ينطلق ابن القيم في «الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي» من سؤال رجل ابتلي ببلية يخشى أن تفسد عليه دنياه وآخرته، وقد حاول دفعها فلم تزدد إلا شدة، فيبني جوابه على قاعدة أن أمراض القلب كأمراض الأبدان لها أسباب وأدوية، وأن القرآن والدعاء والتوبة من أعظم أسباب الشفاء. ويتوسع أولًا في الدعاء، فيبين أن الأذكار والآيات والأدعية نافعة في أصلها، لكن أثرها يتعلق بحضور القلب وقوة التوجه وانتفاء الموانع؛ فقد يضعف الدعاء بسبب غفلة القلب أو الاعتداء فيه أو أكل الحرام أو الظلم ورين الذنوب، ويصف الدعاء بأنه من أقوى الأسباب في دفع البلاء ورفعه أو تخفيفه، ويحذر من استعجال الإجابة وترك الدعاء عند تأخرها، ويجمع لذلك حضور القلب والإلحاح والتوبة والاستغفار وتحري أوقات الإجابة. ثم يعالج الاحتجاج بالقدر والاتكال على المغفرة، ويفرق بين حسن الظن بالله تعالى والغرور؛ فحسن الظن الذي يحث صاحبه على الطاعة ويزجره عن المعصية رجاء صحيح، أما تحويل الرجاء إلى مبرر للبطالة والإقامة على الذنب فاغترار يشبه من ينتظر زرعًا لم يحرث أرضه ولم يبذرها. ومن هنا يتسع الجواب إلى دراسة المعصية وآثارها؛ فيعدد ما تحدثه الذنوب من حرمان العلم والرزق، ووحشة القلب بين العبد وربه وبين العبد وأهل الخير، وظلمة القلب وضعف الإرادة، ومحق البركة، وتعسير الأمور، واعتياد الذنب حتى يهون، وتوالي السيئات بعضها من بعض، ويربط بقاء النعم بالطاعة وزوالها بالمعصية، ويشبه القلب بالبدن المريض الذي يحتاج إلى غذاء يحفظ قوته، واستفراغ يخرج مواده الفاسدة، وحمية تمنعه مما يؤذيه؛ فغذاء القلب الإيمان والعمل الصالح، واستفراغه التوبة النصوح، وحميته اجتناب ما يفسده. ويتناول بعد ذلك العقوبات المرتبطة بالذنوب، ويقسم الذنوب من جهة دوافعها وآثارها، ويتوقف طويلًا عند الشرك وحقيقة العبودية والمحبة، ثم عند الفواحش ومقدماتها، ويحدد 4 منافذ ينبغي للإنسان أن يحرسها: اللحظات، والخطرات، واللفظات، والخطوات؛ فالنظرة قد تولد خطرة، والخطرة إرادة، ثم تأتي الحركة والفعل، ولذلك يجعل ضبط هذه المداخل وقاية مبكرة من استحكام الذنب. ويفصل في كل واحد منها: فحفظ النظر أصل في حفظ القلب، والخطرات مبدأ الإرادات والهمم والعزائم، واللفظات ينبغي ألا تخرج إلا فيما يرجى نفعه، والخطوات لا تتجه إلا إلى ما يرجى ثوابه أو مصلحته، وبذلك تتحول معالجة المعصية من مواجهة الفعل بعد وقوعه إلى مراقبة بداياته الدقيقة في القلب والحواس والسلوك.
ويتضح المقصود الأصلي للسؤال حين يصل ابن القيم إلى داء العشق، فيجعل علاجه على طريقين: حسم مادته قبل أن تتكون، وقلعها بعد استقرارها؛ فأول وسائل الوقاية غض البصر لما بين العين والقلب من اتصال، ثم إشغال القلب بما هو أعلى وأنفع، لأن النفس لا تترك محبوبًا إلا لمحبوب أعلى منه أو خوفًا من مكروه أعظم منه، وهو ما يحتاج إلى بصيرة تميز مراتب المصالح والمضار وإرادة تعين على اختيار الأعلى. ومن هنا يدخل في بحث مطول في المحبة ودرجاتها، ويفرق بين المحبة لله تعالى وفيه، والمحبة الطبيعية كالزوجة والولد والطعام، والمحبة التي تنازع محبة الله تعالى وتتحول إلى ندّ يتعلق به القلب، ويجعل كمال العبودية متعلقًا بإخلاص المحبة لله تعالى ومحبة ما يحبه، ويعرض الخلة باعتبارها غاية في كمال المحبة لا تقبل المشاركة. ويستدعي قصة يوسف عليه السلام مثالًا على اجتماع دواعي الفتنة مع قوة المانع الإيماني، فيبرز اختيار يوسف عليه السلام السجن على الاستجابة لامرأة العزيز، ويجعل العلاج بعد وقوع التعلق في مقاومة الفكر المستمر في المحبوب، والإكثار من العبادة واللجوء إلى الله تعالى والتضرع إليه، وإشغال القلب بما يقوي محبة الله ويضعف سلطان الهوى. ثم يفصل مفاسد العشق حين يستولي على القلب، وما يحدثه من استعباد للمحب وفقدان للتوازن وتعطيل للمصالح وإضعاف للقلب والبدن، قبل أن يعرض اعتراضًا طويلًا يورد فيه ما قيل من فوائد العشق وقصص العشاق، ويجيبه بأن المحبة لا تحمد ولا تذم لمجرد كونها محبة، وإنما يتحدد حكمها بمتعلقها وآثارها؛ فهناك محبة مشروعة، وأخرى محرمة، وتعلق يقع بغير اختيار الإنسان ثم يكون امتحانه في كيفية التعامل معه. ويؤكد أن محبة الزوجة في أصلها ليست مذمومة، وأن الزواج طريق مشروع لمعالجة التعلق حين يكون ممكنًا، أما من وقع في تعلق لا يملكه ولم يترتب عليه منه فعل محرم فعليه مدافعته، والعفة، والصبر، وإيثار ما يرضي الله تعالى على الهوى. ويقابل محبة الصور بالمحبة التي تنير القلب وتشرح الصدر، وهي محبة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وكلامه وما يحبه، ويربط تفاوت الناس في هذه المحبة بتفاوت آثارها في العبادة والسلوك. وفي آخر مباحثه يناقش الحديث المشهور «من عشق فعف…» من جهة ثبوته، ويرد رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يقرر أن من ابتلي بالهوى فصبر لله تعالى، وعف لله، وكتم، وكان قادرًا على اتباع هواه ثم آثر محبة الله تعالى وخوفه ورضاه، دخل في معنى قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾، فتستقر معالجة الكتاب كلها عند انتقال الإنسان من أسر الشهوة إلى مراقبة القلب، وقطع أسباب المعصية، ومجاهدة الهوى، وتغذية القلب بمحبة الله تعالى والطاعة والتوبة.