أبو القاسم الراغب الأصفهاني، اشتهر بلقبه حتى وقع اختلاف في اسمه، والأشهر أنه الحسين بن محمد بن المفضل، وقيل: الحسين بن مفضل بن محمد، وقيل: الحسين بن الفضل، وقيل: المفضل بن محمد. وكان من أعلام العلم والأدب، واسع الاشتغال باللغة والتفسير والأخلاق والحكمة والكلام، ووصفه الذهبي بأنه «العلّامة الماهر، والمحقق الباهر» وأنه كان من أذكياء المتكلمين، ووصفه الصفدي بأنه متحقق بفنون متعددة من العلم، تدل مصنفاته على سعة دائرته وتمكنه فيها.
لم يُعرف على وجه ثابت شيء عن شيوخه وتلامذته. وقد ذهب بعض الباحثين إلى احتمال أن يكون قد قرأ العربية على أبي منصور الجبان محمد بن علي بن عمر، لكونه معاصرًا له ومن طبقة قبله، ولكونهما من أصفهان، ولأن الراغب نقل عنه باسمه في «المفردات»، إلا أن ذلك لا يثبت على سبيل الجزم.
عُرف الراغب بالتواضع وكراهة الشهرة، وكان يرى أن تزكية الإنسان نفسه ومدحه لها مما يعيبه، وصرح في «محاضرات الأدباء» بأنه يستعيذ بالله تعالى من أن يكون ممن يمدح نفسه ويزكيها، كما استنكر تضمين المصنف شعر صاحبه لما في ذلك من إظهار النفس. ونُقل عنه حسن الخلق وحسن المحاورة، وأنه تصدر للوعظ والتدريس والتأليف، وكانت له مناظرات ومصنفات كثيرة. وذكر الهجويري أنه كان من مشايخ الطريقة.
تنازع المترجمون في عقيدته، فنسبه بعضهم إلى المعتزلة وبعضهم إلى الشيعة، إلا أن ما نُقل من كلامه في «رسالة الاعتقاد» ومصنفاته يدل على مخالفته للمعتزلة في عدد من أصولهم، ومنها إثبات رؤية الله عز وجل في القيامة، كما رد على عدد من أعلام المعتزلة في «المفردات». وصرح في «الاعتقاد» بانتقاد فرق من الشيعة، وجعل الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة المقتدين بالصحابة رضي الله عنهم. ونقل السيوطي عن بدر الدين الزركشي أن فخر الدين الرازي عد الراغب من أئمة السنة وقرنه بأبي حامد الغزالي.
أما مذهبه الفقهي فلم يظهر من كتبه التزامه مذهبًا واحدًا على وجه واضح، إذ كان يعرض أقوال الفقهاء ويناقشها، فيوافق قولًا في موضع ويخالفه في آخر. وقد نُسب إلى الشافعية، ومال في بعض المسائل إلى أقوال الشافعي ودافع عنه في بعض المواضع، لكنه خالف بعض أقوال أصحابه أيضًا، وعرض في كتبه مذاهب الشافعية والحنفية والمالكية والحنابلة وغيرهم دون اقتصار على مذهب بعينه.
خلّف الراغب تراثًا واسعًا في علوم القرآن واللغة والأدب والأخلاق والحكمة. ومن أشهر كتبه «المفردات في غريب القرآن»، وله تفسير للقرآن سمّاه «جامع التفسير»، وقد ذكره بنفسه بهذا الاسم في «حل متشابهات القرآن». ووُصف بأنه تفسير معتبر ذو مقدمات نافعة، وكان من مآخذ البيضاوي في «أنوار التنزيل». وذكر الفيروزآبادي أن له تفسيرًا كبيرًا في عشرة أسفار، ووصفه بأنه غاية في التحقيق. ووُجد جزء من تفسيره يمتد من مقدمته إلى نهاية سورة المائدة، كما نُسب إليه تفسير مختصر باسم «مختصر تفسير متشابهات القرآن»، إلا أن نسبته تحتاج إلى تثبت.
وله «حل متشابهات القرآن»، وهو الذي عُرف أيضًا باسم «درة التأويل في متشابه التنزيل»، وقد وقع اختلاف في عدّ الاسمين لكتاب واحد أو كتابين. كما نُسبت إليه صلة بكتاب «درة التنزيل وغرة التأويل» المنسوب إلى الخطيب الإسكافي، بسبب التشابه الكبير بين الكتابين، غير أن نسبة هذا الكتاب بقيت موضع بحث. ومن كتبه القرآنية كذلك «احتجاج القراء»، و«المعاني الأكبر»، و«الرسالة المنبهة على فوائد القرآن»، و«تحقيق البيان في تأويل القرآن»، إلا أن الأخير لم يُعثر عليه، وتبين أن المخطوط الذي نُسب إليه بهذا الاسم هو في الحقيقة كتاب «الاعتقاد».
ومن مصنفاته في الأدب واللغة «محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء»، وهو من أشهر كتبه، و«مجمع البلاغة» المعروف أيضًا بـ«أفانين البلاغة»، و«مختصر إصلاح المنطق»، و«أصول الاشتقاق»، و«تحقيق الألفاظ المترادفة على المعنى الواحد»، و«تحقيق مناسبات الألفاظ»، وله كذلك «أدب الشطرنج»، ولم يُعثر عليه.
وله في الأخلاق والحكمة «الذريعة إلى مكارم الشريعة»، وهو من أشهر مصنفاته، و«تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين» الذي ألّفه للوزير أبي العباس الضبي. ومن كتبه ورسائله أيضًا «رسالة في الاعتقاد»، و«الإيمان والكفر»، و«رسالة في مراتب العلوم»، و«كلمات الصحابة»، و«رسالة في آداب مخالطة الناس»، ورسالة في شرح حديث افتراق الأمة والجمع بين روايتيه، وكتاب «شرف التصوف».
ونُسب إليه كتاب «أطباق الذهب»، إلا أن هذه النسبة غير صحيحة، لأنه أُلّف معارضةً لـ«أطواق الذهب» للزمخشري، والصحيح نسبته إلى عبد المؤمن بن هبة الله الأصفهاني.
وكان للراغب شعر قليل بقي منه شيء يسير، كما وردت له محاورة شعرية في «محاضرات الأدباء» تتصل باستعارة الكتب. ومع ذلك كان يتحرج من إيراد شعره في مصنفاته، وصرح بأنه يعد تضمين المؤلف شعر نفسه مما يزري بعقله، وهو ما ينسجم مع ما نُقل عنه من حب الخمول والبعد عن إظهار النفس.