخائه ما يكشف خُلُقه، ويحفظ من أقواله ومسائله ما يبين كيف ظهرت تلك الآداب داخل البحث والفتوى والتعليم.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:
عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي، العلامة الحافظ، يكنى أبا محمد. ولد سنة أربعين ومائتين، أو إحدى وأربعين.
قال أبو الحسن علي بن إبراهيم الرازي الخطيب في ترجمة عملها لابن أبي حاتم: كان، رحمه الله، قد كساه الله نورًا وبهاء، يسر من نظر إليه.
سمعته يقول: رحل بي أبي سنة خمس وخمسين ومائتين، وما احتلمت بعد. فلما بلغنا ذا الحليفة احتلمت، فسر أبي حيث أدركت حجة الإسلام، فسمعت في هذه السنة من محمد بن أبي عبد الرحمن المقرئ.
قلت: وسمع من: أبي سعيد الأشج، والحسن بن عرفة، والزَّعْفَرَاني، ويونس بن عبد الأعلى، وعلي بن المنذر الطَّرِيقِي، وأحمد بن سِنَان، ومحمد بن إسماعيل الأَحْمَسِي، وحجاج بن الشاعر، ومحمد بن حسان الأزرق، ومحمد بن عبد الملك بن زَنْجُوَيْه، وإبراهيم المُزَنِي، والربيع بن سليمان المؤذن، وبحر بن نصر، وسَعْدَان بن نصر، والرَّمَادِي، وأبي زرعة، وابن وَارَة، وخلائق من طبقتهم، وممن بعدهم بالحجاز والعراق والعجم ومصر والشام والجزيرة والجبال. وكان بحرًا لا تكدره الدلاء.
روى عنه: ابن عدي، وحسين بن علي التميمي، والقاضي يوسف المَيَانِجِي، وأبو الشيخ ابن حيان، وأبو أحمد الحاكم، وعلي بن عبد العزيز بن مَرْدَك، وأحمد بن محمد البصير الرازي، وعبد الله بن محمد بن أسد الفقيه، وأبو علي حمد بن عبد الله الأصبهاني، وإبراهيم بن محمد بن يَزْدَاد، وأخوه أحمد، وإبراهيم بن محمد النَّصْرَآبَاذِي، وأبو سعيد بن عبد الوهاب الرازي، وعلي بن محمد القَصَّار، وخلق سواهم.
قال أبو يعلى الخليلي: أخذ أبو محمد علم أبيه، وأبي زرعة، وكان بحرًا في العلوم ومعرفة الرجال. صنف في الفقه، وفي اختلاف الصحابة والتابعين وعلماء الأمصار. قال: وكان زاهدًا، يعد من الأبدال.
قلت: له كتاب نفيس في «الجرح والتعديل»، أربع مجلدات، وكتاب «الرد على الجهمية»، مجلد ضخم، انتخبت منه، وله «تفسير» كبير في عدة مجلدات، عامته آثار بأسانيده، من أحسن التفاسير.
قال الحافظ يحيى بن مَنْدَه: صنف ابن أبي حاتم «المسند» في ألف جزء، وكتاب «الزهد»، وكتاب «الكنى»، وكتاب «الفوائد الكبير»، وفوائد «أهل الري»، وكتاب «تقدمة الجرح والتعديل».
قلت: وله كتاب «العلل» مجلد كبير.
وقال الرازي، المذكور في ترجمة عبد الرحمن: سمعت علي بن محمد المصري، ونحن في جنازة ابن أبي حاتم، يقول: قلنسوة عبد الرحمن من السماء، وما هو بعجب، رجل منذ ثمانين سنة على وتيرة واحدة، لم ينحرف عن الطريق.
وسمعت علي بن أحمد الفرضي يقول: ما رأيت أحدًا ممن عرف عبد الرحمن ذكر عنه جهالة قط.
وسمعت عباس بن أحمد يقول: بلغني أن أبا حاتم قال: ومن يقوى على عبادة عبد الرحمن! لا أعرف لعبد الرحمن ذنبًا.
وسمعت عبد الرحمن يقول: لم يدعني أبي أشتغل في الحديث حتى قرأت القرآن على الفضل بن شاذان الرازي، ثم كتبت الحديث.
قال الخليلي: يقال: إن السنة بالري ختمت بابن أبي حاتم، وأمر بدفن الأصول من كتب أبيه وأبي زرعة، ووقف تصانيفه، وأوصى إلى الدُّرُسْتِينِي القاضي.
وسمعت أحمد بن محمد بن الحسين الحافظ يحكي عن علي بن الحسين الدُّرُسْتِينِي، أن أبا حاتم كان يعرف الاسم الأعظم، فمرض ابنه، فاجتهد أن لا يدعو به، فإنه لا ينال به الدنيا. فلما اشتدت العلة، حزن، ودعا به، فعوفي، فرأى أبو حاتم في نومه: استجبت لك، ولكن لا يعقب ابنك. فكان عبد الرحمن مع زوجته سبعين سنة، فلم يرزق ولدًا. وقيل: إنه ما مسها.
