يشرح ملا علي القاري في «الحرز الثمين للحصن الحصين» كتاب «الحصن الحصين» لابن الجزري شرحًا واسعًا يتتبع ألفاظ الأحاديث والأذكار والأدعية، ويفسر معانيها ومفرداتها، ويناقش وجوه الرواية واللغة والفقه وما يرد على بعض النصوص من اختلاف أو ضعف، مع المقارنة بين أقوال الشراح والمحدثين والترجيح بينها في مواضع كثيرة. وتنتظم المادة حول فضل الدعاء والذكر وآدابهما، وأوقات الإجابة وأحوالها وأماكنها، والاسم الأعظم وأسماء الله تعالى الحسنى، ثم أذكار الصباح والمساء، وما يحتاج إليه المسلم في أحوال حياته إلى مماته، فالذكر المطلق والاستغفار وفضل القرآن والأدعية غير المقيدة بوقت، ثم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم. ويشرح القاري فضل الذكر والدعاء وعلاقتهما بالعبادة والقرب من الله تعالى، وما ورد في ملازمة اللسان للذكر، ثم يفصل آداب الدعاء، فيذكر التوحيد والإخلاص واجتناب الحرام، والثناء على الله تعالى والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وحضور القلب، والافتقار، والإلحاح، وغير ذلك مما يعين على قبول الدعاء. ويعقب ذلك بأوقات ترجى فيها الإجابة مثل ليلة القدر وأوقات من الليل وغيرها، ويميز بين وقت الإجابة وحال الداعي والمكان الذي يدعو فيه، ثم يذكر أحوالًا وأماكن وردت فيها آثار وأحاديث تتصل بالدعاء، ومن بينها الأذان وبعض أحوال الشدة والعبادة والمواضع الشريفة. وبعد ذلك يبحث الاسم الأعظم والأقوال الواردة في تعيينه، وما قيل في كونه «الله» أو «الحي القيوم» أو غير ذلك، ويشرح حديث الأسماء الحسنى وما يتعلق بعددها وإحصائها ودلالاتها، ويناقش القول بحصر أسماء الله تعالى في 99 اسمًا وما ورد في سردها. ثم تأتي أذكار الصباح والمساء، فيشرح ألفاظ الاستعاذة والتحميد والتوحيد وطلب الحفظ من الشرور، وقراءة سورة الإخلاص والمعوذتين، ويميز ما يقال في الصباح مما يقال في المساء وما يقال فيهما معًا، ويبحث تحديد الصباح والمساء وعلاقة ألفاظ «اليوم» و«الليلة» و«النشور» و«المصير» بكل وقت.
وتتسع الأذكار بعد ذلك لترافق الإنسان في تفاصيل يومه وأحواله المتغيرة، فيورد ما ورد عند النوم والاستيقاظ، والطهارة والصلاة والمسجد، ودخول المنزل والخروج منه، والطعام والشراب واللباس، والسفر والركوب، والمرض والشدائد، وما يتصل بالموت وغيره من المواقف التي يحتاج فيها المسلم إلى ذكر أو دعاء، ويقف القاري عند الألفاظ فيبين اشتقاقها ومعناها ومناسبتها للمقام، كما يعقب على نسب بعض الروايات إلى مصادرها وعلى اختلاف صيغها وأسانيدها. ويبرز في الشرح اهتمامه بالتمييز بين المرفوع والموقوف والمتصل والمنقطع، وبتفسير رموز المصادر التي اعتمد عليها ابن الجزري، ومناقشة حكم الحديث إذا اختلف في رفعه ووقفه أو تعددت طرقه، فلا يقتصر العمل على شرح معنى الدعاء بل يمتد إلى صناعة الحديث نفسها وإلى ما ينبني عليها من قبول النص أو مناقشته. وبعد الأذكار المرتبطة بالأوقات والأسباب ينتقل إلى الذكر غير المقيد، فيشرح ما ورد في فضل التهليل والتسبيح والتحميد والتكبير وسائر الأذكار، ويقرر أن «لا إله إلا الله» من أجل ألفاظ الذكر لما تتضمنه من التوحيد، ثم يأتي الاستغفار وما ورد في فضله وكثرته، وفضل القرآن وسوره وآياته، ثم الأدعية المطلقة التي لا تختص بوقت معين. ويوازن في هذا الموضع بين التلاوة والذكر والدعاء، فيقرر أن القرآن أفضل من الذكر في الأصل، والذكر أفضل من الدعاء من حيث الإطلاق، مع تقديم العبادة أو الذكر المخصوص بالمقام إذا شرع له وقت أو موضع معين؛ فالتسبيح في الركوع والسجود، وأذكار ما بعد الصلاة، وإجابة المؤذن، كل منها يقدم في موضعه على الاشتغال بغيره، لأن لكل عبادة مقامها المشروع. ويختم المباحث بفضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وصيغها ومعانيها، ويشرح الصلاة الإبراهيمية وما يتعلق بآل النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يورد صيغًا أخرى من الصلاة والسلام والدعاء، حتى تنتهي المادة بالدعاء بتفريج الكرب ورفع البلاء ودفع الظلم وحسن الخاتمة. وهكذا يسير «الحرز الثمين» مع الذكر والدعاء من أصولهما وآدابهما إلى تطبيقاتهما في ساعات اليوم وأحوال الحياة، ويضم إلى شرح النص عناية باللغة والحديث والفقه واختلاف الروايات، ليبين معنى المأثور وموضع استعماله وما يتصل بثبوته ودلالته.