يبحث الراغب الأصفهاني في هذا الكتاب طريق تهذيب الإنسان حتى يجمع بين أحكام الشرع ومكارمه علمًا وعملًا، ويجعل طهارة النفس أساسًا للارتقاء في الفضائل، مفرقًا بين العبادات ذات الفرائض والحدود المرسومة وبين المكارم التي تقوم على الزيادة في الفضل والإحسان بعد أداء الواجب، ومؤكدًا أن من شغله الفضل عن الفرض فقد أخطأ الطريق. وينظم الكتاب في 7 فصول تبدأ بأحوال الإنسان وقواه وفضيلته وأخلاقه؛ فيصف الإنسان بأنه مركب من جسم ونفس، ويقسم قواه إلى الغذاء والحس والتخيل والنزوع والتفكر، ويرفع منزلته بما اختص به من العقل والعلم والتمييز، ويضعه بين منزلة البهيمة التي تغلب عليها الشهوة ومنزلة الملك التي تناسب القوى الروحانية، بحيث يكون كماله في توجيه قواه إلى العلم والعمل وتزكية النفس. ويربط وجود الإنسان بثلاث وظائف: عمارة الأرض بما يصلح المعاش، وعبادة الله تعالى بالامتثال لأوامره ونواهيه، والتحلي بمكارم الشريعة من الحكمة والعدالة والحلم والإحسان والفضل، ولا يصلح لسياسة غيره حتى يبدأ بسياسة نفسه وتهذيبها. ثم يشرح طهارة النفس بالعلم والعبادة وتهذيب 3 قوى كبرى: الفكر حتى يبلغ الحكمة والعلم، والشهوة حتى تثمر العفة والجود، والحمية حتى تنقاد للعقل فتنتج الشجاعة والحلم، ومن اجتماعها تنشأ العدالة، ويصور الصراع الداخلي بين العقل والهوى بصورة والٍ يستشير وزيرًا ناصحًا ويقاوم عبدًا ماكرًا يريد الاستبداد بالتدبير. ويتوسع الفصل الثاني في العقل والعلم والنطق، فيتناول مراتب العقل، والفروق بين العلم والمعرفة والدراية والحكمة، ومعرفة الله تعالى، والحاجة إلى الأنبياء عليهم السلام، وصلات العقل بالوحي، وأحوال المتعلم والمعلم والواعظ، وضبط التعليم بقدر أفهام المتلقين، ثم ينتقل إلى أخلاق اللسان من الصدق والكذب والمدح والشكر والغيبة والنميمة والمزاح والحلف والجدال. ويخصص الفصل الثالث للقوة الشهوية وما يتصل بها من الحياء وعلو الهمة والوفاء والمشورة والنصح وكتمان السر والتواضع والكبر والعجب واللذات والمطعم والمنكح والعفة والقناعة والزهد والورع، موضحًا أن الفضيلة لا تتحقق بإعدام الشهوة وإنما بضبطها واستعمالها في موضعها. ويعالج في الفصل الرابع القوة الغضبية وما ينشأ عنها من الغم والغضب والحقد، ثم الصبر والشجاعة والخوف والفرح والتوبة والحلم والعفو وكظم الغيظ والغيرة والمنافسة والحسد، فيبحث متى تكون هذه الانفعالات محمودة ومتى تنقلب إلى رذائل بسبب الإفراط أو التفريط.
وينتقل الراغب في الفصل الخامس إلى العلاقات بين الناس من بوابة العدل والظلم والمحبة والبغض، فيشرح العدالة بوصفها هيئة تدفع إلى طلب الاستواء ووضع الأمور في مقاديرها، ويبين أن مجرد وقوع الفعل على صورة العدل لا يكفي لمدح صاحبه إذا حمله عليه الرياء أو طلب منفعة دنيوية، ثم يعالج الظلم والمكر والخديعة والمحبة والصداقة واختيار الأخيار ومجانبة الأشرار والعداوة والغدر. ويجعل الفصل السادس للأعمال التي تقوم عليها حياة الاجتماع، فيقرر حاجة الناس بعضهم إلى بعض، وأن الإنسان لا يستقل بأدنى حاجاته من الطعام واللباس والمسكن دون تعاون وصناعات متشابكة، ثم يبحث وجوب التكسب ومدح السعي وذم الكسل وتفاوت الصناعات والمال وطرق اقتنائه وأحوال الناس في استعماله. ويفصل الموقف من الدنيا إلى أحوال مختلفة؛ فمن الناس من يجعل المال غايته، ومنهم من يأخذ قدر حاجته من الوجه المشروع، ومنهم من يتوسع في المال مع حفظ حق الله تعالى فيه ويصرف الفاضل في مصالح الخلق، ويرى أن المعيار ليس كثرة المال أو قلته وإنما كيفية أخذه ووضعه، ولذلك يجمع بين مصالح المعاش والمعاد ويعد الاعتدال بينهما أكمل من الانغماس في الدنيا أو تعطيل مصالحها. ويعقب ذلك بالإنفاق، فيفرق بين البذل الواجب والمندوب، وبين الإسراف والتقتير، ويقرر أن وضع القليل في الباطل إسراف، وأن بذل الكثير في الحق قد يكون اقتصادًا، ثم يميز بين السخاء بوصفه هيئة في النفس والجود بوصفه فعل البذل، ويقابل كليهما بالشح والبخل، وينتهي إلى أن الجود الأكمل إعطاء المحتاج بقدر استحقاقه من غير منّ ولا أذى. أما الفصل السابع فيدرس الفعل نفسه؛ فيفرق بين الفعل والعمل والصنع، وبين الأفعال النفسية والبدنية والصناعية، والإرادية وغير الإرادية، ثم يبحث استحقاق الحمد والذم بحسب القصد والروية والاختيار والإكراه والخطأ، فالفعل الموافق للعقل والواقع عن اختيار يستحق المدح، بينما تختلف المسؤولية في الأفعال القسرية والإلجائية والخطأ بحسب قدرة الإنسان ومقدار تقصيره. ويختم بتحليل الأسباب التي ينسب إليها الفعل، من الفاعل والمادة والآلة والزمان والمكان والغرض والمثال والمرشد، مبينًا إمكان نسبة الفعل الواحد إلى أسباب متعددة باعتبارات مختلفة، ثم يعيد الغاية الأخلاقية للكتاب إلى صاحب العلم نفسه؛ فلا قيمة للحكمة التي تقال ولا يعمل بها صاحبها، وأقبح التناقض أن ينصح الإنسان غيره ويترك نفسه، ولذلك تنتهي الرسالة بالدعوة إلى الانتفاع بالعلم، والاتعاظ به، واغتنام العمر والصحة والفراغ والغنى والحياة قبل زوالها.