ينتقي عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر في «التبيين لدعوات المرضى والمصابين» مادة مخصوصة من كتابه «فقه الأدعية والأذكار» تتعلق بالمريض والمصاب: ما يرقى به، وما يحصن به من السحر والعين والحسد، وما يقال عند عيادته، ثم ما يلجأ إليه المسلم عند الكرب والهم والحزن والمصيبة؛ ولذلك يقوم الكتاب على شرح الأدعية والأذكار المأثورة وبيان معانيها، لا على مجرد سرد صيغها. ويبدأ بـ«ما يرقى به المريض»، فيقدم فاتحة الكتاب مستدلًا بحديث الصحابي الذي رقى بها سيد الحي اللديغ، ثم المعوذات التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ بها على نفسه وأهله، ويورد توجيهه لعثمان بن أبي العاص رضي الله عنه أن يضع يده على موضع الألم ويقول باسم الله 3 مرات ثم يستعيذ بالله تعالى وقدرته 7 مرات من شر ما يجد ويحاذر، ورقية جبريل عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم، ودعاء «اللهم رب الناس أذهب الباس واشفه وأنت الشافي»، ويقف عند ألفاظ هذا الدعاء لبيان ما فيها من إفراد الله تعالى بالشفاء، وأن الأسباب والعلاج لا تنفع إلا بإذنه. ثم يفرد «التعوذ من السحر والعين والحسد»، وينقل عن ابن القيم 10 أسباب لدفع شرها: الاستعاذة بالله تعالى، والتقوى، والصبر على المؤذي، والتوكل، وإفراغ القلب من الاشتغال بالحاسد، والإقبال على الله تعالى والإخلاص له، وتجريد التوبة من الذنوب، والصدقة والإحسان، ومقابلة أذى الحاسد بالإحسان إليه، وأخيرًا تجريد التوحيد والعلم بأن الضر والنفع لا يقعان إلا بإذن الله تعالى. وبعد الوقاية ينتقل إلى «ما يقال للمريض»، فيجعل عيادته حقًا من حقوق المسلم ووسيلة للمواساة وتطييب النفس، وينبه إلى تذكيره بأن المرض قد يكون تكفيرًا للخطايا، وإلى اختيار الوقت المناسب للزيارة وعدم إطالة الجلوس بما يشق عليه، والجلوس عند رأسه، ووضع اليد عليه عند الدعاء، وألا يقال بحضرته إلا خير، مع اختيار الأدعية النبوية مثل «لا بأس طهور إن شاء الله»، و«أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك»، ورقية الفاتحة والمعوذات وغيرها من الأدعية التي سبق شرحها.
وينتقل النصف الأخير من الكتاب من المرض الجسدي إلى ما يصيب النفس من شدة واضطراب، فيبدأ بـ«أذكار الكرب» ويورد دعاء النبي صلى الله عليه وسلم عند الكرب القائم على تكرار «لا إله إلا الله» مع وصف الله تعالى بالعظمة والحلم وربوبية العرش والسماوات والأرض، ثم «الله الله ربي لا أشرك به شيئًا»، و«اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين»، ودعوة يونس عليه السلام: ﴿لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين﴾؛ ويجعل الجامع بين هذه الأدعية التوحيد والإخلاص والافتقار إلى الله تعالى، ثم يشرح كل صيغة وما تتضمنه من توحيد وربوبية وتنزيه واعتراف بالعبودية والظلم. ويعقب ذلك بـ«دعاء الغم والهم والحزن»، فيفرق بين الحزن المتعلق بالماضي، والهم المتعلق بالمستقبل، والغم المتعلق بالحاضر، ثم يشرح حديث «اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك…» ويستخرج منه 4 أصول: تحقيق العبودية والانكسار لله تعالى، والإيمان بقضائه وقدره وعدله، والتوسل إليه بأسمائه وصفاته، والعناية بالقرآن تلاوة وتدبرًا وعملًا ليكون ربيع القلب ونور الصدر وجلاء الحزن وذهاب الهم. ثم يجعل آخر موضوعاته «ما يقول إذا أصابته مصيبة»، فيقرر أن الابتلاء سنة ماضية تشمل النفس والأهل والمال والصحة، وأن حال المؤمن بين الشكر عند السراء والصبر عند الضراء، ثم يركز على الاسترجاع: «إنا لله وإنا إليه راجعون»، ودعاء أم سلمة رضي الله عنها بطلب الأجر في المصيبة والخلف بخير منها. ويفسر الاسترجاع بأصلين: أن العبد ونفسه وأهله وماله ملك لله تعالى يجري عليهم قضاؤه، وأن مرجع الإنسان إليه فيلقى ربه منفردًا بعمله؛ ولهذا يورد قول الفضيل بن عياض للرجل الذي بلغ 60 سنة إن علمه بأنه عبد لله تعالى وراجع إليه يقتضي علمه بأنه موقوف ومسؤول، وأن العلاج أن يحسن فيما بقي ليغفر له ما مضى. وينتهي الكتاب بهذه الفكرة نفسها التي صاحبت شروحه كلها: أن ثمرة الذكر لا تتم بمجرد التلفظ، بل بفهم معناه وتحقيق مقصده، ثم يختم المؤلف بأنه انتهى مما انتقاه في دعوات المرضى والمصابين، داعيًا بشفاء المرضى وتفريج هم المهمومين وتنفيس كرب المكروبين.