يرسم عمر عبد الكافي في هذا الكتاب مسار الإنسان من حياته الدنيا إلى مستقره الأخير، ويجعل استحضار الموت مدخلًا لإصلاح العمل؛ فذكره يدفع إلى تعجيل التوبة والنشاط في الطاعة والرضا بما قسم الله تعالى، بينما تؤدي الغفلة عنه إلى التسويف والانشغال بالدنيا وعدم القناعة. ويضع حياة الإنسان ضمن مراحل متتابعة تبدأ بعالم الأرواح، ثم طور الجنين، فالدنيا التي هي مرحلة التكليف والابتلاء، ثم البرزخ، ثم الدار الآخرة، ويؤكد أن الموت لا يختص بسن أو حال، وأن الاستعداد له يكون بالتوبة ورد الحقوق وكتابة الوصية وإصلاح ما بين الإنسان وأهله والناس قبل فوات زمن العمل. ويتابع لحظات الاحتضار وقبض الروح وتغسيل الميت وتكفينه ودفنه، وما يتصل بالوصية والدَّين وحسن الخاتمة، ثم يدخل بالقارئ إلى القبر وحياة البرزخ، فيتناول سؤال القبر ونعيمه وعذابه، والأعمال التي يذكرها من موجبات العذاب، في مقابل الأعمال المنجية منه، حتى يصبح القبر أول محطة عملية بعد انتهاء زمن الاختيار في الدنيا. ثم ينتقل إلى أشراط الساعة، فيفصل العلامات الصغرى وما تدل عليه من اقتراب الحساب، ثم العلامات الكبرى كطلوع الشمس من مغربها، وظهور الدابة والدخان، وخروج المسيح الدجال، ونزول عيسى عليه السلام، وخروج يأجوج ومأجوج، قبل الانتقال إلى النفخ في الصور وانتهاء الحياة الدنيا. ويعقب ذلك بالبعث من القبور بعد النفخة الثانية، وخروج الناس إلى أرض المحشر واجتماع الأولين والآخرين، ثم أهوال الموقف وأسماء يوم القيامة وما تعبر عنه من الشدة والحساب والجزاء. وبعد الحشر تأتي الصحف والحساب والميزان؛ فتتكشف الأعمال، ويأخذ الناس كتبهم، وتوزن الحسنات والسيئات، ويربط المؤلف هذا المشهد بمحاسبة النفس في الدنيا قبل الوقوف للحساب في الآخرة. ويتناول الأعمال التي تثقل الميزان، ثم الشفاعة وصورها، ومنها الشفاعة في بدء الحساب، والشفاعة لبعض من خفت موازينهم أو تعرضوا للسقوط عند الصراط، ويتحدث بعد ذلك عن الصراط وما عليه من كلاليب وخطاطيف، ويصل بين الاستقامة على صراط الله تعالى في الدنيا والنجاة على صراط الآخرة، ثم يعرض حوض النبي صلى الله عليه وسلم ومن يرد عليه ومن يحرم منه، لتكتمل مراحل الموقف قبل المصير إلى الجنة أو النار.
ويفرد عبد الكافي جانبًا واسعًا للمصيرين الأخيرين، فيبدأ بالنار ودرجاتها وأبوابها وأصناف من يدخلونها، ثم يطيل في وصف عذابها وطعام أهلها وشرابهم ولباسهم وما يلاقونه من الحسرة، مستثمرًا هذه المشاهد في الحث على الخوف من الله تعالى وترك الأسباب التي تقود إلى العذاب، مع إبقاء المؤمن بين الخوف والرجاء. ثم تتغير نبرة الرحلة عند الحديث عن الجنة، فيعرض الأعمال التي سماها مفاتيح لها، وأسباب دخولها، ودرجاتها ونعيمها وأسماءها وصفات أهلها، ويشرح ما ورد في الأنهار والقصور والطعام والشراب واللباس والطمأنينة ودوام النعيم، مؤكدًا أن حقيقة ما أعده الله تعالى فيها أعظم من أن يحيط بها خيال الإنسان. ولا يكتفي بوصف النعيم، بل يربطه بصفات عملية يريد غرسها في حياة المسلم، فيتوقف عند صفات عباد الرحمن من التواضع والحلم وقيام الليل والخوف من النار والاعتدال في الإنفاق واجتناب الكبائر والتوبة والبعد عن الزور، ثم يتابع خصال المعروف والعفو وكظم الغيظ وقضاء حاجات الناس، ويستحضر مؤمن آل فرعون نموذجًا للجهر بالحق والدعوة إلى النجاة. ويعرض مراتب الداخلين إلى الجنة وأول من يدخلها وآخر أهلها دخولًا، ثم تبلغ الرحلة مقصدها الأعلى في الحلقة الأخيرة التي خصصها لرضا الله تعالى والنظر إلى وجهه الكريم، فيجعل رضوان الله الذي لا يعقبه سخط ورؤية وجهه أعظم من سائر ما سبق من صور النعيم. ويربط هذه النهاية بالاستقامة وحسن الصحبة والصبر على الابتلاء والعمل للدار الباقية، ويستحضر قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ ليعيد القارئ من وصف الجنة إلى الغاية التربوية للسلسلة كلها: أن المعرفة بالموت والبرزخ والبعث والحساب والجنة والنار لا يراد منها مجرد تصور ما سيقع، وإنما أن تتحول إلى توبة واستقامة ومراقبة لله تعالى وعمل يهيئ صاحبه للقاء الله عز وجل والفوز برضوانه.