وقال الرازي: وسمعت علي بن أحمد الخوارزمي يقول: سمعت عبد الرحمن بن أبي حاتم يقول: كنا بمصر سبعة أشهر، لم نأكل فيها مرقة، كل نهارنا مقسم لمجالس الشيوخ، وبالليل النسخ والمقابلة. قال: فأتينا يومًا، أنا ورفيق لي، شيخًا، فقالوا: هو عليل، فرأينا في طريقنا سمكة أعجبتنا، فاشتريناها. فلما صرنا إلى البيت حضر وقت مجلس، فلم يمكنا إصلاحها، ومضينا إلى المجلس، فلم نزل حتى أتى عليها ثلاثة أيام، وكادت أن تتغير، فأكلناها نيئة، لم يكن لنا فراغ أن نعطيها من يشويها. ثم قال: لا يستطاع العلم براحة الجسد.
قال الخطيب الرازي: كان لعبد الرحمن ثلاث رحلات: الأولى مع أبيه سنة خمسين، وسنة ست، ثم حج، وسمع محمد بن حماد في سنة اثنتين، ثم رحل بنفسه إلى السواحل والشام ومصر سنة اثنتين وستين ومائتين، ثم رحل إلى أصبهان في سنة أربع وستين، فلقي يونس بن حبيب.
سمعت الواعظ أبا عبد الله القزويني يقول: إذا صليت مع عبد الرحمن، فسلم إليه نفسك، يعمل بها ما شاء.
دخلنا يومًا بغلس على عبد الرحمن في مرض موته، فكان على الفراش قائمًا يصلي، وركع، فأطال الركوع.
ومن كلامه قال: وجدت ألفاظ التعديل والجرح مراتب: فإذا قيل: ثقة، أو متقن، احتج به. وإن قيل: صدوق، أو محله الصدق، أو لا بأس به، فهو ممن يكتب حديثه، وينظر فيه، وهي المنزلة الثانية. وإذا قيل: شيخ، فيكتب حديثه، وهو دون ما قبله. وإذا قيل: صالح الحديث، فيكتب حديثه، وهو دون ذلك، يكتب للاعتبار. وإذا قيل: لين، فدون ذلك. وإذا قالوا: ضعيف الحديث، فلا يطرح حديثه، بل يعتبر به. فإذا قالوا: متروك الحديث، أو ذاهب الحديث، أو كذاب، فلا يكتب حديثه.
قال عمر بن إبراهيم الهروي الزاهد: حدثنا الحسين بن أحمد الصفار، سمعت عبد الرحمن بن أبي حاتم يقول: وقع عندنا الغلاء، فأنفذ بعض أصدقائي حبوبًا من أصبهان، فبعتها بعشرين ألفًا، وسألني أن أشتري له دارًا عندنا، فإذا جاء ينزل فيها، فأنفقتها في الفقراء، وكتبت إليه: اشتريت لك بها قصرًا في الجنة. فبعث يقول: رضيت، فاكتب على نفسك صكًّا. ففعلت، فأريت في المنام: قد وفينا بما ضمنت، ولا تعد لمثل هذا.
قال الإمام أبو الوليد الباجي: عبد الرحمن بن أبي حاتم ثقة حافظ.
وقال أبو الربيع محمد بن الفضل البلخي: سمعت أبا بكر محمد بن مِهْرَوَيْه الرازي، سمعت علي بن الحسين بن الجنيد، سمعت يحيى بن معين يقول: إنا لنطعن على أقوام، لعلهم قد حطوا رحالهم في الجنة، من أكثر من مائتي سنة.
قلت: لعلها من مائة سنة، فإن ذلك لا يبلغ في أيام يحيى هذا القدر.
قال ابن مِهْرَوَيْه: فدخلت على عبد الرحمن بن أبي حاتم، وهو يقرأ على الناس كتاب «الجرح والتعديل»، فحدثته بهذا، فبكى، وارتعدت يداه، حتى سقط الكتاب، وجعل يبكي، ويستعيدني الحكاية.
قلت: أصابه على طريق الوجل وخوف العاقبة، وإلا فكلام الناقد الورع في الضعفاء من النصح لدين الله، والذب عن السنة.
وقد كتب إلي عبد الرحمن بن محمد وجماعة، سمعوا عمر بن محمد يقول: أخبرنا هبة الله بن محمد، أخبرنا محمد بن محمد بن غيلان، أخبرنا أبو إسحاق المُزَكِّي، أخبرنا عبد الرحمن بن محمد الحَنْظَلِي، حدثنا هارون بن حميد، حدثنا الفضل بن عنبسة، أخبرنا شعبة، عن الحكم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الجار أحق بِسَقَب داره أو أرضه».
أخرجه النسائي، عن زكريا خياط السنة، عن هارون هذا، فوقع لنا بدلًا عاليًا بدرجتين.
توفي ابن أبي حاتم في المحرم، سنة سبع وعشرين وثلاثمائة بالري، وله بضع وثمانون سنة.
المصدر: كتاب سير أعلام النبلاء لشمس الدين الذهبي.